العلمُ
الألهيُّ
العلم في
حقيقته هو
انكشاف
المعلوم لدي
العالم، و هو
امر إضافي
ينتزعه
العقل من
تقابل
المُدرَك مع
عدم حائلِ
بينهما؛
فليس العلم
سوي رفع
الحجاب
الحاجز بين
المنكشف و
المنكشف
لديه، فإذا
لم يكن حجاب
بين المُدرك
و مُدرَكه،
حصل
الإدراك،
الذي هو
عباره عن
انتقاش
صورته في ذهن
المُدرك،
علي أثر هذا
التقابل،
سواء أكان
عيناً أم
معنيً (1).
فالعلم أمر
اعتباري
انتزاعي ،
منشؤه ذلك
التقابل
الخاص.
أما عمله
تعالي
بالأشياء
فهو عباره عن
حضور
الاشياء
بأسرها لديه
تعالي، و كل
شيء هو رهن
حضوره في
محضر القدس
تعالي، ليس
يعزب عنه شيء.
و كانت صفحه
الوجود
بأسرها هي
صفحه اللوح
المحفوظ،
المرشحه
فيها صور
الموجودات،
لا بنقوشها و
اشكالها، بل
بذواتها و
أعيانها.
و لم يكن
هناك حجاب
بينه تعالي و
بين الأشياء
، و من ثَمَّ
كان علمه
تعالي
حضورياً ، و
كانت
الاشياء
بأسرها رهن
حضورها في
ساحه قدسه
تعالي، و حتي
الزمان لا
يصلح حاجزاً
في هذا
المجال.
إذن لا
يختلف علمه
بالاشياء –
بالنسبه
إليه تعالي –
سواء قبل
وجوداتها أم
بعدها، حيث
صفحه الوجود
، في طولها و
عرضها،
متساويه
النسبه إلي
ذاته
المقدسه،
التي لا
يحدّها زمان
و لا مكان.
نعم، جاء
الاختلاف
بالقياس إلي
ذوات
المجودات (المعلومات
لديه تعالي
أزلاً) حيث
مختلف
التعلّقات و
الإضافات،
فقد كان
التعلق قبل
وجوداتها
ملحوظاً في
وصف، و بعد
الموجود
ملحوظاً في
ذات، فالعلم
المتعلق
بالذات،
إنما يتحقّق
بعد الوجود،
و قد كان
قبلاً
متعلقاً
بالوصف.
فهذا
الاختلاف في
العالم إنما
هو بالنظر
إلي المعلوم
دون العالم،
فلم يحصل
تغيير في
علمه تعالي
الملحوظ في
ذاته
المقدسه، و
لم يكن محلاً
للحوادث،
تعالي الله
عن ذلك.
و علمه
تعالي، كما
يتعلّق
بالحقائق و
الماهيّات،
كذلك يتعلق
بالأعيان و
الأشخاص، إذ
لا فرق بين
الكليات و
الجزئيات في
حضورها
جميعاً
بمحضر القدس
تعالي، كلٌّ
في صقع ظهوره
و في ظرف
وجوده الخاص. كما لا
فرق في تعلق
علمه تعالي
بالأشياء
قبل
وجوداتها
أزلاً
تعلقاً
بالوصف،
المسمّي
عندهم
بالعلم
الذاتي، أو
بعد
وجوداتها
فيما لا يزال
تعلقاً
بالذات،
المسمي
عندهم
بالعلم
الفعلي، فلا
يزال علمه
تعالي
بالأشياء،
سواء قبل
الوجود أم
بعد الوجود،
و إن كان قد
تغيّر
العنوان
بتغيّر
المتعلق لا
غير. و قد نُسب
إلي أبي محمد
هشام بن
الحكم
الشيباني (2)
قوله بأن
الله تعالي
لا يعلم
الجزئيات
إلّا عند
وقوعها،
مستدلاً
بقوله تعالي: (ألآن
خفّف الله
عنكم و علم أن
فيكم ضعفاً) (3).
