انواع الصفات الفعليّه

 

المقدّمه

     من المواضيع المثيره في علم الكلام موضوع الإراده الإلهيه، حيث طرحت علي بساط البحث من جوانب عديده، و نشبت حولها نزاعات و خلافات، أمثال: هل إنّ الإراده من الصفات الذاتيّه أم من الصفات الفعليّه؟ و هل إنّ الإراده قديمه أم حادثه؟ و هل هي واحده أم متعدّده؟

     هذا بالإضافه إلي البحوث التي تعرّضت لها الفلسفه حول مطلق الإراده و خاصّهً الإراده الإلهيّه.

     و من الواضح أنّ دراسه هذا الموضوع دراسه موسّعه لاتتلاءم و هذا الكتاب، لذلك نوضح في البدايه مفهوم الإراده، و بعد ذلك نتعرّض لدراسه موجزه حول الإراده الإلهيه.

 

الإراده

     إنّ لفظه «الإراده» في الاستعمالات العرفيّه تستعمل في معنيين علي الأقل: أحدهما المحبّه، و الثاني: التصميم علي القيام بعمل.

     و المعني الأول، واسع جدّاً من حيث مجالاته، إذ يشمل محبّه الأشياء الخارجيّه1، و أفعال الآخرين، خلافاً للمعني الثاني، فإنّه يستعمل في خصوص أفعال الشخص نفسه.

     و الإراده بالمعني الأول (المحبّه) و إن كانت في الإنسان من قبيل الأعراض و الكيفيّات النفسانيّه، و لكنّ العقل يمكن أن يتصوّر لها مفهوماً عامّاً بتجريده عن النقائص، بحيث يقبل الصدق و الإطلاق علي الموجودات الجوهريّه، بل حتّي علي الله تعالي، كما يقوم العقل بمهمّه التجريد هذه في العلم، و من هنا يمكن أن يعدّ «الحب» الذي يطلق علي محبّه الله لذاته، أيضاً من الصفات الذاتيّه. إذنْ فإذا كان المراد من الإراده الإلهيه، حبَّ الكمال، الذي يتعلّق أوّلاً بالكمال الالهي اللامتناهي، و يتعلق في مراتب لاحقه بكمالات سائر الموجودات من حيث هي آثار لكماله أمكن لنا أن نعدّها من الصفات الذاتيّه، و تكون كسائر الصفات الذاتيه صفه قديمه واحده، و عين الذات الإلهيه المقدّسه.

     و أمّا الإراده بمعني التصميم علي القيام بعمل، فهي بلا شكّ من الصفات الفعليّه، حيث تتحدّد و تتقيَّد بقيود و تحديدات زمانيّه، بلحاظ تعلّقها بالأمور الحادثه، كما يلاحظ ذلك في الاستعمالات القرآنيه أمثال «إنّما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون»2.

     و لكن يلزم التأكيد علي أنّ اتّصاف الله تعالي بالصفات الفعليّه لايعني حصول تغيّر في الذات الإلهيه أو حدوث عرض فيه، بل يعني أن تلاحظ إضافهٌ و نسبه بين الذات إلالهيّه و مخلوقاتها، من زاويه خاصّه، و في ظلّ شروط معيّنه، و ينتزع من خلال ذلك مفهوم إضافيٌ معيّن هو أحد الصفات الفعليّه.

     و في مجال الإراده تلاحظ هذه الرابطه، و هي أنّ كلّ مخلوق إنّما خلق من جهه توفّره علي الكمال و الخير و المصلحه، فيكون وجوده في زمان و مكان معيّنين و بكيفيّه خاصّه، متعلقاً للعلم و المحبّه الإلهيه و قد خلقه الله تعالي باختياره، دون أن يقره أحد علي هذا الخلق، و بملاحظه هذه العلاقه، ينتزع مفهوم اضافي يسمي بـ«الإراده». و هي تتّحدد بحدود و قيود بملاحظه من جهه تعلّقها بشيء محدود و مقيّد، و يتّصف هذا المفهوم الإضافيّ بالحدوث، و الكثره، ذلك لأنّ الاضافه تابعه للطرفين، و الحدوث و الكثره في أحد الطرفين يكفي في سرايه هذه الأوصاف للإضافه نفسها.

