الخطاط حسن تقي زاده

فن الخط تجل لثقافه المجتمع

منير مسعودي  

 

     يعتبر فن الخط من اقدم الفنون الاصليه في ايران. و خلال مسيره حياته الطويله طوي مراحل مهمه في التغيير و التحول و التطور. و في العقود الاخيره حيث اخذت تتعالي صيحات العوده الي الاصاله، وجد فن الخط مكانته الحقيقيه في المجتمع اذ استطاع ان يجد لنفسه اساليب مبتكره للنفوذ الي حياه الناس عبر اقترانه بالرسم، و بروزه في اعمال الجرافيك و تجليه في العماره ككتائب القاشاني و الزخارف و النقوش التقليديه و الحديثه، التي عادت ثانيه الي فن العماره.

     لا شك ان فن الخط بدأ يدخل عالماً جديداً، نظراً لاستخداماته المتنوعه، و اعتماداً علي فهم الفنان الشخصي و الذوقي و الابداعي في كيفيه التعامل مع هذه الظاهره. و في هذا المجال بدأنا نشهدا اعمالاً فنيه غايه في الروعه و الجمال يزينها الحرف برشاقته و سحر بيانه. و قد ساعد ذلك في ان يلفت اليه الانظار و يجدله هواه كثيرين خاصه بين اوساط الشباب. و الخطاط حسن تقي زاده كرماني احد هؤلاء الشباب الذين استهواهم فن الخط فكّرس لخ كلخ وقته و جهده. و قد قاده عشقه لهذا الفن الي ان يقطع مئات الكيلومترات مرتين في الاسبوع ليواظب علي حضور دروس مشاهير هذا الفن و كذلك ان يتولي بدوره تدريس الشباب قواعد الخط و فنونه. يحدثنا الخطاط كرماني بصدقه المعهود مع حروفه عن تاريخ تطور هذا الفن، قائلاً:

     لقد قيل و كتب الكثير عن تاريخ فن الخط. و ما يمكن قوله هنا هو ان تطور فن الخط و احتلال المكانه التي هو عليها الآن، وليد جهود و مساعي و تجارب كثيره بذلها مشاهير هذا الفن. و لا يخفي ان فن الخط يعد من اركان الفنون الاسلاميه، و خلال مسيره حياته شهد مراحل مهمه من تطوره و ازدهاره علي يد فنانين كبار كان معظهم من الايرانيين. و بفضل ابداعه انواع و اساليب مبتكره، استطاع ان يواصل حياته و يزيد من ازدهاره. و منذ بدايه نشوئه توفرت لها الطاقات و الامكانات ليتخطي فن الخط غايات ابعد و أوسع من الكتابه، و ينتج فنانين ابدعوا نواعاً مختلفه من الخطوط كالثلث و النسخ و الريحان و الرقعه و التعليق و النستعليق و غيرها، ساعدت كثيراً في توسيع دائره استعماله و استخداماته. و من هنا و رغم ان الخط من حيث التعبير، لا يضاهي الدور الذي تلعبه الفنون الاخري كالفنون المسرحيه و السينما في اغناء ثقافه المجتمع و حفظ تراثه و قيمه، الاّ انه لا يستهان بدوره في هذا المجال.

     * اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار الجهود التي بذلها اساتذه هذا الفن في الماضي في ايصال فن الخط الي مرحله الكمال، باعتقادك هل لدي الخطاطين اليوم ما يضيفونه الي هذا الفن؟

     * ربما يمكن القول ان تحولاً اساسياً لن يحدث، و هو من هذه الناحيه ربما لا يختلف عن فن الرسم و الالوان و تركيباتها. فكما تعلم ان تراكيب رامبراند و رونس و آخرين و ابداعاتهم في هذا المجال ليس لها نظير. هذا من جهه. و من جهه اخري فان وتيره الحياه باتت متسارعه، و ان التطور الذي ينال فن الرسم لا يقود الي ابداعات اصوليه بحته، بل بات الشكل مطروحاً بقوه، و ان الذين يهتمون بالشكل يمتلكون الكثير مما يريدون قوله. و قد بتنا نشهد اختبار اساليب مختلفه، اذ راحت تختلط اشياء عديده بالرسوم، فاحياناً تجد في لوحه فنيه لموضوع فولكلوري تطعم بقطع من الصفيح الصديء او خرقه من قماش قديم، و نري الكل يستحسن ذلك و يثني عليه. لقد باتت القيم و المثل تجد لها معاني و مفاهيم جديده و ان فن الخط ايضاً غير مستثني عن هذه القاعده. قد لا يولد في مجال الخط ابداً خطاطون امثال «ميرعماد» في النستعليق، و «درويش» في الخط الفارسي المسكور، و «ياقوت مستعصمي» في خط الثلث، و «احمد التبريزي» في خط النسخ، و لكن النوابغ في هذا الفن ابتدعوا اساليب و اشكال جديده تستمد اصولها من اسس علميه. ان التراكيب اللونيه و التعارض و الانسجام الذي نجد في اعمال الخطاطين اليوم يشير بوضوح الي استجابه الخطاط المعاصر و مواكبته لمتطلبات العصر.