كما نُسب
إلي أبي
الحسين محمد
بن علي الطيب
البصري (4) قوله
بتغيّر علمه
تعالي
المتعلق
بالجزئيات
حسب تغيّرها.
قال سعد
الدين
التفتازاني (ت
793) : «ذهب أبو
الحسين إلي
أن علم
البارئ
بالجزئيات
يتغيّر
بتغيّرها، و
يحدث بعد
وقوعها، و لا
يقدح ذلك في
قدم الذات ،
كما هو مذهب
جهم بن صفوان
السمرقندي (قتله
نصر بن سيار
سنه 128)، و هشام
بن الحكم من
القدماء. و هو
(أي البارئ
تعالي) في أنه
في الأزل
إنما يعلم
الماهيات و
الحقائق، و
أما
التصديقات –
أعني
الأحكام بأن
هذا قد وُجد،
و ذلك قد عُدم
– فإنما يحدث
فيما لا يزال (أي
يتجدّد حسب
تلاحق
الزمان)، و
كذا تصوّر
الجزئيات
الحادثه (أي
العلم بها). و
بالجمله
فذاته (تعالي)
توجب العلم
بالشيء بشرط
وجوده، فلا
يحصل قبل
وجوده، و لا
يبقي بعد
فنائه.
قال: و لا
امتناع في
اتصاف الذات
بعلوم
حادثه، هي
تعلّقات و
إضافات، و لا
في حدوثها مع
كونها
مستنده إلي
القديم
بطريق
الايجاب دون
الاختيار،
لكونها
مشروطه
بشروط حادثه» (5).
و ذكر
الإمام
الرازي
استدلال أبي
الحسين علي
مذهبه الذي
خالف فيه
مشايخ
المعتزله ،
قال : «وزعم أن
العلم بأنّ
الشيء سيوجد
يمتنع أن
يكون نفس
العلم
بوجوده إن
وجد، و احتجّ
عليه من وجوه:
أولها: أن
من شرط
المثلين أن
يقوم كل واحد
منهما مقام
الآخر، و
العلم بأن
الشيء سيوجد
لا يقوم
البته مقام
العلم بأنه
موجود الأن،
فإنّ قبل
وقوع
المعلوم لو
اعتقد أنه
سيقع بعده
ذلك، كان
علماً، و لو
اعتقد أنه
واقع الآن
كان جهلاً. و
أما حال
وقوعه ينعكس
الأمر، فلو
اعتقد أنه
سيقع كان
جهلاً ، و لو
اعتقد أنه
واقع كان
علماً، فثبت
أن كل واحد
منهما لا
يقوم مقام
الآخر، و ذلك
يقتضي
كونهما
مختلفين في
الحقيقه ، و
إذا وقع
الختلاف في
الحقيقه لا
يمكن دعوي
الاتحاد.
و ثانيها:
أنّ كونه
علماً بأنه
سيقع غير
مشروط
بوقوعه، و
كونه علماً
بوقوعه
مشروط؛ و ما
ليس مشروطاً
بالشيء
يمتنع أن
يكون عين ما
يكون
مشروطاً
بالشيء.
و ثالثها: أن
مجرّد العلم
بأنّ الشيء
سيقع، لا
يكون علماً
بوقوعه إذا
وقع، فإنّ من
علم أنّ
زيداً سيد خل
البلد غداً،
ثم إنّه جلس
في بيت مظلم
لا يتميّز
فيه بين
الليل و
النهار، و
بقي علي هذه
الحاله حتي
جاء النهار و
دخل زيد
البلد، فها
هنا هذا
الشخص
بمجرّد علمه
بأنّ زيداً
سيد خل البلد
غداً، لا
يصير عالماً
بأنه دخل
الآن في
البلد؛ فثبت
أنّ العلم
بأنّ الشيء
سيوجد لا
يكون علماً
بوجوده إذا
وُجد. بلي من
علم أن زيداً
سيدخل البلد
غداً، ثم علم
حضور الغد،
فحينئذٍ
يتولّد من
هذين
العلمين علم
بأنّ دخل
الآن البلد.
