الاصلاح الركيزه الاساسية للمنهج السياسي عند الامام(ع)

الإمام الخليفة

بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان أجمعت الامة على بيعة الإمام علي (ع) خليفة لها،و قد اجتاحت النفوس موجة من العاطفة نحوه،و لكنه رد على موقف الناس بقوله:«دعوني و التمسوا غيري» (1) .

فإن عليا أبى أن يكون أسيرا للعاطفة،فلعل نقمة الناس على عثمان هي التي أججت نحوه العاطفة و شدت إليه التيار،و هو يريد من الامة إقرارا إراديا لإمامته،ليس محكوما بالإنفعال الآني .

و هو ليس ممن تغريه المناصب و تستهويه الكراسي حتى يستجيب فور إقبال الناس عليه،فالإمرة كلها لا تساوي لديه جناح بعوضة،و القيادة لا تساوي عنده شيئا مذكورا،إن لم يقم من خلالها الحق و يبطل الباطل.

و لهذا لم يستجب لضغط الجمهور في بادئ الأمر،قبل وضعهم أمام اختبار ليتأكد من مدى قدرة الناس على تلقي مناهجه و الاستجابة لخططه إذا تسلم زمام الأمر.

فعلى الرغم من أن العاصمة المقدسة«المدينة المنورة»قد أصرت على اختياره على شكل تظاهرات حقيقية و تجمعات مكثفة حتى صارت المطالبة بقيادته إجماعية لا جماعية،فإنه (ع) بقي عند موقفه المتريث،على أن اصرار الامة على بيعته جعله يطرح عليها شروطه لقبول الخلافة،فإن بايعته الامة وفقا لما يملي من شروط استجاب هو لمطلبها في استخلافه.

و حين أذاع بيانه المتضمن لشروطه:«و اعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم،و لم اصغ إلى قول القائل و عتب العاتب» (2) .

و سارعت الامة مذعنة لشروطه،و مدت إليه يد البيعة على الطاعة،و لبى هو مطلبها ليواجه مسؤولياته القيادية في الامة الاسلامية على الصعيد الفكري و العملي.

و قد كانت من اولى مهامه (ع) أن يزيل صور الانحراف المختلفة التي طرأت على الحياة الاسلامية،و أن يعود بالامة إلى أصالة المنهج الإلهي.

و من أجل ذلك كان لا بد أن يسير وفق منهاج محدد و شامل يلزم ولاته بتطبيقه،و قد انصب منهاج حكومته على مواجهة المشاكل في الميادين الآتية:

1ـالميدان السياسي:

حدد الإمام القائد (ع) مواصفات ولاة الأمر و موظفي الدولة الذين يرشحهم الاسلام لإدارة شؤون الامة الاسلامية ببيان أصدره (ع) جاء فيه:

«أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج و الدماء و المغانم و الأحكام و إمامة المسلمين البخيل،فتكون في أموالهم نهمته،و لا الجاهل فيضلهم بجهله،و لا الجافي فيقطعهم بجفائه،و لا الحائف للدول فيتخذ قوما دون قوم،و لا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق،و يقف بها دون المقاطع،و لا المعطل للسنة فيهلك الامة» (3) .

و على ضوء هذا التحديد الموضوعي الواضح لصفات المسؤولين و الموظفين الذين يقرهم الاسلام عمد الإمام علي (ع) إلى الاستغناء عن خدمات قسم من الولاة و العمال الذين كانوا يتولون إدارة أقاليم الدولة الاسلامية،لأن عليا (ع) لو ساومـكما يريد بعض المؤرخينـلتعذر على الأجيال المسلمة التماس الصورة الحقيقية للشريعة التي ابتعث الله بها رسوله العظيم (ص) .