 

الحكمه

     لدي التأمّل فيما ذكرناه حول الإراده الإلهيه يتّضح لنا أنّ الإراده لاتتعلّق بايجاد الشيء عبثاً و جزافاً و بدون حكمه، بل ما تتعلّق به الإراده الالهيه أصالهً هو جهه الكمال و الخير في الأشياء و بما أنّ تزاحم الماديّات فيما بينها، يؤدّي إلي عروض النقص و الضرر علي بعضها بفعل البعض الآخر منها، و لذلك فإنّ المحبّه الإلهيه للكمال تقتضي أن يوجد المجموع بشكل يترتّب عليه الخير و الكمال الأكثر و الأغلب، و من ملاحظه هذه العلاقات و الروابط يتوصّل إلي مفهوم «المصلحه»، و إلاّ فإنّ المصلحه ليس لها وجود مستقلٌ عن وجود المخلوقات، له تأثيره في وجودها، حتّي يكون له تأثيره في الإراده الإلهيه، أي ليس هناك وجود خارجيٌ مستقلّ يسمّي بالمصلحه يؤثّر في وجود المخلوقات فضلاً عن القول بتأثيره في الإراده الإلهيه.

     و الحاصل: بما أنّ الأفعال الإلهيه إنّما تنشأ من صفاته الذاتيّه كالعلم و القدره و حبّه للكمال و الخير، لذلك فإنّ هذه الأفعال إنّما تتحقق دائماً متوفّره علي المصلحه، أي يترتّب عليها الخير و الكمال الغالب، و يعبّر عن مثل هذه الإراده بـ «الإراده الحكيمه»، و من هنا تنتزع صفه أخري لله تعالي من الصفات الفعليّه تسمّي بصفه «الحكيم»، و هي كسائر الصفات الفعليّه تؤول و تنتهي إلي الصفات الذاتيّه.

     و يجب علينا أن نؤكّد بأنّ القيام بفعل لأجل المصلحه، لايعني أنّ المصلحه هي العلّه الغائيّه لله تعالي، بل إنّ المصلحه تعتبر هدفاً ثانويّاً و تبعيّاً، و أمّا الغايه الأصليه لأفعال الله فهي حبّه للكمال اللامتناهي الذاتّي، الذي يتعلّق بالتبع بآثاره، أي بكمال الموجودات، و من هنا قالوا بأنّ العلّه الغائيّه للأفعال الإلهيه هي العلّه الفاعليّه نفسها، و ليس لله غايه مستقلّه و زائده علي ذاته، ولكن هذه الفكره لاتتنافي و اعتبار الكمال و الخير و المصلحه في الموجودات غايهً فرعيه و تبعيّه، و لذلك علّلت الأفعال الإلهيه في القرآن الكريم ببعض الأمور التي تنتهي إلي كمال المخلوقات و خيرها. فقد ذكرت الآيات القرآنيه أن الامتحان و الابتلاء و اختيار أفضل الأعمال، و عباده الله، و الوصول إلي الرحمه الخاصّه الأبديّه الإلهيّه3، هي الأهداف و الغايات لخلق الإنسان. و كلّ واحده من هذه الغايات ممهّده للغايه الأخري، علي الترتيب المذكور.