و رابعاً:
أن العلم
بالشيء صوره
مطابقه
للمعلوم، و
لا شك أنّ
حقيقه أنّه
سيقع مخالفه
لحقيقه
الوقوع في
الحال، فوجب
أن يكون
العلم
بأحدهما
مخالفاً
للعلم
بالآخره (6).
هكذا استدل
أبو الحسين
البصري
دعماً
لمذهبه في
علمه تعالي
بالجزئيات،
و أنه متغاير
حسب تعلقاته
المتغايره.
و أورد عليه
مشايخ
المعتزله
سؤالين:
الأول: كيف
يزول له
تعالي علم
ليخلفه علم
آخر،
تحقيقاً
لمبدأ
التغاير، مع
فرض قدم علمه
تعالي في
جمله أوصافه
الذاتيه
القديمه؟
الثاني: هل
لا يستلزم
التغيير في
صفه ذاتيه
تغييراً في
الذات؟
و أجاب
الامام
الرازي علي
السؤالين
بأنّ
التغيّر
الحاصل في
علمه تعالي
إنما هو في
جانب
تعلّقات
التي هي
إضافات و نسب
اعتباريه ، و
هي لا تؤثر في
ذات علمه
تعالي (7).
هذا، و قد
أنكر الشيخ
المفيد صحه
نسبه هذا
القول إلي
هشام بن
الحكم، و ذكر
أنه تخرص
عليه، رماه
به خصومه من
المعتزله
الذين كان
يجادلهم في
ذات
أقاويلهم، و
ربما تسلّم
منهم بعض
الآراء
جدلاً لا
عقيده.
قال: إن الله
تعالي عالم
بكل ما يكون
قبل كونه ... و
هو مذهب جميع
الإماميه ، و
لسنا نعرف ما
حكاه
المعتزله عن
هشام بن
الحكم في
خلافه ، و
عندنا أنه
تخرّص منهم
عليه، و غلط
ممّن قلّدهم
فيه، فحكاه
من الشيعه
عنه (8) ، و لم
نجد له
كتاباً
مصنفاً و لا
مجلساً
ثابتاً. و
كلامه في
أصول
الإمامه و
مسائل
الامتحان
يدلّ علي ضدّ
ما حكاه
الخصوم عنه (9).
و هكذا ذكر
السيد
المرتضي أن
نسبه هذا
القول إليه
اختلاق من
المعتزله ،
قال : «فأمّا
حدوث العلم (أي
إنّ الله
تعالي لا
يعلم
الأشياء
إلّا بعد
كونها) فهو
أيضاً من
حكاياتهم (المعتزله)
المختلقه، و
ما نعرف
للرجل فيه
كتاباً ، و لا
حكاه عنه ثقه»
(10).
كما أنكر
سيدنا
العلامه
الطباطبائي
ثبوتاً
للماهيات في
صقع الأزل
قبل
وجوداتها في
صقع لا يزال،
حسبما اصطلح
عليه
المعتزله
بالأعيان
الثابته (11) . قال: «إن
فرض ثبوت ما
للماهيه في
الأزل و
وجودها فيما
لا يزال يقضي
بتقدم
الماهيه علي
الوجود، و
أنّي
للماهيه هذه
الأصاله و
التقدم؟» (12).
نعم علمه
تعالي
الذاتي
بالاشياء
قبل
وجوداتها
كان أزلاً،
لا بذاك
المعني الذي
فرضه أهل
الاعتزال،
بل بمعني
علمه تعالي
بذاته
المقدسه
المنطويه
فيها جميع
الحقائق
بأسرها،
علماً
إجمالياً في
عين
التفصيل، و
تفصيلياً في
عين الإجمال (و
السموات
مطويّات
بيمينه).
