اللغة‌ والخط‌ الايراني‌  قبل‌ الاسلام‌

        ان‌ تاريخ‌ الادب‌ الفارسي‌ يتجسد في‌ اللغة‌ الفارسية‌ و الخط‌ الفارسي‌ ، اذ لابد ان‌ نتعرف‌ علي‌ نشأة‌ و فترة‌ و لادتهما و كيف‌ تطورت‌ و نمت‌ و اكتملت‌ هذه‌ اللغة‌ و انسابت‌ في‌ لجج‌ بحور الادب‌ العالمي‌ .

            و كما نعلم‌ فان‌ الانسان‌ في‌ نشأته‌ الاولي‌ لم‌ يكن‌ يعرف‌ الكتابة‌ فكان‌ يعبر عن‌ ما يرغب‌ بيانه‌ عن‌ طريق‌ الكلام‌ و التكلم‌ و ذلك‌ بشكل‌ محدود بهدف‌ تأمين‌ احتياجاته‌ اليومية‌ انذاك‌ .

            ان‌ تاريخ‌ ظهور الخط‌ يعتبر غامضا لحد الان‌ حيث‌ يمكن‌ الاشارة‌ هنا الي‌ ان‌ اولي‌ الكتابات‌ التي‌ قام‌ بها الانسان‌ في‌ عهوده‌ الاولي‌ كانت‌ بدائية‌ و بسيطة‌ جدا بحيث‌ كان‌ يرسم‌ و يصور ما يريد ان‌ يعبر عنه‌ و يفهم‌ الاخرين‌ . فهذا النوع‌ من‌ الكتابة‌ كان‌ يسمي‌ (الخط‌ التصويري‌ ) او الهيلوغريفي‌ اذ تجده‌ عند بعض‌ القبائل‌ .

           ان‌ هذا الخط‌ التصويري‌ اخذ يتكامل‌ بمرور الزمن‌ فتحول‌ من‌ رسم‌ الاشارات‌ و العلامات‌ الي‌ المرحلة‌ الالفبائية‌ .

           ان‌ هذا الخط‌ الالفبائي‌ظهر لاول‌ مرة‌ بين‌ الفينيقين‌ أي‌ بين‌ الاقوام‌ التي‌ كانت‌ تقطن‌ أرض‌ فينيقية‌ (اي‌ لبنان‌ الحالية‌ و الاراضي‌ المحيطة‌ بها ) قبل‌ حوالي‌ ثلاثة‌ الاف‌ سنة‌ قبل‌ الميلاد .

           و انتشر هذا الخط‌ في‌ سائر المناطق‌ و بماان‌ حروف‌ الالفباء كانت‌ محدودة‌ و لا تتعدي‌ حدا معينا فقد كانت‌ تستخدم‌ للتعبير عن‌ المفاهيم‌ عند تركيبها و تكوين‌ الكلمات‌ حيث‌ كانت‌ كل‌ كلمة‌ تعوض‌ الاف‌ الصور و العلامات‌ .

            و قام‌ الايرانيون‌ باقتباس‌ العلامات‌ المسمارية‌ البابلية‌ و ذلك‌ خلال‌ مئات‌ السنين‌ قبل‌ الميلاد أي‌ في‌ عهد الامبراطورية‌ (المادية‌).وان‌ سبب‌ تسميته‌ بالمسمارية‌ يعود الي‌ استخدام‌ القضبان‌ الحديدية‌ الصغيرة‌ او الخشبية‌ التي‌ تشبه‌ المسامير عند الكتابة‌ اذ كانوا يكتبون‌ علي‌ لوحات‌ طينية‌ فسميت‌ بالخط‌ الهجائي‌ و الذي‌ يحتوي‌ علي‌ 36 حرفا هجائيا كانت‌ تكتب‌ من‌ اليسار الي‌ اليمين‌ . هذا و ان‌ كل‌ الكتابات‌ الحجرية‌ المتبقية‌ من‌ العصر الاخميني‌ كانت‌ مدونة‌ بهذا الخط‌ .

