التأمين الصحي و استخدام البطاقات الصحيحه

 

التعريف بالتأمين الصحي

          و نقصد به العقد الذي يتم بين شخص أو مؤسسه (مؤمن له أو لها)  مع مؤسسه تأمينيه، يتعهد فيه الطرف الأول بدفع أقساط محدده لمده محدده، و يتعهد فيه الطرف الثاني بتأمين قسط معين مما يتطلبه علاج الامراض، التي يصاب الطرف الأول بها خلال المده المحدده.

          و من الطبيعي أن يتم الاتفاق علي تفاصيل العقد من تعيين المؤمّن له، و طرفي التعاقد، و المبلغ المدفوع من قبل المؤمّن له ، و نوع الإصابه ، و زمان التأمين (ابتداءً و انتهاءً) و امثال ذلك من أمور تفصيليه.

          و الملاحظ أن هذا العقد يختلف عما يمسي بعقد التأمين ضد المرض، حيث يتعهد الطرف الثاني (المؤمّن) بأن يدفع مبلغاً معيناً لقاء مرضه ، بالاضافه إلي ردّ مصروفات العلاج و الأدويه (1)، فلا يوجد هنا مبلغ لقاء المرض، كما أن المدفوع في عقد التأمين الصحي المتعارف لا يشمل كل المصروفات بل قسطاً منها، يصل أحياناً إلي 80% أو يقل عنه، و ربما كان ذلك للاحتياط من التساهل في  مثل هذه الموارد.

          هذه هي الصوره البسيطه لمثل هذا العقد، و قد راجعت اللوائح – و هي كثيره – التي اصدرتها الحكومه الاسلاميه الايرانيه حول هذا الموضوع، فلم أر فيها ما يخرج عن روح هذا العقد، و إن كانت تحفها شروط إجرائيه كثيره تلزم الدوله أو الموظف أو المؤسسات التي تزاولها أن تقع طرفاً للتعاقد، بشروط لم أرَ فيها ما يخالف الضوابط الشرعيه (2) إجمالاً.

          ثم إن الطرف الأول (المؤمّن له) قد يكون شخصاً يدخل في العقد بصفته الشخصيه، و قد تكون مؤسسه تؤمّن موظّفيها، و قد يكون شركه تأمين تتعاقد مع مؤسسه أخري نيابه عن اشخاص أو مؤسسات.

          كما أن الطرف (المؤمّن) قد يكون فرداً يملك مؤسسه صحيه أو لا يملكها، و قد يكون مؤسسه صحيه، و قد يكون شركه تأمين تجاريه، كما قد يكون مؤسسه حكوميه. و هناك شقوق كثيره أُخري متصوره، و المهم هو التركيز في محل التساؤل المطورح في الدوره العاشره لمجمع الفقه الاسلامي، و أهم ما فيه مبحثان:

          المبحث الأول: حكم التأمين الصحي و البطاقات الصحيه و تفريعاته.

          المبحث الثاني: حكم اشتراط البرء لاستحقاق المقابل.

          هذا وسوف لن ندخل أيضاً في تحليل البطاقات الصحيه التي قد تختلف من بلد لآخر، و من مؤسسه لأخري، مشيرين إلي أن المهم هو علاج أصل التأمين الصحي. أما الشروط الأخري فيجب أن تدرس علي حده، فقد تكون شروطاً ربويه بترتيب مبالغ إضافيه تدفع عن تأخر الأقساط، و أمثال ذلك، فهي أمور لها مواردها من البحث، و لا تؤثر في بحثنا الرئيس، كما نعتقد أن الصور الأخري غير المباشره لا تؤثر كثيراً في النتيجه.

 

المبحث الأول: حكم التأمين الصحي

          و المشكله الاساسيه فيه هي مشكله الغرر، حيث يتم تصويرها علي النحو التالي.