أما علمه
تعالي
الفعلي
بالاشياء
فإنما هو بعد
الوجود، حيث
الحضور
الخاص
تفصيلاً.
قال: «علمه
تعالي
الفعلي
بالاشياء ،
إنما نعنـي
به أن كل شـيء
حاضر عنده
تعـالي غير
محجـوب عنه» (13).
و قد أوضح
مقصوده من
العلم
الفعلي،
بأنه العلم
الحاصل عند
تحقق
الأشياء
خارجاً، في
مقابله
العلم
الذاتي
الكائن قبل
وجوداتها.
قال: «والسمع
و العلم و إن
كانا
معدودين من
صفاته تعالي
الذاتيه،
التي هي عين
الذات
المتعاليه،
من غير أن
يتفرع علي
امرٍ غيرها،
لكن من
العلم، و كذا
السمع و
البصر، ما هو
صفه فعليه
خارجه عن
الذات، و هي
التي يتوقّف
ثبوتها علي
تحقّق متعلق
غير الذات
المقدسه،
كالخلق و
الرزق و
الإحياء و
الإماته،
المتوفقه
علي وجود
مخلوق و
مرزوق وحيّ و
ميّت.
و الاشياء
لما كانت
بأنفسها و
أعيانها
مملوكه و
محاطه له
تعالي ... و
الجميع
كائنه ما
كانت علم و
معلومه له
تعالي، و هذا
النوع من
العلم من
صفاته
الفعليه
التي تتحقق
عند تحقق
الفعل منه
تعالي، لا
قبل ذلك، و لا
يلزم من
ثبوتها بعد
ما لم تكن
تغيّرٌ في
ذاته تعالي و
تقدّس؛
لأنها لا
تعدو مقام
الفعل، و لا
تدخل في عالم
الذات ...» و
الآيه، أعني
قوله تعالي: (و
له ما سكن في
الليل و
النهار و هو
السميع
العليم) (14)،
إنما يعني
هذا العلم
الفعلي الذي
هو نتيجه
الملك و
الإحاطه و
الخلق و
الإيجاد، إذ
كيف يمكن
الجهل بشيء
هو مصنوعه و
نا شئ في ملكه
و بإذنه
تعالي و
تقدس؟ (15).
و بذلك
نستطيع
توجيه ما نسب
إلي هشام بن
القول بأنّ
الله تعالي
إنما يعلم
الجزئيات
عند وقوعها،
و ذلك نظراً
لأن العلم في
حقيقته هو
خرق الحجب
الحائله بين
العالم و
المعلوم ، و
أن العلم
بذات الشيء
إنما يكون
عند تحقّقه و
ظهوره علي
صفحه
الوجود، و
المقصود من
الجزئيات هي
التشخصات
الحقيقيه،
المحققه
لفعليّه
الوجود، فقد
تساوق علمه
تعالي
بالأشياء و
ظهور
الاشياء في
عالم
الوجود؛ فصح
القول بأن
علمه تعالي
الفعلي
بالاشياء
ليس سوي حضور
الاشياء
ذاتها لديه
تعالي و
كونها
بمحضره
الكريم ،
الامر الذي
عرفته من
كلام سيدنا
العلامه
الطباطبائي «قدس
سره». العلم
الذاتي و
العلم
الفعلي
قد عرفت في
تعبير سيدنا
العلامه
تنويع علمه
تعالي إلي
الذاتي و
الفعلي، و أن
الأول هو
المستند إلي
الذات
المقدسه لا
شيء سواها، و
هو العلم
الأزلي
الكائن قبل
وجود
الاشياء. أما
العلم
الفعلي فهو
الحاصل
بحصول
الاشياء . و
عنده
وجوداتها في
عرصه الوجود.
كلُّ في صقعه
المتناسب.