فقد كان من أهداف علي أمير المؤمنين (ع) أن يوضح المعالم الأساسية لهذا الدين كما جاء بها النبي (ص) ،و ينفض عنها غبار التضليل،و ركام التزييف على أنه (ع) قد مارس العمل بالأولويات و قدم الأهم على المهم،و قد عمل وسعه على سد المنافذ التي ينطلق منها ظلم الناس،و تضيع من خلالها معالم العدل و رعاية الشريعة للمستضعفين من عباد الله عز و جل .

و من أجل ذلك رأينا أمير المؤمنين عليا (ع) يبادر فورا إلى عزل الولاة و العمال الذين كانوا سببا في ظلم الناس و إشاعة الباطل،و يعود بالامة إلى قاعدة المساواة في توزيع العطاء (4) ،كما كان رسول الله (ص) يفعل،ثم يعلن فيما يعلن من سياساته التي تتوخى إقامة العدل:أنه سيعيد المال المغصوب من الامة إلى بيت المال،حتى و إن وجده قد تزوجت به النساء أو ملكت به الإماء.

و مع تقديم هذه الأولويات التي ترتبط بمصير عباد الله عادة و حاجاتهم للحق و العدل،يرجئ كثيرا من القرارات إلى مرحلة مناسبة تتفاعل الامة أثناءها مع تلك القرارات المرجوة (5) .

إن هذا الهدف المركزي الذي كان الإمام (ع) يسعى إلى تحقيقه في دنيا المسلمين و هو:العمل على صياغة و بلورة مبادئ الاسلام،كما جاء بها النبي (ص) في أذهان الناس و حياتهم،هو الذي جعله يرفض مختلف الضغوط الاجتماعية و السياسيةـمهما كلف الثمنـدون مساومة أو أنصاف حلول أو رضا بالأمر الواقع.

2ـالميدان الاقتصادي:

كما عمد الإمام علي (ع) إلى اصلاح الوضع السياسي و الاداري كذلك فعل بالنسبة للوضع الاقتصادي،فقد بادر فور تسلمه زمام الامور مباشرة إلى إلغاء طريقة توزيع المال التي اعتمدت فيما سبق .

فقد استبدل الإمام طريقة التمييز في العطاء بطريقة المساواة في التوزيع التي انتهجها رسول الله (ص) .

فألغى (ع) كل أشكال التمييز في توزيع المال على الناس،مؤكدا أن التقوى و السابقية في الإسلام و الجهاد،و الصحبة للرسول (ص) ،امور لا تمنح أصحابها مراتب أو مميزات في الدنيا،و إنما لتلك المزايا ثوابها عند الله في الآخرة،و من كان له قدم في ذلك فالله تعالى يتولى جزاءه،أما في هذه الدنيا فإن الناس سواسية في الحقوق المالية و أمام القضاء الاسلامي و في الواجبات و التكاليف.

و قد تضمن بيانه التالي هذه الأفكار الجليلة العادلة:

«ألا و أيما رجل من المهاجرين و الأنصار من أصحاب رسول الله (ص) يرى أن الفضل له على سواه لصحبته فإن الفضل النير غدا عند الله و ثوابه و أجره على الله.

و أيما رجل استجاب لله و للرسول فصدق ملتنا و دخل في ديننا و استقبل قبلتنا فقد استوجب حقوق الاسلام و حدوده.فأنتم عباد الله،و المال مال الله يقسم بينكم بالسوية،لا فضل فيه لأحد على أحد،و للمتقين عند الله غدا أحسن الجزاء و أفضل الثواب،لم يجعل الله الدنيا للمتقين أجرا و لا ثوابا،و ما عند الله خير للأبرار.

و إذا كان غداـإن شاء اللهـفاغدوا علينا،فإن عندنا ما لا نقسمه فيكم،و لا يتخلفن أحد منكم،عربي و لا عجمي،كان من أهل العطاء أو لم يكن،إلا حضر إذا كان مسلما حرا» (6) .و هكذا قرن الإمام علي (ع) النظرية بالتطبيق ففي بداية الأمر أمر الناس أن يأتوا إليه غدا ليوزع عليهم مالا كان في بيت مال المسلمين.