            اما الخط‌ (الاوستائي‌ ) فكان‌ في‌ الاصل‌ منحدرا من‌ الخطوط‌ السامية‌ حيث‌ كانوا يكتبون‌ به‌ حتي‌ العصر الساساني‌ النصوص‌ الدينية‌ الخاصة‌ بالدين‌ الزرادشتي‌ و بالاخص‌ الكتاب‌ المقدس‌ للايرانين‌ القدامي‌ (اوستا) .فكان‌ الخط‌ الاوستايي‌ كاغلب‌ الخطوط‌ السامية‌ يكتب‌ من‌ اليمين‌ الي‌ اليسار و عدد حروفه‌ 44 حرفا" و بما ان‌ حركات‌ الكلمات‌ كانت‌ داخل‌ الخط‌ و لها علامات‌ منفصلة‌ ، لذا فان‌ قراءتها و كتابتها كانت‌ سهلة‌ و بسيطة‌ جدا .

           لقد ظهر زرادشت‌ خلال‌ القرنين‌ السادس‌ و السابع‌ قبل‌ الميلاد مع‌ كتابه‌ الديني‌ (اوستا) الذي‌ قضي‌ عليه‌ الاسكندر المقدوني‌ عند غزوه‌ بلاد فارس‌ . و نسخة‌ اوستا التي‌ بين‌ ايدينا الان‌ تتألف‌ من‌ خمسة‌ كتب‌ بالخط‌ المسماري‌ :

                    1ـ كتاب‌ يسنا

                    2ـ كتاب‌ يشتها

                    3ـ كتاب‌ ويسبرد

                    4ـ كتاب‌ و نديداد

                    5ـ كتاب‌ خرده‌ اوستا

           و هذا الكتب‌ الخمسة‌ تحتوي‌ علي‌ الادعية‌ و التضرعات‌ لا له‌ الزرادشتيين‌ الكبير .

           اما الخط‌ (البهلوي‌ ) فكان‌ يستعمل‌ خلال‌ العصرين‌ الحثي‌ و الساساني‌ و خلال‌ عدة‌ قرون‌ بعد ظهور الاسلام‌ في‌ المناطق‌ الشرقية‌ لايران‌ و ذلك‌ لتدوين‌ الكتب‌ الفكرية‌و الفلسفية‌ التي‌ كانت‌ تعود الي‌ الاديان‌ المتواجدة‌ قبل‌ الاسلام‌ .

           و يذكر ان‌ معظم‌ الادب‌ الفارسي‌ المتوسط‌ كان‌ قد كتب‌ بالخط‌ البهلوي‌ الذي‌ كان‌ يتكون‌ من‌ 22 حرفا هجائيا و يكتب‌ من‌ اليمين‌ الي‌ اليسار .

           اما لغة‌ ايران‌ قبل‌ الاسلام‌ فقد كانت‌ تدعي‌ اللغة‌ (الفارسية‌) او (البارسية‌) و هي‌ اصل‌ و أم‌ لغة‌ ايران‌ الحالية‌ و هي‌ من‌ فروع‌ اللغات‌ الهندو ـ اروبية‌ . و اللغة‌ الفارسية‌ من‌ البدء لحد الا´ن‌ اجتازت‌ ثلاث‌ مراحل‌ منفصلة‌ :

 اولا":  الفارسية‌ القديمة‌ حيث‌ شاعت‌ في‌ العصر الاخميني‌ و هي‌ كانت‌ تكتب‌ و تدون‌ بالخط‌ المسماري‌ حيث‌ نجد هذه‌ اللغة‌ في‌ الاثار التاريخية‌ العريقة‌ بشكل‌ لوحات‌ حجرية‌ في‌ الاثار الاخمينية‌ الواقعة‌ في‌ (بيستون‌ ) في‌ محافظة‌ كرمانشاه‌ و الوند في‌ همدان‌ و استخر في‌ فارس‌ و شوش‌ في‌ خوزستان‌ و كذلك‌ في‌ مصر .

