محمد ناصري پور

لابد للفنان من المزاوجه بين الاصاله و الحداثه

سعد آل ‌نجف

 

     الوحده: نرجو منكم ان تعرفوا انفسكم و توضحوا موجزاً عن اعمالكم و نشاطاتكم الفنيه.

     ناصري بور: إسمي محمد، و لقبي ناصري بور، من مواليد 1942 م. حصلت علي الشهاده الجامعيه من جامعه طهران قسم الهندسه المعماريه بتفوق، و منذ الطفوله كانت لي علاقه خاصه بالرسم و النقوش الجميله. و كنت اتطلع الي نقوش السجاد و الكاشي و الفنون التقليديه. و يجب ان اشير الي نقطه مهمه و هي ان الفضل في تعلقي بالفن يرجع الي عائلتي.

     في سن الخامسه عشره شرعت بمزاوله الرسم و كانت بدايتي بدون توجيهات استاذ او مساعده شخص مطلع علي اولويات اسلوب العمل الصحيح و طريقته. بعد سنين من العمل أحسست بالحاجه الي من يرشدني الي طرق العمل الصحيح و أساليبه، و في احدي السنين اجري لقاء تلفزيوني مع (الاستاذ بهزاد) حينها فكرت في الاتصال به بأي وسيله، و مهما كلف الثمن، لأعرض عليه جميع اعمالي و رسومي كي استفيذ من توجيهاته و ارشاداته، و بعد جهود شاقه استغرقت عده اسابيع استطعت ان احصل علي موعد لقاء بالاستاذ ذلك انه ليس من السهل الحصول علي لقاء به. و قد كان للقاء موفقاً، حيث عرضت عليه مجموعه من اعمالي، و بعد ان اطلع عليها اقترح ان يكون بيننا لقاء اسبوعي استمع فيه الي توجيهاته و آرائه، و في الحقيقه ان هذا الحدث هو اهم حدث فني في حياتي.

     بعد مضي عده اشهر من علاقتي بالاستاذ حسيني بهزاد الذي يعد اكبر رسام معاصر للمينيا في ايران، و الذي استطاع ان يوصل الفكر الحديث للفن الايراني الاصيل الي حد الكمال قال لي، بعد اليوم لا توجد لدي أيه اضافه اقدمها اليك، و اني احيزك ان تحضر معي و تنعم النظر في اعمالي التي انجزها، هذا العرض من قبل استاذي يعتبر اهم حافز لي حيث نقلني من الدرس السمعي الي الدرس البصري و كم هو الفرق بينهما. ان مشاهدتي لرسم اللوحات و اقترابي الاكثر من استاذي جعلني اتقن و اتعلم بعض بعض الامور الخفيه في هذا الفن و اتبع اسلوبه في الرسم و النحت و طريقه التلوين و كذلك الجمع بين الالوان و كل هذه الامور أثارت انتباهه و اعتماده و حبه لي و ثقته بطريقه عملي حتي اصبحت تلميذه الوحيد و رفيقه الي آخر عمره. لقد استطعت ان اواصل طريقه و اسلوبه في تحديث المينيا. و هذا ما يجعلني اشعر بالنشوه و الزهو.

     في سنه 1981 م سافرت الي باريس لمواصله دراستي و اكتساب المعلومات في المجال الفني. و في السنه نفسها اقمت معرضاً في (البيت الايراني) في باريس حيث كان موضع اقبال الزائرين طيله وجودي في باريس.

     في سنه 1982 م طلب مني مركز دراست فرنسي، في جنوب فرنسا ان اقيم معرضاً و لمده شهر واحد. و كان هذا المعرض استثنائياً و محط انظار عشاق الفن و المراكز الفنيه و الثقافيه و كذلك النقاد الفنيين الفرنسيين، كما ان الناقد الفرنسي (Jean Mouraille) المعروف نشر في صحيفه (Nice matt) تقريراً مفصلاً عن اعمالي الفنيه، و كذلك عرض تلفزيون مونت كارلو و شبكه التلفزيون الفرنسيه العامه فيلماً مصوراً عن اعمالي، و عرض في الفيلم طريقه وضع التصاميم و التلوين للمينيا. و التذهيب و قطع شبكات العاج.

     في سنه 1984 سافرت الي اميركا و عرضت نشاطاتي الفنيه في المراكز الفنيه و المتاحف الاميركيه. و في سنه 1987 اقمت معرضا لنتاجاتي الفنيه في الجامعه الاميركيه في واشنطن. و سجل لي فيلم من قبل الجامعه عن طريقه تصنيع المينيا و تذهيبها و نقوش الورود و الطيور و قطع الشبكات العاجيه، و قد احتفظ بهذا الفيلم في في ارشيف الجامعه لغرض البحث و الحقيق في هذه الجوانب. و قد كان المعرض موقفاً و محل اقبال الزائرين و كتبت عنه الصحف المحليه و المجلات و محطات التلفزيون، و لم يكن هدفي من هذه المحاولات تجارياً، بل كنت اهدف الي جلب الانظار حول الفن الايراني الاصيل.