          إننا علي أفضل الحالات نحدد كل الظروف و الإصابات و الأقساط، و نشخص كل الظروف الصحيه، ولكننا علي أي حال نواجه بعامل مجهول هو كميه المبلغ الذي يجب أن يدفعه المؤمّن ، أو قيمه العمل الذي يجب أن يعمله خلال مده التأمين، فهذا أمر يستحيل أو يصعب تحديده، و حينئذِ يدخل عنصر الجهاله في العقد، فيكون العقد غررياً تشمله النصوص الناهيه عن بيغ الغرر، و الأصل فيها النص الوارد عن رسول الله «صلي الله عليه و اله» «نهي عن بيع الغرر» (3).

          و عن اثره في كل عقود المعاوضات الماليه اختلفت المذاهب، فمن آمن بمبدأ القياس عمّمه عليها، و من رفض القياس كالإماميه و الظاهريه (اتباع ابن حزم) اختلفوا في التطبيقات.

          و قد وجدنا من خلال تتبعنا للمسأله في الأحاديث ، و استعراض أقوال العلماء من الإماميه، و استنادهم إلي مسأله الغرور في عقود معاوضيه مختلفه، كالشيخ الطوسي الذي استند إلي هذا الحديث في كتابي الضمان و الشركه (4) و ابن زهره في كتاب الشركه (5) و غيرهم، وجدنا الاطمئنان إلي مسأله التعميم، و اعتبرنا ذلك مبدأ سعي إليه الاسلام في اتجاهاته المعامليه؛ و هذا المعني تؤكده التطبيقات المتنوعه في مختلف الأبواب. و قد ذكر العلّامه الشيخ الأنصاري (من كبار علماء الإماميه المتأخرين) أن الدائر علي ألسنه الأصحاب هو نفي الغرر من غير اختصاص بالبيع، حتي إنهم يستدلون به في غير المعاوضات كالوكاله ، فضلاً عن المعاوضات كالإجاره و المزارعه و المساقاه و الجعاله، بل قد يرسل في كلماتهم «نهي النبي «صلي الله عليه و اله» عن الغرر» (6)، مشيراً إلي أن الأصل يذكر خصوص البيع، ولكنهم لتعميمهم و وجوده بعض الأصول يرسلون هذا التعبير.

          و يقول البجنوردي في هذا الصدد: «والإنصاف أن المستفاد من مجموع الروايات... كون الجهل مضراً و لو كان من قبل الشرط المجهول. و إن كانت (الروايه) وارده في باب البيع، لكن الظاهر عدم اختصاصها به» (7).

          فالبناء إذن علي صحه السند، و تعميم آثاره علي كل العقود.

          و هل يترك النهي عن الغرر أثره في عقود التبرع؟

          الملحوظ أن بعض المذاهب و خصوصاً المالكيه يرون أن الغرر لا يؤثر في صحتها، و هذا ما قرره القرافي في فروقه بوضوح (8)، و وافقهم عليه بعض العلماء من المذاهب الأخري.

          أما الإماميه فالقاعده تقتضي موافقتهم لهذا الرأي، بعد أن نتذكر أن لديهم شكاً في أصل التعميم، و مع التسليم به فلا ريب في الاقتصار علي القدر المتيقن و هو عقود المعاوضه، كما يمكن استفاده موافقتهم من بعض العبارات الوارده لدي فقهائم، و التي تركز علي خصوص الغرر المؤدي للتنازع، الأمر الذي يقل تصوره في عقود التبرع.

          و نكتفي بهذا القدر فال نبحث في أسانيد هذا الحديث و تفصيلاته، و كذلك فلن نبحث بشكل مفصل عن مسأله تصحيح عقد التأمين مطلقاً؛ فقد تم الفراغ من ذلك ، و صدر قرار مجمعي في ربيع الثاني من عام 1406 ه في منعه إذا كان مع الشركات التجاريه، إذ جاء فيه: «إن عقد التأمين التجاري ذا القسط الثابت الذي تتعامل به شركات التأمين التجاري، عقد فيه غرر كبير مفسد للعقد، و إن العقد البديل الذي يحترم اصول التعامل الاسلامي، هو عقد التأمين التعاوني القائم علي اساس التبرع و التعاون».

          إلّا إننا نشير هنا إلي أننا كنا نخالف هذا القرار، و قد قمنا بتصحيحه من طرق متعدده:

أ-باعتباره عقداً مستقلاً حديثاً تشمله قاعده الوفاء بالعقود.