           ثانيا": الفارسية‌ الوسطي‌ (البهلوية‌) التي‌ تنقفسم‌ الي‌ مجموعتين‌ رئيسيتين‌ شرقية‌ و غربية‌ و هاتان‌ تنقسمان‌ الي‌ فرعين‌ شمالي‌ و جنوبي‌ . الفرع‌ الشمالي‌ للمجموعة‌ الغربية‌ يسمي‌ (بهلوانيك‌ ) والفرع‌ الجنوبي‌ كان‌ يسمي‌ (البارسية‌ الوسطي‌ ).

           ان‌ اثار الفرع‌ الشمالي‌ للغة‌ الفارسية‌ المسماة‌ (بهوانيك‌) او (بارتي‌ ) نادرة‌ الا ان‌ الفرع‌ الجنوبي‌ للغة‌ الفارسية‌ المسماة‌ (بارسي‌ ميانه‌ ) أي‌ الفارسية‌ الوسطي‌ فقد عثرالكثير علي‌ كتابات‌ و مدونات‌ حولها حيث‌ ان‌ بعضها كتبت‌ في‌ اوائل‌ ظهور الاسلام‌ .

            ان‌ اثار اللغة‌ الفارسية‌ الوسطي‌ التي‌ عثر عليها تنقسم‌ الي‌ قسمين‌:

                    1ـ المخطوطات‌ المنقوشة‌ التي‌ تنقسم‌ الي‌ نقوش‌ مكتوبة‌ و احجار و صخور مكتوبة‌ حيث‌ الاولي‌ وجدت‌ علي‌ الخواتم‌ و الاواني‌ و النقود وهي‌ تعود الي‌ العصر الساساني‌ و اغلبها موجود في‌ متاحف‌ روسيا و يبلغ‌ عددها 12000 قطعة‌ تقريبا.

           اما الثانية‌ فوجدت‌ علي‌ الصخور و الاحجار منذ العصر الساساني‌ و تعتبر كوثاتق‌ تاريخية‌ و لغوية‌ قيمة‌ و تعود الي‌ المائة‌ الثالثة‌ للميلاد و قد كتبت‌ باللغات‌ الفارسية‌ الوسطي‌ و الفارسية‌ المسماة‌ بهوانيك‌ و اليونانية‌ ايضا . فهناك‌ علي‌ سبيل‌ المثال‌ لوحات‌ حجرية‌ لملوك‌ و شخصيات‌ مثل‌ الملك‌ اردشير الاول‌ و القائد رستم‌ و معبد زرادشت‌ و تخت‌ جمشيد و طاق‌ بستان‌ و شابور الاول‌ و بهرام‌ الاول‌ و بهرام‌ الثاني‌ و شابور الثاني‌ و شابور الثالث‌ ، حيث‌ تقع‌ بعضها في‌ مدينتي‌ شيراز و كرمانشاه‌ و كردستان‌ العراق‌ و منطقة‌ القفقاز .

                    2ـ المخطوطات‌ المكتوبة‌ علي‌ الجلود و التي‌ كتبت‌ باللغة‌ الفارسية‌ الوسطي‌ بالخط‌ البهلوي‌ و تعود الي‌ القرن‌ الثامن‌ الميلادي‌ حيث‌ عثر عليها في‌ منطقة‌ الفيوم‌ في‌ مصر و علي‌ سواحل‌ نهر الفرات‌ .

            و هناك‌ الكتب‌ و الرسائل‌ حيث‌ وجدت‌ باللغة‌ الفارسية‌ الوسطي‌ و نصوصها بلغة‌ (بازندي‌) أي‌ بالخط‌ الاوستائي‌ .