     في سنه 1988 اقمت المعرض الثاني في جامعه (جورج واشنطن) في واشنطن، و معارض اخر في ولايه فرجينيا و في مركز البنك الدولي في واشنطن و كذلك في ولايه ميريلند.

     و توجد لدي نشاطات اخري مع مؤسسه نشر سروش في خصوص اعداد كتاب بهزاد تحت عنوان خمسون عاماً من الفن و الرسوم الشعبيه في ايران. و مجموعه اخري بعنوان مئه عام علي اللوحات الفنيه الايرانيه و الخارجيه الموجوده تحت تصرف مؤسسه المستضعفين. و كتاب حول النقود و الاختام الايرانيه التي كانت قبل التاريخ و التي تعد من المجموعات الفنيه النفيسه و القيمه، و هذه الاختام تعود (للدكتور نيري) و هي الآن تحت تصرف المتحف الايراني.

     و هناك مكتبه قيمه في مدرسه الشهيد مطهري يوجد فيها نفائس من الكتب الخطيه. احد هذه الكتب بعنوان (خمسه نظامي) يرجع الي اوائل العهد الصفوي، و يوجد ما يشابه هذا الكتاب في المتحف البريطاني في لندن و كتاب (خمسه نظامي) اوقف من قبل (نظامي) علي المدرسه. و يحتوي الكتاب علي (800) صفحه بينها 33 صفحه حول رسم المينيا، و غلافه من الجلد المرصع بالذهب الجذاب. و كتاب فريد آخر بخط جذاب و مينيا فائقه جداً، من آثار الاستاذ (فخرالدين فخرالديني).

     و توجد لدي اعمالي فنيه و علميه اخري بالتنسيق مع دائره المعارف الاسلاميه، لنشر كتاب بعنوان: «مقالات فنيه»، و تقديم مجموعه تحقيقيه حول السوق و اثره في الثقافه و التمدن في العالم الاسلامي، و قد تم عرض هذه المجموعه في جامعه مشهد في اجتماع حضره عده من الخبراء الايرانيين و الاجانب.

     الوحده: لقد جرت تطورات علي الرسم خلال هذه السنوات العديده، هل بامكانكم ان تحدثونا عن الفوارق بين الرسوم القديمه و الحديثه؟

     ناصري بور: من خلال مطالعتنا لتاريخ الفن الايراني و مقايسته بالرسم الاوروبي و التحول الذي طراً علي الرسم الايراني نجده يرجع الي العهد الصفوي. حيث ان الانفتاح الذي حصل بين ايران و اوروبا في العهد الصفوي. كان السبب في انفتاح الفنانين الايرانيين علي الفن الغربي، اذ نجد آثار الفن الغربي في طريقه التلوين و الجمع بين الالوان واضحه في العهد القاجاري و علي وجه الدقه يمكن ان نقول: بعد سفر كمال الملك الي اوربا و اطلاعه علي تجارب و طرق الفن الاوربي هناك، قام بعد رجوعه بتأسيس مدرسه خاصه بالرسم و النقش و اعداد طلاب متخصصين في هذا المجال. بعد ذلك انقسم فن الرسم في ايران الي قسمين: رسم المينيا و الرسوم الايرانيه القديمه؛ و الرسوم التي ترجع الي المدارسه الغربيه و التي يقودها كمال الملك و طلابه الذين اشاعوا تلك الافكار. و لو ان كمال الملك لم يذهب الي اوربا حيث كان عصر التجريبيين هو السائد - و لم يرفض الرسم القديم و لم يكتب تجربته في الفن التجريبي: لاستطعنا ان نطور انفسنا في مجال الفن اكثر من هذا الذي نحن فيه و في اعتقادي ان رسومنا القديمه لم تترك اثر ما في مجال الفن الحديث؛ و ذلك ان هذين القسمين من الفن - القديم و الحديث - متفاوتان من حيث الامكانيات و التطلعات.