ب-باعتباره صلحاً، و قد ذكرنا أن الكثير من العلماء – و منهم الأماميه جميعاً – لا يحصرون الصلح في الموارد التي يكون فيها حق متنازع عليه بين الطرفين.

ج- باعتباره هبهً معوضه، و لا نسلِّم أن الهبه المعوضه حكمها هو حكم البيع تماماً، كما ذكر بعض العلماء.

د- باعتباره ضماناً معوضاً، يلتزم فيه احد الطرفين بجبران الخساره لقاء التزام الآخر بعوض، فهذا عقد ينتج ضماناً، و لا داعي لحصر أسباب الضمان بالكفاله و التعدي و الإتلاف.

و علي أي حال فإننا سننطلق من قرار المجمع آنفاً، ولكن سنركز علي نقاط اساسيه اشار لها هذا القرار:

     النقطه الاولي: هل يحتوي عقد التأمين الصحي علي غرر كبير مفسدٍ للعقد؟

     النقطه الثانيه: عقد التأمين الصحي و طبيعته التعاونيه، و خصوصاً إذا كان في إطار مؤسسه عامه أو مؤسسه حكوميه، إذ يغلب عليها هنا بوضوح الطابع التعاوني.

     النقطه الثالثه: مسأله التأمين الصحي و الحرج الاجتماعي.

     و سنبحث في كل نقطه من هذه النقاط الثلاث فيما يلي:

النقطه الاولي: هل يحتوي عقد التأمين الصحي علي غرر كبير مفسد العقد؟

          بعد مراجعتي للنصوص اللغويه التي تفسر الغرر، و النصوص الشرعيه التي تنهي عن الغرر – و لا ريب في أنها لم تخترع اصطلاحاً جديداً له، بل تقصد الغرر العرفي الذي نعرفه من كلمات اللغويين – و ما فهمه الكثير من الفقهاء من هذا المصطلح، استطعت أن أخلص إلي أن الغرر المتصور هنا ليس من الغرر المنهي عنه، و هو الجهاله المؤديه إلي التشاحّ الذي يمنع من تنفيذ الصفقه كما يعبر الحنيفه (9)، أو المخاطره المفضيه إلي التنازع كما يعبر الشيخ الأنصاري (10).

          و الذي نعتقده أن مسأله الغرر تحتاج من المجامع الفقهيه إلي بحوث مفصله تتناول بالدقه الأمور التاليه:

1-    تعريف الغرر تعريفاً عرفياً يتناول هذا المفهوم بشكل تاريخي ، و يحدده في ضوء النصوص العربيه الأصيله، بعيداً عن أي تصنع أو إضافه أو تأثر بفهم آخرين لم يعاصروا النص و لم يحيطوا بكل جوانبه. و نحن نعلم أنه ليس هناك اصطلاح فقهي خاص اعتمدته النصوص الاسلاميه بعيداً عن مفهومه العرفي، و هذا هو ديدن الشارع في كثير من الشؤون، و لا سيما في شؤون المعاملات العرفيه.

جاء في لسان العرف في ماده (غرر) بحث مفصل ننقل عنه ما يلي: «غره يغره غراً و غروراً و غره... فهو مغرور و غرير: خدعه و أطمعه بالباطل... و في الحديث: المؤمن غرٌ كريم، أي ليس بذي نُكر، فهو ينخدع لانقياده و لينه... و الغُرور: ما غرك من انسان و شيطان و غيرهما، و خص يعقوب به الشيطان ... و قوله تعالي: (و لا يغرّنّكم بالله الغَرور). يريد به زينه الاشياء في الدنيا [عن الفرّاء] ... و أنا غريرك من فلان، أي أحذّركه ... و قيل : بيع الغرر المنهي عنه: ما كان له ظاهر يغرّ المشتري و باطن مجهول».