و هذه
الاصطلاح هو
المعبّر عنه
في مصطلح
بعضهم
بالعلم
القديم، و
العلم
الحادث،
فأثبت له
تعالي علمين:
علماً
أزليّاً
قديماً حسب
قدم ذاته
المقدسه، و
علماً
حادثاً يحدث
مع حدوث
الاشياء. و لا
مشاحّه في
الاصطلاح
بعد وضوح
المقصود.
قال
العالمه –
بصدد بيان
نوعي علمه
تعالي - : «إن
لكل مجرد
علماً
بذاته،
لحضور ذاته
المجرّده عن
الماده
لذاته، و ليس
العلم إلّا
حضور شيء
لشيء ؛ فذاته
تعالي
معلومه
لذاته.
كما أن ذاته
المقدسه
حقيقه
الوجود
الصرف،
البسيط
الواحد
بالواحده
الحقّه الذي
لا يداخله
نقص و لا عدم.
فلا كمال
وجوديّاً في
تفاصيل
الخلقه
بنظامها
الوجودي
إلّا وهي
واجده له
تعالي بنحوٍ
أعلي و أشرف،
غير متميّز
بعضها عن
بعض، لمكان
اصرافه و
البساطه.
فكل شيء
سواه هو
معلوم له
تعالي في
مرتبه ذاته
المقدسه،
علماً
تفصيلياً في
عين
الإجمال، و
إجمالياً في
عين التفصيل.
و أيضاً فإن
ما سواه من
الموجودات
منتهيه في
وجوداتها
إليه تعالي،
قائمات
الذوات به
قيام الرابط
بالمستقبل،
حاضرات لديه
بوجوداتها
غير محجوبات
عنه.
فالاشياء
معلومه له
تعالي في
مرتبه
وجوداتها،
علماً
حضورياً،
أما
المجرَّد
فبأنفسها، و
أما الماديه
فبصورها
المجرَّده.
فقد تبيّن
بذلك:
أولاً: أن
للواجب
تعالي عملاً
بذاته في
مرتبه ذاته،
و هو عين ذاته.
و ثانياً: أن
له تعالي
علماً بما
سوي ذاته من
الموجودات
في مرتبه
ذاته، و هو
المسمّي
بالعلم قبل
الإيجاد (و هو
العلم
الذاتي
الأزلي
بالاشياء).
و ثالثاً: أن
هذا علم
إجمالي في
عين الكشف
التفصيلي.
و رابعاً: أن
له تعالي
علماً
تفصيلياً
بما سوي ذاته
من
الموجودات
في مرتبه
ذواتها،
خارجاً عن
الذات
المتعاليه (أي
وراء الذات)،
و هو العلم
بعد الإيجاد (و
هو العلم
الفعلي
الحادث
بحدوث
الاشياء
فيما لا يزال).
و خامساً: أن
عمله تعالي
حضوري كيفما
صُوّر. (سواء
أكان علماً
بذاته أم
بسواها، قبل
الإيجاد أو
بعده).
قال – رحمه
الله ــ : فهذه
خمس مسائل ... (16). عينيه
الصفات
و إذ قد عرفت
العلم
الذاتي، و
أنه عين
الذات
المقدسه،
كسائر صفات
الذات،
فلنتريّث
قليلاً كي
نعرف تفسير
هذه
العينيه، و
ماذا يكون
المقصود
منها؟
و حيث كانت
الذات
المقدسه هي
منشأ كل كمال
في عالم
الوجود، و
إليها تنتهي
كل صفه
محموده كان
قد تحلّي بها
جميع
الموجودات،
فلابد أن
تكون هي
بالذات
مستجمعه
لجميع
الصفات و
الكلمات؛ إذ
إنها
بأجمعها
منحدره عنها
و مستفيضه
منها، فلولا
تحلّيها في
نفسها بمطلق
الكلمالات ،
و واجديتها
لاُسس معالي
الصفات، لما
أمكن النشوء
منها و
الاستفاضه
منها في مثل
هذا الخضم من
الخير و
البركات: (و إن
من شيء إلّا
عندنا
خزائنه و ما
ننزّله إلّا
بقدر معلوم) (17).