     الوحده: هل للرسم الحديث القدره علي اظهار المفاهيم؟

     ناصري بور: يجب ان نعرف اولاً المقصود من المفاهيم. كما انه يجب ان نلحظ الفن من خلال الفنان نفسه و امكانياته و استعداداته. و قبل كل شيء يجب ان نأخذ عنصر الزمن بنظر الاعتبار. ان الفن المتطور من مقتضيات هذا القرن، و لذا يلزم الفنان ان يسافر الي باقي اصقاع هذا العالم لاثراء التجربه و المعلومات. و هناك نقطه اود الاشاره اليها و هي ان هناك اناساً يحاولون تخويف الناس من دخول مجال الفن الحديث. علماً ان لكل فن اصولاً و قواعد يجب مراعاتها سواء كانت علي صعيد الرسم او الموسيقي او الشعر. و ربما ان من المشاكل التي نواجهها الآن في ايران هو تحديث الرسم الايراني القديم، لذا يجب علي الفنانين ان يسدوا هذا الفراغ بأفكارهم و تجاربهم. فكما ان بهزاد اوجد موضع قدم له في زمانه فكذلك يجب علي باعتباري تلميذه ان اضع قدماً اخري، و يجب علي الباقين ان يكملوا المسيره كي تحدث مسيره طويله و متواصله و متكامله. و من الطبيعي ان هذا الامر صعب جداً، و ان هذه المهمه لا تقع علي عاتق الفنانين فحسب، بل يجب ان يحظي الفنانون بالدعم و الرعايه الكاملتين. و نظراً للمشاكل الماليه و الاجتماعيه الحاليه نري اقبال الناس علي الفن محدوداً جداً، و عليه يجب العمل علي رفع المستوي الثقافي للمجتمع كي يدرك القيمه الحقيقيه للفنان، و يجب كذلك الحد من جعل الفن عمليه تجاريه.

     و انا دائما اضرب هذا المثل: نحن نستطيع ان نجعل من مليون نفر مئه من الاطباء و المهندسين و الخبراء و المتخصصين و القضاه، و لكن لا يمكن ان نحصل منهم علي فنان واحد؛ ذلك ان الفنان لا يأتي من التربيه. و انكم باستطاعتكم تدريس جميع العلوم و التخصصات في الجامعات و تعليمها افراد المجتمع و لكن لا يمكن ان تربوا فناناً واحداً، بل ان الفن ينتج الفنان؛ ذلك ان فن الفنان ذاتي. و ان الفنان الواقعي هو الذي يسفيد من التكنولوجيا و سائر العلوم لتطوير نتاجه الفني، و انا اقول ان كل شخص يستطيع ان يتعلم الرسم فقط، و قسم منهم يمكن ان يكون رساماً بعد العمل الدؤوب و المتواصل، و لكن عدداً محدوداً جداً من هؤلاء يمكن ان يكون استاذاً، و هذه المجموعه القليله هي التي يكون الابداع و الخلاقيه في عملها، و سوف يخلد التاريخ اعمالها، و تحتفظ المتاحف بنتاجها، و اذا دعمنا هؤلاء حينها يمكن ان نعلق الآمال في الحصول علي مستقبل مشرق و فن متطور. أما لو بقينا نفقد كل يوم واحداً من هؤلاء الاساتذه المتخصصين في الفروع الفنيه المختلفه فسوف لا تبقي ايه ذخيره للاجيال اللاحقه.

     الوحده: حبذا لو حدثتمونا عن اعمالكم المعماريه؟

     ناصري بور: بعد اتمام الدراسه الجامعيه و دخولي ساحه العمل، حالفني الحظ كثيراً، حيث كانت النبه في ذلك الوقت في ذلك الوقت متجهه نحو انجاز مشروع معماري علي المستوي العالمي في ايران. فساهمت في ايجاد امكانيه انجاز المشروع؛ و ذلك عن طريق التنسيق مع مجموعه من مكاتب البناء ذات الامكانيات العاليه، و بهذا انجز اكبر برنامج معماري في ايران و هو المجمع الاولمبي الآسيوي في طهران. و كنت المهندس المشرف علي انشائه.

     و من المشاريع الآخر، وضع التصميم لجامعه اراك و الجامعه الرياضيه في رشت و مطار اصفهان و مدينه العاب خسرو آباد في جنوب ايران و مجموعه من الفنادق و المستشفيات و المراكز الثقافيه و الفنيه، و تصاميم مختلفه انشئت خارج ايران تتمثل في مجمعات سكنيه و تجاريه و عمارات شاهقه. و اورد ان اؤكد نقطه مهمه و هي انه كان في نيتي ان انجز هذه المشاريع داخل ايران و لكن العامل الزمني كان لا يسمح بإقامه مثل تلك المشاريع. و في الوقت الحاضر انا مشغول بإعاده ترتيب و تزيين مجمع سعد آباد حيث يعتبر هذا المجمع من المجتمعات الثقافيه و الحائزه علي أهميه عالميه.