هذا و قد ذكرت الموسوعه الفقهيه أن كتب اللغه تفسره بالخطر (11) ، و جاء هذا التفسير في كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري ، و أضاف أنه جاء في القاموس أن غرّره بمعني خدعه و أطمعه في الباطل. و عن النهايه بعد تفسيره الغره بالغفله أنه نهي عن بين الغرر ، و هو ماكان له ظاهر يغر المشتري و باطن مجهول. و قال الأزهري: «بيع ما كان علي غير عهده و لا ثقه»، و يدخل فيه البيوع التي لا يحيط بكنهها المتبايعان من كل مجهول (12).

2-    و في ضوء ذلك تتم معالجه النصوص الاسلاميه الوارده في النهي عن الغرر، فيحدد نوع الغرر المنهي عنه طبعاً بملاحظه مجموع النصوص المصححه لبعض المعاملات ، كتلك التي تصحح عقوداً تشتمل علي جهاله في النتائج. و ما اكثر العقود التي تنطوي علي ذلك، كعقود المزارعه و المساقاه و المضاربه و الشركه، أو علي جهاله و عدم اطمئنان يتحقق النتائج، لعقد السلم، حتي عقد القرض و بيع الشرط و البيوع التي تصاحبها خيارات و غيرها، اُعلي جماله في كميه العمل في كميه العمل، كعقد الحراسه و عقد الوكاله، خصوصاً عقد الوكاله المطلقه، حيث يجهل المتعاقدان مدي العمل الذي يمكن أن يتحقق بالحراسه و الوكاله العامه و امثالها.

هذا في حين يجد الباحث نصوصاً أخري تنهي عن بيوع تنطوي علي جهل، و ربما عللت ذلك بالغرر الحاصل، و ذلك كما في بيع الثمار، و بيع السمك في الماء، و اللبن في الضرع، و الصاع من صبره، الأمر الذي يتطلب الدقه في معرفه درجات الجهل المقبوله و الاخري المرفوضه التي تشكل غرراً.

3-    و بعد تحديد هذه الدرجات و تقعيد القواعد يجب أن يتم العمل علي ملاحظه التطبيق الدقيق لها علي الموارد المتسحدثه، بل علي المواد القديمه التي رفضت بحجه الغرر.

ولكي نمهّد للموقف نجد أنّ من المستحسن أن نذكر مثالين:

          الأول: حول مسأله اشتراط القدره علي التسليم في صحه العقد.

          الثاني: مسأله خيار الشرط.

          المثال الأول: شرط القدره علي التسليم استناداً للمنع عن بين الغرر. استند الفقهاء ، عند عرض مسأله اشتراط القدره علي التسليم في صحه العقد، إلي مسأله المنع عن الغرر، و هنا يقول الشيخ الأنصاري: «و بالجمله فالكل متفقون علي أخذ الجماله في معني الغرر، سواء تعلق الجهل بأصل وجوده أم بحصوله في يد من انتقل إليه، أم بصفاته كماً أو كيفاً، و ربما يقال: إن المنساق من الغرر المنهي عنه، الخطر من حيث الجهل بصفات المبيع و مقداره، لا مطلق الخطر الشامل لتسليمه، و عدمه ضروره حصوله في بيع كل غائب، خصوصاً إذا كان في بحرٍ و نحوه، بل هو أوضح شيء من بيع الثمار و الزرع و نحوهما، و الحاصل عدم لزوم المخاطره في مبيع مجهول الحال بالنسبه إلي التسلم و عدمه، خصوصاً بعد جبره بالخيار لو تعذر.

          و فيه أن الخطر من حيث حصول المبيع في يد المشتري أعظم من الجهل بصفاته مع العلم بحصوله، فلا وجه لتقييد كلام أهل اللغله، خصوصاً بعد تمثيلهم بالمثالين المذكورين (بيع السمك في الماء، و الطير في الهواء) ، و احتمال إراده ذكر المثالين لجهاله صفات المبيع لا الجهل بحصوله في يده، يدفعه ملاحظه اشتها ر التمثيل بهما في كلمات الفقهاء للعجز عن التسليم لا للجهاله بالصفات».

          و بعد أن ذكر امثله علي استدلال علماء الشيعه و السنه علي اعتبار القدره علي التسليم بالحديث النبوي المشهور، عقب علي ذلك بقوله: «فالأولي أن هذا النهي من الشارع لسدّ باب المخاطره المفضيه إلي التنازع في المعاملات» (13).