           و كانت‌ الكتب‌ و الرسائل‌ تحتوي‌ علي‌ مواضيع‌ مختلفة‌ منها العادات‌ و التقاليد و التاريخ‌ و الادب‌ و خلق‌ الكون‌ و يوم‌ القيامية‌ و الفلسفة‌ و القانون‌ و الاخلاق‌ و التعليم‌ و النصائح‌ و الامثال‌ و التعاليم‌ و الطقوس‌ الدينية‌ و الفنون‌ و الجغرافيا.

                    3ـ اللغة‌ الفارسية‌ الحديثة‌ :

           لقد تحولت‌ و تطورت‌ اللغة‌ الفارسية‌ باغنتاق‌ الايرانيين‌ الدين‌ الاسلامي‌ الحنيف‌ اذ اثرت‌ اللغة‌ العربية‌ لغة‌ القرآن‌ الكريم‌ في‌ اللغة‌ الفارسية‌ حيث‌ تم‌ استعمال‌ الخط‌ العربي‌ و بدأت‌ تسمي‌ الفارسية‌ بالفارسية‌ الحديثة‌ او اللغة‌(الدرية‌)

            و كما قال‌ الاستاذ مرتضي‌ مطهري‌ فان‌ الاسلام‌ قدم‌ خدمات‌ كبيرة‌ الي‌ ايران‌ و ان‌ ايران‌ ايضا قدمت‌ خدمات‌ كبيرة‌ الي‌ الاسلام‌ .

           فالاسلام‌ حرر الايرانين‌ من‌ قيود الحكومات‌ المستبدة‌ كالدولة‌ الساسانية‌ و رجال‌ الدين‌ الزرادشتين‌ المتغطرسين‌ و نادي‌ الاسلام‌ بالاخوة‌ و المساواة‌ و ازالة‌ الامتيازات‌ المادية‌ و التمايز الطبقي‌ .

            و لقد تفتحت‌ العبقرية‌ الايرانية‌ خلال‌ العصر الاسلامي‌ في‌ ميادين‌ شتي‌ كالعلم‌ و الادب‌ و اللغة‌ و الرياضيات‌ و الفلسفة‌ و الطب‌ و الفلك‌ و العلوم‌ الدينية‌ حيث‌ كان‌ الايرانيون‌ يحملون‌ راية‌ العلوم‌ و الحضارة‌ بينما كانت‌ اوروبا تغط‌ في‌ ظلمات‌ القرون‌ وسطي‌ .

            و تجاه‌ النفوذ و الاثار العلمية‌ و الاجتماعية‌ و الثقافية‌ الايرانية‌ في‌ المجتمع‌ العربي‌ فانه‌ لابد من‌ الحديث‌ عن‌ نفوذ اللغة‌ العربية‌ لغة‌ الدين‌ الاسلامي‌ في‌ المجتمع‌ الايراني‌ حيث‌ قام‌ العلماء الايرانيون‌ بالابتعاد عن‌ الكتابة‌ باللغة‌ الفارسية‌ البهلوية‌ التي‌ لم‌ تكن‌ تخلو من‌ صعوبات‌ و بدأوا باستعمال‌ اللغة‌ العربية‌ لغة‌ القرآن‌ الغنية‌ بمفاهيمها الدينية‌ و العلمية‌ و اعتبروها هبة‌ الهية‌ . و هكذا فقد قاموا بتطعيمها بلغتهم‌ و انتجوا باللغة‌ هذه‌ و كتبوا و دونوا بها الكثير في‌ المجالات‌ المختلفة‌ مع‌ الحفاظ‌ علي‌ اللغة‌ الفارسية‌ و الثقافة‌ الفارسية‌ و الاحتفاظ‌ بالهوية‌ الاسلامية‌ و الهوية‌ الايرانية‌ المستقلة‌ .و هناك‌ الكثير الكثير من‌ الايرانيين‌ ممن‌ ابدعوا و برعوا و كتبوا باللغة‌ العربية‌ علما و شعرا و نثرا.