     * في تصورك ما هي طبيعه العلاقه بين الخط و الرسم

     * في اعتقادي ان الخط هم من اكثر الفنون اقتراباً من الرسم، لأن الاثنين يشتركان معاً في استخدام القلم للتعبير عن مكنوناتهما. فالرسام يجسد في منه ما يراه و يشعر به في عالمنا الحسي. اما بتصويره ذاتياً او تركيباً ليجد في النهايه مفهوماً جديداً لعمله. فاذا ابدع في عمله يقال له فنا. و من هنا فان المفهوم الفني للخط يعني سلامه الحروف و جماليه تراكيبها و وضعها في مستوياتها الخطيه الخاصه.

·             كيف تنظرون الي الخط اساسا، هل الخط فن أم تقنيه؟

     * ان ما تفيده كلمه خط لا ينحصر في انه فن، فحسب بل مجموعه فنون، اذ يصفه التاريخ المدون بأنه ثقافه المجتمع. فاذا ما تحرك القلم علي الخشب اعطي فنا طريفاً و دقيقاً يسمي نحتاً. و عند تحركه فوق الاحجار التزينيه يشكل فناً يسمي نقشاً. و في تحركه علي المعادن ينتج لنا فناً نطلق عليه زخرفه و ترصيع. و بشكل عام يمكن القول ان فن الخط يدين في تطوره و تكامله و قدسيته الي القرآن الكريم الذي بدأ تدوينه و كتابته بالخط الكوفي، و استمرت كتابته الي الان بخط النسخ و الثلث و انواع الخطوط الاخري.

·             ما هي طبيعه المواد التي كان يستخدمها الخطاطون القدماء في تحضير مركباتهم و الوانهم؟

     * عموماً كان اسلوب تحضير المركبات يلتصق التصاقاً وثقياً بالطبيعه، اي كانت تتم الاستفاده، من المواد الطبيعه التي تتسم بطبيعها اللونيه، و بقي هذا الاسلوب يحظي بالاهتمام و العنايه حتي يومنا هذا. و لعّل من اشهر المواد التي استخدمت في تحضير اصباغ و مركبات الخطاطين، الشاي و قشور الجوز و الزعفران و غير ذلك. و مما يذكر ان طريقه تحضير الحبر بقيت متداوله حتي يومنا هذا.

·             حدّثنا عن علاقه الخط بالتذهيب؟

     * كما تعلم ان فن التذهيب و التشعير من الفنون القديمه الغنيه الخالده التي عرفت بها بلادنا. و قد تزامنت مرحله ازدهارها مع دخول الاسلام بلادنا، و باتت مرحله استخداماته المتنوعه في الزخرفه و العماره و السجاد و وسائل الزينه و اطارات اللوحات، تشكل جزءاً من معالم الفن الايراني الذي اشتهر في العالم. و منذ القدم اقترن التذهيب بانواع الخط و كان في الغالب يمثل الارضيه البارزه لاعمال الخطاطين. و بصوره عامه تتسم النقوش و الالوان المستخدمه في التذهيب بتنوعها و تبايناتها الكثيره، و غالباً ما تمنح اللوحه الخطيه انسجاماً و تناسقاً عبر التواءات الخط و انعطافاته. و ما ينبغي التأكيد عليه هنا و هو ان تنفيذ التذهيب حول الخطوط يجب ان يتم بدقه متناهيه و براعه حتي لا يكون سبباً في التقليل من القيمه الفنيه للخط. فالخط بلونيه الابيض و الاسواد يمتلك من الجماليه ما فيه الكفايه، و لكن اذا ما اضيف اليه التذهيب ببراعه فسوف يتضاعف سحر و جذابيه اللوحه الخطيه.