          و يشكل الإمام الخميني «قدس سره» علي هذا الاستدلال، مستعرضاً أقوال اللغويين رافضاً إرجاع المعاني التي ذكروها إلي الجهاله، و مقرراً أنه ليس من الضروري إرجاعها إلي معنيً جامع، قائلاً: «و بالجمله الغرر مستعمل في معانٍ كثيره لا يناسب كثير منها للمقام، و المناسب منها هوالخدعه، و النهي عنها – كالنهي عن الغش – أجنبي عن مسألتنا هذه، فإرجاع المعاني إلي معنيً واحد أجنبي عن معانيه، ثم التعميم لما نحن فيه – أي اشتراط القدره علي التسليم – مما لا يمكن المساعده عليه، إلّا أن يتمسك بفهم الأصحاب، و هو كما تري، أو تكشف قرينه داله علي ذلك، و هو أيضاً لا يخلو من بعد، لكن مع ذلك تخطئه الكل مشكله، و التقليد بلا حجه كذلك».

          و يقول في نهايه تعليقه، بعد أن يستعرض الروايات الورده في الغرر و يشكل علي كيفيه الاستفاده منها: «و الانصاف أن الحكم (اشتراط القدره علي التسليم في سحه العقد) ثابت و إن كان المستند مخدوشاً» (14) ، و هكذا فهو لا يعتبر الإبهام في القدره علي التسليم من الغرر.

          و يمكن أن نضيف هنا أن جبر هذا الإبهام بالخيار أمر يقبل التأمل، و لا يبعد قبوله لنفي الغرر المتصور، و هو الذي اشار إليه الشيخ الأنصاري بتعبير «المخاطره المفضيه إلي التنازع في المعاملات».

          و لا نريد هنا أن نقرر الموقف في مسأله اشتراط هذا الشرط في صحه العقد عموماً، بقدر استهدافنا القول بأن هذا الإبهام لا يبرر بنفسه، في نظر بعض كبار الفقهاء ، هذا الاشتراط.

المثال الثاني: خيار الشرط.

          و رغم الاختلاف في تسميته، فقد سمّي خيار الشرط، و الخيار الشرطي، و خيار التروي، و بيع الخيار، اجمعت المذاهب علي مشروعيته، و قد استدل له تاره بالإجماع، و أخري بالأخبار العامه المسوّغه للاشتراط، من قبيل الخبر الذي ادعي تواتره: «المسلمون عند شروطهم» (15)، و ثالثه بالأخبار الخاصه من قبيل ما رواه الدارقطني عن محمد بن اسحاق عن الرجل الأنصاري الذي كانت بلسانه لُوثه (×)، فكان لا يزال يغبن في البيوع (16) ، و ما رواه البخاري من حديث: «المتبايعان كل منهما بالخيار علي صاحبه ما لم يتفرقا إلّا بيع الخيار» (17).

فهو عقد مجمع علي صحته إجمالاً ، ولكنه علي أي حال يشتمل علي غرر بالمعني الشائع للغرر، و خصوصاً إذا لا حظنا مده الشرط. و قد ذكرت الموسوعه الكويتيه أن الحكمه التي لا حظها الفقهاء في التوقيت هي «ألّا يكون الخيار سبباً من أسباب الجهاله الفاحشه التي تؤدي إلي التنازع، و هو ما تتحاماه الشريعه في أحكامها» (18).

و نحن نجد الفقهاء يختلفون في هذه المده، فهناك من يفوض ذلك للمتعاقدين في حدود المعتاد، و هناك من يحدد بثلاثه أيام، و هناك من يفوض للمتعاقدين مطلقاً، و هو مذهب أحمد و محمد بن الحسن و أبي يوسف، و ابن أبي ليلي و ابن شبرمه و الثوري، و ابن المنذر و اسحاق بن راهويه، و أبي ثور و عبيد الله بن الحسن العنبري (19). و قال الشيخ الأنصاري من علماء الإماميه ما نصه: «و لا خلاف في صحه هذا الشرط، و لا في أنه لا يتقدر بحد عندنا» (20).