 

الكلام الإلهي

     و من المفاهيم التي نسبت الي الله تعالي مفهوم التكلّم، و قد بحث منذ زمان بعيد حول الكلام الإلهي بين المتكلّمين، بل قيل إنّ السبب في هذه التسميه (علم الكلام) هو خوض أصحاب هذا العلم في البحث حول الكلام الإلهيّ، حيث اعتبرته الأشاعره من الصفات الذاتيّه، بينما اعتبرته المعتزله من الصفات الفعليّه. و من المواضيع التي حدثت حولّها نزاعاتٌ شديده بين هذين المذهبين؛ هذا الموضوع!: هل إنّ القرآن و هو كلام الله مخلوق أم غير مخلوق؟ بل ربما كفر بعضهم بعضاً! بسبب اختلاف الأراء في هذا الموضوع.

     و مع ملاحظه التعريف الذي ذكرناه للصفات الذاتيّه و الصفات الفعليه يظهر لنا بوضوح: أنّ التكلّم من صفات الفعل، حيث يتوقّف انتزاعه علي تصوّر مخاطب يتلقّي مقصود المتكلم و مراده بوساطه سماع صوت، أو رؤيه كتابه، أو خطور مفهوم في ذهنه، أو بأيّه صوره و طريقه اخري، و في الواقع انّ مفهوم المتكلّم ينتزع من الرابطه بين الله تعالي الذي يريد أن يكشف عن حقيقه معيّنه لآخر، و مخاطب يدرك تلك الحقيقه و يتلقّاها، إلاّ أن يراد من التكلّم معني آخر، كالقدره علي التكلّم أو العلم بمضمون الكلام، و بهذا التفسير تؤول و تنتهي هذه الصفه إلي الصفات الذاتيّه، كما ذكر نظيره لبعض الصفات الفعليّه الأخري.

     و أمّا القران الكريم، بمعني هذه الكلمات المكتوبه أو الألفاظ أو المفاهيم الموجوده في الاذهان او حقيقه النورانيه و المجرده فهو من المخلوقات. إلاّ أن يقال بأنّ العلم الإلهي الذاتّي هو حقيقه القرآن، و في هذه الصوره تؤول هذه الصفه إلي صفه العلم الذاتيّه و لكن هذه التأويلات حول الكلام الإلهي و القران الكريم بعيده عن الفهم العرفّي للمحاورات، و يلزم تجنُّبها.

 

الصدق

     و الكلام الإلهيُّ إذا تضمّن الأمر و النهي و الانشاء، فإنّه يحدّد بذلك الوظائف العلميّه للعباد، و لايمكن اتّصافه بالصدق و الكذب، و لكن لو تضمّن الإخبار عن الحقائق الموجوده، أو الأحداث الماضيه و المستقبليّه فيتّصف بالصدق كما يقول القرآن الكريم «و من أصدق من الله حديثاً»4.

     و تمثّل هذه الصفه الأساس لاعتبار نوع آخر من الاستدلال، هو «الاستدلال النقليّ و التعبّديّ» لإثبات المسائل الفرعيّه للنظره الكونيه، و إثبات الكثير من مسائل الايديولوجيّه.

     و من الأدلّه العقليّه التي يمكن إقامتها لإثبات هذه الصفه: أنّ كلام الله إنّما هو من شؤون الربوبيّه الإلهيّه و تدبير الكون و الإنسان، و علي أساس من العلم و الحكمه، و لتوجيه المخلوقات و هدايتها، و توفير الوسيله لنقل المعلومات و المعارف الصحيحه للمخاطبين، و إذا أمكن القول بمخالفته للواقع فسوف لايمكن الوثوق بكلّ هذه المسائل و الاعتماد عليها، و يوجب نقض الغرض و هذا يخالف الحكمه الإلهيّه. 

 

الهوامش:

     1.كما في هذه الآيه الشريفه «تريدون عرض الدنيا و الله يريد الآخره». الأنفال: 87.

     2.يس: 82.

     3.راجع: السور:هود/ 7، الملك/ 2، الكهف/ 7، الذاريات/ 56، هود/ 108، 119. الجاثيه/ 23،    آل عمران/ 15، التوبه/ 72.

     4.النساء: 878.