فلما صار الغد نفذ خطته على الشكل التالي:دعا كاتبه عبيد الله بن أبي رافع و قال له :

إبدأ بالمهاجرين فنادهم،و اعط كل رجل ممن حضر ثلاثة دنانير ثم ثن بالأنصار فافعل معهم مثل ذلك،و من حضر من الناس كلهم:الأحمر و الأسود فاصنع به مثل ذلك.

فقام سهل بن حنيف و قال:يا أمير المؤمنين!هذا غلامي بالأمس و قد أعتقته اليوم،فقال (ع) :نعطيه كما نعطيك،فأعطى كل واحد منهما ثلاثة دنانير،و لم يحضر تلك القسمة العادلة طلحة و الزبير و عبد الله بن عمر،و سعيد بن العاص،و مروان بن الحكم،و رجال من قريش و غيرهم (7) .

و كان ذلك أول خطوة منه (ع) للقضاء على الفوارق الطبقية التي نشأت جراء التفضيل في العطاء و الامتيازات.

و هكذا جسد (ع) مفهوم التسوية في العطاء بين جميع الناس الذين يتمتعون بحق المواطنة الاسلامية دون تمييز بين الناس لأي سبب من الأسباب.

و هذه بعض ملامح العملية الاصلاحية التي قادها الإمام علي (ع) في شتى مرافق الحياة الاسلامية،في المال و الحكم و الادارة و سواها.

منهاج الإصلاح

وضع الإمام (ع) خطته الاصلاحية الشاملة،و قد انصب جل اهتمامه (ع) على اصلاح شؤون الادارة و الاقتصاد و الحكم كما قدمنا.

و من خلال ذلك العمل الاصلاحي الكبير حظيت الامة عبر مسيرتها الجديدة التي اختطها لها أمير المؤمنين (ع) ،بمعطيات جمة ذات مردودات عظيمة لمصلحتها و المسيرة بشكل عام،نذكر منها ما يلي:

أولا:إستعان الإمام (ع) بجهاز من الولاة و الموظفين لإدارة دفة الحياة الاسلامية،يعد أفراده نموذجا في مستواهم الروحي و الفكري و الالتزامي:كعثمان بن حنيف،و محمد بن أبي بكر،و مالك الأشتر و سواهم.

و بهذا الاجراء الذي راعى فيه المبادئ الاسلامية و مصلحة الامة،قضى على مبدأ القرابة و العشيرة الذي كان سائدا أيام الخليفة عثمان و الذي أدى آخر المطاف إلى إثارة النقمة عليه و قتله.

و قد حاول المتضرون من اجراءات أمير المؤمنين (ع) التي تعكس صورة الاسلام الأصيل،حاولوا التفاوض معه،فأرسلوا إليه الوليد بن عقبة بن أبي معيط مندوبا فجاء إليه و قال:

«يا أبا الحسن!انك قد و ترتنا جميعا،و نحن أخوتك و نظراؤك من بني عبد مناف،و نحن نبايعك اليوم على أن تضع عنا ما أصبناه من المال أيام عثمان،و أن تقتل قتلته،و إنا إن خفناك تركناك فالتحقنا بالشام...

فرد عليهم: (أما ما ذكرتم من و تري إياكم،فالحق و تركم،و أما وضعي عنكم ما أصبتم،فليس لي أن أضع حق الله عنكم و لا عن غيركم) » (8) .

و هكذا كان القوم الموتورون من عدالة علي (ع) يحاولون أن يثنوا الإمام عن تنفيذ خطته الاصلاحية الكبرى،خصوصا بشأن الأموال التي نهبوها أيام الخليفة عثمان،و راحوا يذكرونه بأنهم قرشيون مثله،و هددوا إن لم يستجب لمطالبهم فسيلتحقون ببلاد الشام لينضموا إلى جبهة البغاة هناك،فلم يعرهم الإمام (ع) انتباها بل فضحهم عند ما اعتلى المنبر و خطب قائلا:

«فأما هذا الفي‏ء فليس لأحد على أحد فيه أثرة،و قد فرغ الله من قسمته،فهو مال الله،و أنتم عباد الله المسلمون،و هذا كتاب الله،به أقررنا و له أسلمنا،و عهد نبينا بين أظهرنا،فمن لم يرض به فليتول كيف شاء» (9) .