          و قال الإمام الخميني: «لا إشكال في صحه اشتراط الخيار في العقد و ثبوته بالشرط ... و يشترط تعيين المده و ضبطها بدواً و ختماً، فلو تراضيا علي مده مجهوله كقدوم الحاج مثلاً بطل البيع لصيرورته غررياً» (21).

          و كانت مشكله الغرر المتصور هنا هي المشكله الأساسيه أمام الفقهاء، فالجهل هنا موجود لا محاله، لأن من ليس له الخيار علي الأقل لا يعلم بالمده التي سيبقي معها العقد قائماً.

          فربما أجابوا بأن «الجهاله التي لا يرجع الأمر معها غالباً إلي التشاح، بحيث يكون النادر كالمعدوم، لا تعد غرراً كتفاوت المكاييل و الموازين» (22) ، و ربما قيل بأن «حديث : نهي النبي «صلي الله عليه و اله» عن الغرر، مخصص بخروج الغرر الحاصل من جهاله مده الخيار، و إلّا بطلت كل البيوع بجهاله مده خيار المجلس، بل لا يضر جهاله أصل ثبوت الخيار ... فيعلم أن المراد من الحديث هو النهي عن بيع يكون المبيع أو الثمن فيه مجهولاً كماً أو وصفاً، فتكون إضافه البيع إلي الغرر من قبيل الإضافه إلي المفعول» (23)، و ربما قيل بأن «الغرر المذكور لا يضر بصحه المعامله و الشرط؛ و ذلك لأن الغرر الآتي من قبل الاشتراط مشمول للقاعده، لا الآتي من قبل عمل صاحب الخيار، فأنه بعد ثبوت الخيار له فالجهل بعمله متأخراً عن القرار المعلوم لا يضر بالبيع و لا بالشرط» (24)، كما قد يقا ل بانه لا دليل علي أن كل جهل داخل المعامله يضر بالعقد (25).

          و أخيراً قد يقال بأن «الظاهر من موارد استعمالات الغرر أنه ما يقرب إلي الخديعه» (26) ، و ليس موردنا من موارد الخديعه.

          و هذا القول الأخير هو الذي يمكن استفادته من شروح اللغويين، بتقريب أن الخديعه التي تشير إليها المصادر اللغويه، إذا أضيفت إلي البيع حملت معنيً معيناً من الخداع، يمكن تلخيصه بأنه «ما كان له ظاهر يغر و باطن مجهول يجعله في معرض الخطر المعاملي، و هو الاختلاف بعد ذلك بشكل يصعب معه تعيين الموقف عند النزاع و التشاحّ، فيحصل الضرر و الهلكه و الخطر».

          و هذا المعني يستفاد أيضاً من النصوص الناهيه عن الغرر ، و لا مجال هنا لاستعراضها، و ربما كان هو ما توصل إليه الكثير من الفقهاء ، فحتي الشيخ الانصاري صاحب المكاسب الذي فسر الغرر بالجهاله يقول بعد البحث: «فالأَولي أن هذا النهي من الشارع لسد باب المخاطره المفضيه إلي التنازع في المعاملات» (27).

          و قد رأينا أن الإمام الخميني مثلاً يشكك في اعتبار مجهوليه القدره علي التسليم داخلهً تحت عنوان الغرر (28).

          و يقول أيضاً: «و الإنصاف أن اعتبار العلم في غير ذات المبيع و الأوصاف التي ترجع إليها لا دليل معتد به عليه، غايه الأمر إلحاق الأوصاف التي هي دخيله في معظم الماليه، كالريح و الطعم و اللون، فيما يراد منه ذلك ... نعم لا إشكال في لزوم إحراز عدم الفساد و المذهب للماليه لا للغرر، بل لإحراز تحقق البيع بعد تقومه بالماليه» (29).

          و يقول الشيخ الضرير : «و قد ورد الحديث الصحيح بمنع بيع الغرر، فوجب الاخذ به و منع كل بيع فيه غرر، و مقتضي هذا أن يؤثر الغرر في عقد البيع وحده، ولكن نظرنا فوجدنا أن الغرر إنما منع في البيع لأنه مظن&