إنما
الواجد
للشيء الغني
بالذات كان
يمكن المنح و
الإعطاء ،
دون المعوز
الفاقد
المحتاج (18).
فحيث
وجدناه
تعالي مبدأ
كل كمال و
منشأ كل
جمال، فقد
عرفناه مجمع
الكمالات و
ملتقي معالي
الصفات.
أما كيف
تجمّعت هذه
الكمالات في
ذاته
المقدسه،
فإن ما
يهدينا إليه
البرهان هو
أن مقام
الذات
متعالٍ عن
عروض صفه أو
الاقتران
بحالٍ، فال
تركيب في
ذاته تعالي،
و لا مصاحبه
قرين لا في
الأزل و لا في
ما لا يزال.
إذن ليست
هناك سوي
ذاته
المقدسه
التي هي منشأ
الكمالات، و
منهل
الفيوضات،
فلابد أنها
واجده
لأشرفها، و
حاويه علي
أعلي
مراتبها. أما
كيف هذه
الواجديه و
الاحتواء؟
فهذا ما لا
يمكننا
العلم به و إن
وجدناه
ضروري
الثبوت.
و بعد،
فمعني عينيه
صفات الذات
هي أنها أجمع
ناشئهٍ من
مقام الذات
محضاً، بلا
دخول أمر آخر
وراء الذات
في هذا
النشوء، و قد
هدانا إلي
ذلك جليل
آثاره، و
لطيف صنعه ، و
عظيم قدرته.
قال
العلامه
الطباطبائي: «الصفات
الذاتيه هي
عين الذات
المتعاليه،
من غير أن
تتفرع علي
أمر غيرها» (19)،
أي من غير أن
تنتزع من أمر
وراء لحاظ
الذات.
و إلي ذلك
يشير كلام
الإمام امير
المؤمنين «عليه
السلام»: «و
كمال
الاخلاص له
نفي الصفات
عنه» أي نفي
مبادئها، و
تنزيهه
تعالي عن كل
قرين في
الأزل. حديث
اللوحين
هناك اشتهر
الحديث عن
لوحين:
أحدهما: لوح
المحو و
الإثبات، و
فيه الزياده
و النقصان، و
التغيير و
التبديل.
و الثاني:
اللوح
المحفوظ
المكنون عند
الله لا
يعلمه أحد
غيره تعالي،
و ليس ذلك سوي
علمه تعالي
بالأمور،
إما علماً
ذاتياً لا
يتغير مع
الأبد، أو
علماً
فعلياً
حادثاً مع
حدوث
الأشياء. و
هذا اصطلاح
في التعبير،
تشبيهاً
لأمر غير
محسوس بأمر
محسوس؛ و لا
ضير فيه بعد
أن كان
تقريباً
للأذهان.
أخرج
الطبري بعده
أسانيد إلي
عكرمه عن ابن
عباس في آيه
المحو
الإثبات قال :
«الكتاب
كتابان،
كتاب يمحو
الله ما يشاء
و يثبت، و
عنده أم
الكتاب» (20).
و روي ابن
كثير و غيره
بالإسناد
إلي ابن عباس
أنه سأل
كعباً عن أم
الكتاب،
فقال: «عَلم
الله ما هو
خالق و ما
خلقُه
عاملون، ثم
قال لعلمه: كن
كتاباً ،
فكان كتاباً» (21).
و رووا عن
كعب أنه قال
لعمر بن
الخطاب: «يا
أمير
المؤمنين،
لولا آيه في
كتاب الله
لأنبأتك بما
هو كائن إلي
يوم القيامه.
قال: و ما هي؟
قال: قول الله
تعالي: (يمحو
الله ما يشاء)»
(22).