بل إن بعضا من أصحابه (ع) ،و قد أحسوا بخطر اولئك المتآمرين الذين يريدون شن حرب شعواء على النظام الاسلامي العادل الذي يديره الإمام علي (ع) ،حاولوا دفع ذلك الشر بحل وسط برواية المؤرخ إبراهيم الثقفي الذي قال:

«إن طائفة من أصحاب علي (ع) مشوا إليه فقالوا:يا أمير المؤمنين!اعط هذه الأموال،و فضل هؤلاء الأشراف من العرب و قريش على الموالي و العجم و من تخاف خلافه من الناس و فراره .

فقال: (أتأمروني أن أطلب النصر بالجور؟و الله لا أفعل ما طلعت شمس و ما لاح في السماء نجم،و الله لو كان ما لهم لي لواسيت بينهم،فكيف و إنما هي أموالهم؟» (10) .

و هكذا ظلت مبدئية علي و صلابته في الاسلام،الاسلام الذي تلقاه من رسول الله (ص) كما أوحاه الله إليه و أمره باتباعه،و ليس اسلام المحاباة و الحلول الوسط و تفضيل جنس على جنس أو عشيرة على اخرى،أو حر على عبد،فهذا ليس من الاسلام بشي‏ء،و بعد ذلك فليغضب من يغضب،فالمهم لديه هو أن يرضي الله سبحانه و لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.«إن امرأتين أتتا عليا (ع) عند القسمة إحداهما من العرب و الاخرى من الموالي،فأعطى كل واحدة خمسة و عشرين درهما و كرا من الطعام،فقالت العربية:يا أمير المؤمنين!إني امرأة من العرب،و هذه امرأة من العجم،فقال علي (ع) :إني و الله لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفي‏ء فضلا على بني إسحاق» (11) .

على أن تلك النماذج الخيرة من الرجال الذين عينهم ولاة و موظفين و ان كانوا في مستوى لائق في الفكر و العمل و القدرة الادارية و القيادية،فإن الإمام على (ع) قد زودهم بخطط هادية و مناهج راشدة،يهتدون بها في حياتهم العملية،و في علاقاتهم مع مختلف قطاعات الامة التي يباشرون قيادتها.

فهو يلزم ولاته بالنصح لعباد الله،و إشاعة العدل بينهم و معاملتهم باللين و الحب،و التجاوز عن كل مظاهر الاستعلاء التي يغري بها المنصب غالبا،و الحيلولة دون تأثير ذوي النفوذ الاجتماعي في مسيرة العدالة الاسلامية على حساب القطاعات الاجتماعية الاخرى،و نحو ذلك من مستلزمات إشاعة العدل و إقامة الحق بين الناس.

و هذه نماذج من خططه في هذا المضمار:

«فاخفض لهم جناحك،و ألن لهم جانبك،و ابسط لهم وجهك،و آس بينهم في اللحظة و النظرة،حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم،و لا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم،فإن الله تعالى يسائلكم معشر عبادة عن الصغيرة من أعمالكم و الكبيرة،و الظاهرة و المستورة،فإن يعذب فأنتم أظلم،و إن يعف فهو أكرم» (12) .

«سع الناس بوجهك و مجلسك و حكمك،و إياك و الغضب فإنه طيرة من الشيطان،و اعلم أن ما قربك من الله يباعدك من النار،و ما باعدك من الله يقربك من النار» (13) .

