لمحات من الفن الاسلامي

فن المنمنمات و المدرسه البغداديه

هاشم البكاء

 

     يشكل فن المنمنمات جزءاً مهماً من الفن الاسلامي، الي جانب فن العماره و فن الزخرفه و الخط العربي

     يطلق اسم منمنمات علي الرسوم التصويريه التي تزيّن المخطوطات الادبيه و العلميه التي ازدهرت بين القرنين السادس و الثامن للهجره (12 ـ 14 ميلادي) مع ازدهار الحضاره الاسلاميه و انتعاش حركه التأليف و الترجمه. و قد استخدمت المنمنمات كوسيله ايضاح لبعض الفقرات الا انها في الوقت نفسه اضافت عنصراً جديداً الي جمال الحرف العربي و انسيابيته، الا و هو عنصر البقعه اللونيه، و الشكل الواقعي الي شكل الحرف التجريدي. و من الكتب الكثيره المزوّقه بالتصاوير كتاب كليله و دمنه لـ (بيديا) و الذي عرّبه عبدالله بن المقفع و مقامات الحريري، و كتاب الاغاني لابي فرج الاصفهاني و كتاب الكواكب الثابته لعبدالرحمن الصوفي. و من الكتب العلميه؛ كتاب خواص العقاقير لديوسقوريدس، و كتاب التريايق لـ (جالينوس) و كتاب البيطره لاحمد بن الحسن و غيرها. فأضافت المنمنمات الي تلك المؤلفات قيمه فنيه كبيره بالاضافه الي قيمتها الادبيه و العلميه.

     و قد اتاحت لنا هذه الرسوم فرصه التعريف علي عادات و تقاليد المجتمع الاسلامي العربي و غير العربي في تلك الحقبه من الزمن، و اطلعتنا علي التفاصيل الحياتيه اليوميه التي لم تؤرخ بالكتب، و هي بذلك تعتبر وثائق مهمه جداً . لقد تجاوزت المنمنمات اطارها الاسلامي و اصبحت تؤثر في فنون اخري، فقد عثر علي نسخه من انجيل طفوله السيد المسيح (ع) باللغه العربيه، و هي احدي المخطوطات المسيحيه القديمه المزينه بالمنمنمات التي نري فيها بوضوح خصائص و اسلوب مدرسه بغداد.

 

المميزات العامه لفن المنمنمات

     من مميزات المنمنمات العربيه و الاسلاميه، انها مسطحه ذات بعدين طول و عرض. و لم يلجأ المزوّق الي التجسيم عن طريق رسم البعد الثالث للاشياء و الاعتماد علي خداع البصر. بل ان العنصرين الاساسيين في المنمنمه هما: الخط و البقعه اللونيه، حيث يحدد الخط البقعه. كما ان التلوين اقتصر علي الكتل فقط، و لم يتسخدم لملء الخلفيات المحيطه بهذه الكتل، بل بدت الكتل تسبح في فضاء الصفحه، و لون الورق هو لون الخلفيه المشتركه للتصويره و للكتابات المحيطه بها. و ليس هناك فصل بين الاثنين، لانها جاءت لتفسير فقره معينه او لا يضاحها بأسلوب تعبيري آخر معتمداً علي الخط و اللون بدلاً من الحروف و الكلمات التي تعجز في بعض الاحيان عن تفسير الجانب الشكلي من الحياه، و لذلك انعدمت الحاجه الي وجود اطار يحدد التصويره، مما ادي الي التداخل الرائع بين الاثنين. و يشذ عن هذه القاعده التصويره الاولي في المخطوط فهي محدده باطار، و يملأ الفراغات بين الكتل و بحدود الاطار، لون يميز ارضيه الصوره عن باقي لون الورقه.

     يحتل الانسان مكاناً كبيراً في المنمنمات و يأتي بعده بالدرجه الثانيه الحيوانات و النباتات و العمائر، و قد اعانت دقه رسم العمائر المؤرخين علي ارجاع نسبه التصويره الي المدينه المرسوم فيها من خلال شكل الاقواس و العناصر الزخرفيه التي تزينها. و لا يخفي علي احد دور الفنان العربي و المسلم في تطوير فن الزخرفه بتوظيفه للعناصر الهندسيه و النباتيه و حتي الكتابات. في ايجاد تشكيلات زخرفيه علي قدر كبير من الروعه، زينت جدران و قبب المساجد من الداخل و الخارج، حتي سميت عند الغرب بالـ (آرابك). و مما ساعد في تطوير هذا الفن هو الفهم الذي كان سائداً بتحريم الاسلام لتصوير الرسوم الآدميه و الحيوانيه.       

     و هذه احد العوامل التي جعلت المسلمين ان يفتقروا الي يومنا هذا بمدرسه باسمهم في الاسلوب و الاطر العامه.

     نلاحظ في فن المنمنمات بوضوح الخروج عن الواقعيه الحرفيه عند مقارنه حجوم بعض عناصر اللوحه الي العناصر الاخري المحيطه بها، مثلاً نسبه حجم الانسان الي العمائر، حيث يبدو الانسان كبيراً جداً بالنسبه لها للاشاره الي ان الانسان هو الموضوع الرئيسي و المركزي في اللوحه، و اكثر من ذلك يحدث في احيان كثيره تباين في الحجم بين حجوم الانسان في نفس التصويره فتبدو احدي الشخصيات اكبر حجماً من الاخريات للدلاله علي اهمي هذه الشخصيه الاجتماعيه او السياسيه او الدينيه كأن يكون اميراً او ملكاً او شاعراً الخ.