و عن ابن زيد:
«يمحو الله ما
يشائ و يثبت
ممّا ينزل
علي
الأنبياء، و
عنده أم
الكتاب لا
يغيَّر و لا
يبدَّل» (23).
و روي
الكليني
بإسناده
الصحيح إلي
أبي بصير عن
أبي عبد الله
الصادق «عليه
السلام» قال: «إن
لله علمين:
علــم مكنون
مخزون لا
يعلمه إلّا
هو، من ذلك
يكـون
البداء، و
علم علّمه
ملائكـته و
أنبياءه،
فنـحن نعلمه» (24).
و روي
الطبرسي
صاحب
الاحتجاج عن
امير
المؤمنين «عليه
السلام» قال: «لولاآيه
في كتاب الله
لأخبرتكم
بما كان و بما
يكون و بما هو
كائن إلي يوم
القيامه، و
هي هذه الآيه:
(يمحو الله ما
يشاء و يثبت و
عنده أم
الكتاب)» (25).
وروي
الحميري في
قرب الإسناد
عن طريق
البزنطي عن
مولانا
الرضا «عليه
السلام»: إن
الأئمه قبله (الصادق
و الباقر و
السجاد
والسبطين و
أمير
المؤنين «عليه
السلام») كلهم
قالوا: «و
الله لولا
آيه في كتاب
الله
لحدثناكم
بما يكون إلي
أن تقوم
الساعه: (يمحو
الله ما يشاء
و يثبت و عنده
أم الكتاب)» (26).
و البداء
يحصل في لوح
المحو و
الإثبات، و
منشأ علم
الله الأزلي
المثبت في
اللوح
المحفوظ.
و لشيخنا
العلامه
المجلسي هنا
تحقيق أنيق
حول مسأله
اللوحين، و
توجيه مسأله
البداء، و
بيان الحكمه
في مثل هذه
التعابير، و
هي تعابير
كنائيه لا
غير. راجع
بيانه (27).
و أيضاً
سيأتي أن
القضاء
المحتوم
إنّما يقع
علمه علي
الأئمه في كل
سنه في ليله
القدر، و هو
الذي لا
تغيير فيه و
لا تبديل. و
بذلك ينحل
أشكل علي
بعضهم من فهم
تعابير
الروايات
بشأن
البداء، من
أنه هل يحصل
فيما وصل
علمه إلي
الانبياء و
الأئمه، أو
لا؟ (28)
فعلمهم
العام هو
الذي يحصل
فيه البداء،
أما الذي يصل
إليهم في
ليله القدر،
فلا بداء فيه. في
علمه تعالي و
مشيئته في
خلقه
و قد تلخّص
مما مهّدناه
هنا – بصدد
معرفه ذات
علمه تعالي –
أن العلم ذو
إضافه قائمه
بمتضايفين،
يتقابلان
ليس بينهما
حجاب، و هو
أمر اعتباري
انتزاعي
ينتزعه
العقل عند
لحاظه هذا
التضايف
الخاص، فإذا
كان من
احدهما
الصلاحيه
لأن يُدرِك،
و من الآخر أن
يُدرَك، حصل
الإدراك لا
محاله.
و هذا
التأثر و
التأثير في
غيره تعالي
إنما يتحقق
بارتسام صور
الاشياء في
صفحه الذهن،
سواء أكانت
صور الأعيان
أم صور
المعاني.
أما فيه
تعالي
فالارتسام
إنما يقع في
عرصات صفحه
الوجود، و
كان
الارتسام
بذوات
الأعيان و
المعاني، لا
بصورها و
نقوشها، و من
ثم كان علمه
تعالي
بالاشياء هو
نفس
وجوداتها
التي هي عين
حضورها
بمحضر القدس
تعالي، حيث
العالم كله
كان رهن
الحضور لديه
تعالي، لا
يعزب عنه
مثقال ذرّه
في الأرض و لا
في السماء. و كل ما يوجد فهو حاضر علمه تعالي، و أصبح متعلق علمه |