هذه مقاطع من توجيهات الإمام (ع) التي ألزم ولاته بالعمل على ضوئها في حياتهم العملية .

و من نافلة القول أن نشير إلى أن الإمام (ع) على الرغم من اهتمامه بانتفاء العناصر الأكفاء و الورعة فإنه كان يحرص على الإحاطة بأساليبهم في معاملة الامة من خلال مراكزهم القيادية باستعانته بجهاز من الرقباء و العيون ليرى مدى طاعة الولاة و تنفيذهم لقواعد العدالة الاسلامية،فإذا بدا من أحدهم خطأ أو تقصير،بادر الإمام إلى تقويم سلوكه بالوسائل التربوية تارة و بالتهديد أو بالعزل إذا لزم الأمر،و هذه نماذج من وسائله تلك:

فقد بلغه أن عثمان بن حنيف (رض) و اليه على البصرة دعاه بعض شخصيات أهل البصرة إلى مأدبة،فخشي الإمام (ع) أن تستميله تلك الوسائل أو سواها فينحرف عن خط العدالة الاسلامية المرسوم فيميل في أحكامه أو يجوز في قضائه و معاملته للامة،فكتب إليه كتابا جاء فيه:

«أما بعد،يا ابن حنيف فقد بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة،فأسرعت إليها،تستطاب لك الألوان،و تنقل إليك الجفان،و ما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم،عائلهم مجفو،و غنيهم مدعو،فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم،فما اشتبه عليك علمه فالفظه،و ما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه.

ألا و إن لكل مأموم إماما يقتدي به،و يستضي‏ء بنور علمه،ألا و إن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه،و من طعمه بقرصيه،ألا و إنكم لا تقدرون على ذلك،و لكن أعينوني بورع و اجتهاد و عفة و سداد» (14) .و قد كتب إلى مصقلة الشيباني عامله على (أردشير خرة) مهددا و متوعدا:

«بلغني عنك أمر إن كنت فعلته،فقد أسخطت إلهك و عصيت إمامك:إنك تقسم في‏ء المسلمين الذي حازته رماحهم و خيولهم،و اريقت عليه دماؤهم،فيمن اعتامك من أعراب قومك،فو الذي فلق الحبة و برأ النسمة،لئن كان ذلك حقا لتجدن لك علي هوانا،و لتخفن عندي ميزانا،فلا تستهن بحق ربك،و لا تصلح دنياك بمحق دينك،فتكون من الأخسرين أعمالا» (15) .

و كتب إلى أحد عماله يقول:

«أما بعد،فقد بلغني عنك أمر،إن كنت فعلته فقد أسخطت ربك،و عصيت إمامك،و أخزيت أمانتك :بلغني أنك جردت الأرض فأخذت ما تحت قدميك،و أكلت ما تحت يديك،فارفع إلي حسابك،و اعلم أن حساب الله أعظم من حساب الناس» (16) .

و كما كان الإمام (ع) يخطط للولاة و يزودهم بنصائحه الهادية،كان يرسم الخطط كذلك لقادة جيوشه،و يوضح لهم معالم الطريق،و ما ينبغي عليهم فعله عند مواجهة العدو.

فكان (ع) ينهاهم عن البغي،و يأمرهم بعدم إثارة الحرب من جانبهم،و يحثهم على التسلح بالصبر و ضبط النفس،و أن يكونوا في بداية المواجهة كما لو كانوا مدافعين فحسب،فإذا اعتدي عليهم فقد قامت الحجة لصد العدوان،فإذا قدر و انتصروا على عدوهم فلا يباح أن تحملهم نشوة الظفر على عدوهم إلى ملاحقة جنوده الهاربين من القتال،أو الذين لا يملكون سلاحا يدافعون به عن أنفسهم كما لا يجوز قتل الجرحى،أو الإساءة إلى النساء،و إن بدان الإساءة بسب أو شتم أو نحوه.