     * لا شك في أن فن الخط من الفنون المعدوده التي تتسم بحريمها المعنوي. من الذي اضفي عليه هذه القدسيه برأيك؟

     * لا شك في ان الخط يحمل بين طياته نوعاً من القداسه و الشرف الثقافي، فالخط الساحر و الكلام الجميل يتطلب فكراً نبيلاً و تفكيراً سليماً. و من هنا نجد الاعمال الفنيه الخالده في شتي انحاء العالم، قد اتخذت من التعاليم الالهيه و كلام العظماء و القديسين من مواعظ و حكم و اشعار، ميداناً لابداعها. و لا يخفي ان النصوص الخالده ما هي الاّ عصاره ثقافه امه و اختصار لتاريخها، تتجلي في لوحات خطيه جميله و لوحات فنيه و كتائب و زخارف و نقوش. و مثل هذه الاعمال تهدف عموماً الي سوق الاذهان الي القيم الخيّره و ايقاظ الوجدان لابناء المجتمع، لذلك غالباً ما نري امثال هذه الاعمال توضح في الساحات العامه و امام الانظار لتكون محط الانظار دائماً.

     و فضلاً عن هذا كله، ان فن الخط و عبر و مدارجه الفنيه، و ضمن تعليمه فن كيفيه التحرير و الكتابه، يسعي الي اشاعه فن الحياه، و سبل الخلود، و في هذا المجال فان معلم الفن لايألو جهدا في تعليم الهاوي، و لهذا تنشأ علاقه معنويه حميمه بين المعلم و الهاوي، و من هنا يكون حريم هذا الفن ـ فن الخط ـ مفعماً بالمعنويات دائماً.

·             كيف ترون الاهتمام بواقع فن الخط اليوم؟

     * لحسن الحظ ان في الخط تميز بعد انتصار الثوره الاسلاميه بالتطور و الازدهار و السبب في ذلك يعود الي الاهتمام الواسع في ايجاد المحيط اللازم لبروز الابداعات الفرديه الخلاقه في هذا المجال. و كان ذلك باعثاً لأن يتوجه الشباب الهواه لتجربه حظهم في هذا المضمار. و لذا فان عدد الخطاطين اليوم يفوق ما كان عليه قبل الثوره الاسلاميه بمراتب.

     لقد اكتسب فن الخط رونقاً خاصاً اليوم حيث ارتفع عدد الهواه في رابطه الخطاطين من (3000) طالب الي (7000) طالب في فتره وجيزه. و يقدر عددهم الآن بسبعه عشر طالباً في جميع انحاء البلاد. و من هنا يمكن القول بكل جرأه ان فن الخط اليوم يمر بفتره انتعاش و ازدهار كاملتين.

·             هل بالامكان ان تعطينا نبذه مختصره عن تاريخ النستعليق، الخط الفارسي الشهير؟

     * خط النستعليق يعود في جذوره الي خط النسخ الذي عمل الايرانيون علي تحوير صورته العربيه بما يتوافق مع الذوق الايراني. الاّ ان الذهنيه الايرانيه المبدعه لم تكتف بذلك، بل ابتكرت نوعاً من الخط يختلف تماماً عن انواع الخطوط المعروفه. حيث تمكن مير علي التبريزي في النصف الثاني من القرن الهجري، من ابتكار خط جديد عبر الدمج و المزاوجه بين كل من خطي النسخ و التعليق، الذي اصبح يعرف فيما بعد باسم «النستعليق». و بمرور الوقت حظي هذا النوع من الخط بالاعجاب و التقدير و اصبح له هواه كثيرون عملوا علي تطويره و فصله تماماً عن الخط الأم «النسخ و التعليق» و منحه شخصيه المستقله.

     و يستند خط النستعليق الي قاعدتين عامتين كانت محل اهتمام الخطاطين منذ عصر ابداعه علي يد «ابن مقله» و حتي الآن. و هاتان القاعدتان تعرف بـ«حسن التشكيل» و «حسن الوضع». و ان حسن التشكيل يهتم بجوانب من قبيل الحجم و استفاده الحرف من الخطوط الهندسيه و من «السطح و الدور» و «الطول و القصر» و «الرفع و السمك». اما حسن الوضع فيعني بصوره العلاقه بين الحروف المتصله و طريقه وضع الحروف المنفصله الي جوار بعض، و بشكل عام يهتم بترتيب السطور الي بعضها.

     هذا و قد برز اساتذه كثيرون بمرور الزمان برعوا في خط النستعليق، اضاف كل واحد منهم بدوره ابداعاً و جماليه اليه.

 

الوحده العدد 198