 

مميزات مدرسه بغداد في التصوير

     أن المميزات التي ذكرناها آنفاً، هي ميزات عامه تنطبق علي كل المنمنمات، و لكن اذا اردنا الدخول في التفاصيل التقنيه و الموضوعه و فحصها عن قرب، فاننا سنجد اختلافات بيّنه. و ما الميزات العامه سابقه الذكر الا اطار يضم في داخله اساليب متعدده. بحيث يصبح في مقدورنا تصنيفها الي عده مجاميع لكل منها ميزاته الخاصه و المحليه التي تستحق ان يطلق عليها تسميه (مدرسه). و كان لتقارب و تشابه الاعمال الفنيه للمدرسه الواحده علاقه كبيره بالموقع الجغرافي الذي رأت فيه النور، لذلك سميت هذه المدارس بأسم مراكز هذه المواقع الجغرافيه مثل مدرسه بغداد و مدرسه الموصل، و مدرسه دمشق، علي الرغم من ان قسماً كبيرا من تلك الاعمال أنتجت خارج هذه المدن الثلاث. فالموصل هي احدي كبريات المدن العراقيه الواقعه في الشمال و القريبه من الحدود التركيه و السوريه و اللتين ازدهر فيهما فن المنمنمات. و الموقع الجغرافي هذا ادي الي ان تتبادل هذه المراكز تأثيراً ظهر واضحاً في النتاجات الفنيه لكل منها. لذلك نلاحظ بعض التأثيرات التركيه علي اعمال مدرسه الموصل حيث نري الملامح التركيه باديه علي وجه الشخصيات بشكل عام. كما نري في رسومات البلاط ان السلطان يتربع علي عرش من طراز و الجمود (و هي من مميزات الفن في المرحله الساسانيه) تميزت بها معظم نتاجات هذه المدرسه. و قد عنت هذه المدرسه بتسجيل حياه البلاط بملوكه و سلاطينه و الدائرين في فلك السلطه، التي حاولت شأنها شأن كل سلطه في كل زمان و مكان، توظيف الادب و الفن لخدمتها و ترسيخ قواعدها. لذلك اصبحت عناصر التصوير بشخوصها و حيواناتها و نباتاتها عباره عن عناصر زخرفيه جماليه مبتعده عن الحياه اليوميه لعامه الناس. ثم ان هذه المدرسه تمتاز الوانها بصفائها و نقائها، مما يذكر بألوان المينا التي تطعم نقوش التحف المعدنيح المعمولح في الموصل ايضاً. اذن فالاسباب التي جعلت من مدرسه بغداد ان تنفرد في خواصها و مفرداتها هو ابتعادها عن حياه السلاطين و التركيز علي الحياه العامه للناس، اضافه الي اهم سبب هو ادخاال الحرف العربي في اللوحه البغداديه دون سواها في اول الامر، و اعطاء الفضاءات داخل اللوحه (الباكداون) مساحه اكبر اضافه الي الاستخدامات اللونيه و التي دائماً ما تشكل العلامه الابرز لأي مدرسه، فالمدرسه البغداديه دائما ما تكون الوانها قاتمه و خلفيات لوحاتها تميل الي الصفره و وجه شخصوها تكسوه اللحي.

 

المنمنمات بين ايران و العراق و سوريا

     أن السبب الذيي جعل من هذه البلدان الثلاثه ان تكون انشط البلدان في فن المنمنمات، و هو التراث السابق لها في فنون النحت و التصوير اضافه الي ابتعاد الفنان عن الاسباب الرادعه في تقتهر الفن التشخيصي، ففي الجزيره العربيه كان محرماً العمل في فن التصوير خوفاً من عوده البعض و الحنين الي الاوثان، و لا يزال هذا التحريم ساري المفعول الي يومنا هذا، و هو تصوير الكائنات الحيه. علماً ان القرآن الكريم لم يحرم التصوير، و انما وردت في بعض الآيات بأن الله هو المصور و هو الخالق. و من هنا نشأت فكره الابتعاد عن التصوير لعدم مضاهاه الله، و لكن المناطق انفه الذكر لم تكن بلدانا وثنيه ثم انها اساساً بلدان ذات حضارات عريقه تعرفت علي التصوير و النحت كأساليب فنيه قبل مجيء الاسلام بآلاف السنين، و لكنها لم تكن تعرف ببلدان مصوره علي الورق او الجلد، و انما دائما ما كانت ترسم علي الجدران في المعابد و قصور الملوك.

     و اخيراً لابد من ذكر معلومه قد تخفي علي الكثير من الاخوه القراء و هي ان فن المنمنمات قد مات في كل البلدان الاسلاميه الا في ايران و العراق، فايران لا تزال تستخدم فن المنمنمات بعد أن أدخلت عليه البعد الثالث علي يد فنانيها الكبار امثال الفنان المبدع (فرشچيان) الذي كرمته الدوله اخيراً، علماً ان ايران قد اخذت الرياده منذ القرن الحادي عشر اي بعد ظهور المدرسه البغداديه بقرن واحد و لا تزال الي يومنا هذا.

     ان مهاره الفنانين الايرانيين اليوم تتجلي في الاعمال التي ينتجونها في مدرسه طهران للصناعات اليدويه و في متحف المدرسه. انها تتميز بالتعبيريه و بالانسجام بين الالوان. اما في العراق، فقد خلدت جمعيه الفنانين التشكيليين رواد هذه المدرسه من خلال اقامه معرض سنوي باسم رائد المدرسه البغداديه الفنان يحيي الواسطي، و قد برز اخيراً مجموعه من الفنانين الشباب قاموا باحياء هذا الفن الرائع وفق اسلوب حديث.

 

الوحده العدد 197