و هذه بعض وصاياه (ع) لجيوشه:

«لا تقاتلوهم حتى يبدؤوكم فإنكم بحمد الله على حجة و ترككم إياهم حتى‏يبدؤوكم حجة اخرى لكم عليهم،فإذا كانت الهزيمة بإذن الله،فلا تقتلوا مدبرا و لا تصيبوا معورا و لا تجهزوا على جريح،و لا تهيجوا النساء بأذى،و إن شتمن أعراضكم و سببن امراءكم» (17) .

«ألا و إن لكم عندي ألا احتجز دونكم سرا إلا في حرب،و لا أطوي دونكم أمرا إلا في حكم،و لا اؤخر لكم حقا عن محله،و لا أقف به دون مقطعه،و أن تكونوا عندي في الحق سواء،فإذا فعلت ذلك وجبت لله عليكم النعمة ولي عليكم الطاعة،و ألا تنكصوا عن دعوة و لا تفرطوا في صلاح و أن تخوضوا الغمرات إلى الحق» (18) .

و بالنظر للأهمية البالغة التي يحتلها جهاز جباية الأموال في الدولة الاسلامية حيث تشكل الحقوق العامة في ملكية الأفراد عنصرا مهما من عناصر الاقتصاد الاسلامي.

و إن حق الجماعة في الملكيات الخاصة يوفر ضمانة كبرى لمساعدة الدولة الاسلامية على تغطية نفقاتها الضخمة على الصعيد الاجتماعي و العسكري و غيرهما من جوانب الحياة العامة.

و بالنظر لأهمية جهاز الجباية هذا فقد أولاه الإمام (ع) عناية فائقة لا من أجل أن يجمع أكبر نصيب من المال كما يفعل حكام الجور،و إنما من أجل أن ينخرطـذلك الجهازـفي مسيرة العدالة الاسلامية المثلى التي جسدها الإمام (ع) في حياة الناس.

كان الإمام حريصا على أن يلتزم موظفو ذلك الجهاز بأقصى درجات العدل و الفضيلة و النبل،و الشعور بالمسؤولية،فليست مهمتهم في نظر الإمام (ع) أن يجمعوا المال من أجل المال،و إنما ينبغي عليهم أن يلتزموا الحق في تعاملهم مع الامة و أن يعكسوا عدالة الاسلام لمن يلتقون بهم من الناس،فلا ينبغي أن يغضبوا أحدا من الناس،و لا يسيئوا معاملة أحد،و لا يضربوا انسانا من أجل درهم مثلا،و لايجوز أن يعتدوا على مال امرئ من المسلمين أو من غيرهم ممن يتمتع بحق التابعية للدولة الاسلامية.

كما لا يجوز أبدا أن يبيعوا كسوة انسان أو دابته من أجل استيفاء المال،و لا يحق لأحد الجباة أن يردع أحدا أو يستوفي أكثر من حق الله في ماله،و لا ينبغي أن يستعلي على الناس أو يبخل عليهم بالتحية أو اللطف و المرونة في معاملتهم إلى غير ذلك من وصاياه و خططه العظيمة البناءة.

قال و هو يوصي ولاته من حكام الأقاليم:

«فإنكم خزان الرعية و وكلاء الامة،و سفراء الائمة،و لا تحشموا أحدا عن حاجته و لا تحبسوه عن طلبته،و لا تبيعن للناس في الخراج كسوة شتاء و لا صيف و لا دابة يعتملون عليها و لا عبدا،و لا تضربن أحدا سوطا لمكان درهم،و لا تمسن مال أحد من الناس مصل و لا معاهد» (19) .

«إنطلق على تقوى الله وحده لا شريك له،و لا تروعن مسلما،و لا تجتازن عليه كارها،و لا تأخذن منه أكثر من حق الله في ماله،فإذا قدمت على الحي فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم،ثم امض إليهم بالسكينة و الوقار حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم،و لا تخدج بالتحية لهم.ثم تقول:عباد الله،أرسلني إليكم ولي الله و خليفته لآخذ منكم حق الله في أموالكم،فهل لله في أموالكم من حق فتؤدوه إلى وليه؟» (20) .

ثانيا:جسد (ع) المخطط الاسلامي للعدالة الاجتماعية بأجلى صوره و أدق تفصيلاته:إذا كانت جميع جوانب الجهاز الحكومي في الدولة الاسلامية قد تناولتها يد الإصلاح،فحققت أرقى النماذج التي يصبو إليها الانسان،فإن الإمام (ع) قد خطا في سبيل تحقيق أفضل صورة للعدالة الاجتماعية وفقا للتصورات الاسلامية التفصيلية.فقد شهد المجتمع الاسلامي بجميع قطاعاته و قواه عدالة رائدة كالتي شهدها أيام رسول الله (ص) في منطلقاتها و أبعادها.

و فيما يلي شواهد من تلك التجربة التاريخية المشعة التي تفيأت الامة ظلالها و لو لوقت قصير:

أـرفق و تعاهد:

فقد شهدت قطاعات الامة جميعا صورا من التعاهد لأمرها و الرفق بها و رعاية شؤونها،و التسوية في العطاء بين جميع حملة التابعية للدولة الاسلامية التي تجسدها هذه النصوص:

«المال مال الله يقسم بينكم بالسوية لا فضل لأحد على أحد».

«و ايم الله لأنصفن المظلوم من ظالمه،و لأقودن الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق و إن كان كارها» (21) .

إلى جانب هذا و ذاك،شهدت الامة التي قادها أمير المؤمنين (ع) بمختلف قطاعاتها من ألوان التدبير لشؤونها،و الرعاية لامورها،و الحدب عليها ما حقق لها الكرامة و السعادة و الحرية،و هذه صور منها:

«عن الحكم قال:شهدت عليا،و قد اتي له بزقاق من عسل،فدعا اليتامى و قال:ذوقوا و العقوا،حتى تمنيت أني يتيم،فقسمه بين الناس و بقي منه زق،فأمر أن يسقاه أهل المسجد» (22) .

و عن هارون بن عنترة عن زاذان قال:

«انطلقت مع قنبر غلام علي (ع) فاذا هو يقول:قم،يا أمير المؤمنين!فقد خبأت‏لك خبيئا.قال (ع) :و ما هو،ويحك!!قال:قم معي.فقام فانطلق به إلى بيته،و إذا بغرارة مملوءة من جامات ذهبا و فضة.فقال:يا أمير المؤمنين!رأيتك لا تترك شيئا إلا قسمته فادخرت لك هذا من بيت المال.

فقال علي (ع) :ويحك يا قنبر،لقد أحببت أن تدخل بيتي نارا عظيمة،ثم سل سيفه،و ضربها ضربات كثيرة،فانتثرت،ثم دعا بالناس،فقال:اقسموه بالحصص،ثم قام إلى بيت المال،فقسم ما وجد فيه،ثم رأى في البيت أبرا و مسال فقال:و لتقسموا هذا» (23) .

و عن الحكم قال:

«إن عليا قسم فيهم الرمان حتى أصاب مسجدهم سبع رمانات،و قال:أيها الناس إنه يأتينا أشياء نستكثرها إذا رأيناها،و نستقلها إذا قسمناها،و إنا قد قسمنا كل شي‏ء أتانا.قال:و أتته صفائح فضة فكسرها،و قسمها بيننا».

و عن علي بن ربيعة قال:

«جاء ابن التياح إلى علي بن أبي طالب (ع) فقال:يا أمير المؤمنين!امتلأ بيت المال من صفراء و بيضاء.فقال علي (ع) :الله أكبر،ثم قام متوكئا على يد ابن التياح،فدخل بيت المال و هو يقول:

هذا جناي و خياره فيه*و كل جان يده إلى فيه» (24)

ثم نودي في الناس،فأعطى جميع ما في