موسوعه الحديث النبوي الشريف

اعاده بناء التراث الاسلامي و محاوله للتقريب بين المذاهب

حاوره: محمد احمد حسن

 

     تعتبر الموسوعه الشامله في الحديث النبوي الشريف لمؤلفها الباحث السوري الاستاذ الباحث برهان البخاري احدي اهم الانجازات المهمه المعاصره في علم الحديث، و رغم ان الجزء الاول من موسوعه الاستاذ البخاري لم يمض علي اصداره سوي عام واحد الا انها و نظراً لما تميزت به من اسلوب علمي محايد في تصنيف الاحاديث و الروايات المنسوبه للرسول الاكرم فقد وجدت ترحاباً كبيراً نظراً للدور الذي بامكان هكذا مشروع ان يساهم به في تمهيد الارضيه المناسبه لبدء حوار هاديء و بناء بين علماء و مثقفي و مفكري الامه الاسلاميه لوضع حد لحاله التناحر السقيمه و اللامبرره بين ابناء هذه الامه. و المشروع الذي تم جمعه بالاستفاده من الكومبيوتر و الذي يتألف من مائه جزء يخضع الآن لدراسه و تقييم كبريات المؤسسات التحقيقيه في العديد من بلدان عالمنا الاسلامي. الوحده التقت الاستاذ برهان البخاري خلال زيارته لايران و اجرت معه حواراً حول هذا الانجاز الضخم فيما يلي نص الحوار:

     هل يمكن تلخيص اهم ما استهدفه مشروعكم الموسوم بالموسوعه الشامله في الحديث النبوي الشريف؟

     ربما يمكنني القول ان الموضوع الحاكم لكل جهدي يقع تحت عنوان عريض هو اعاده بناء التراث العربي و الاسلامي و بالتالي فان التجليات المختلفه لهذا المشروع سواء كانت موسوعه حديث او نسب او قرآن كريم هي موسعات وشيجيه ترتبط بعلاقات محكمه، و نحن للاسف لا زلنا نفصل في بعض الاحيان بين القرآن الكريم و الحديث النبوي الشريف و انا اري ان هذا الفصل غير دقيق و غير صحيح، فربما بالمعني البرنامجي يكون القرآن الكريم مفصولاً عن الحديث النبوي لكن الواقع هو ان العلاقات الوشيجيه لا يمكن فصلها نهائياً، لاننا كما نعرف ان كثيراً مما نريد ان نعرفه عن القرآن الكريم سواء بالنسبه لاسباب النزول او الناسخ المنسوخ او التفسير او اي علم آخر من علوم القرآن هي في الواقع تستند الي روايات حديثيه، و من هنا فانا اعتقد ان هناك علاقه عميقه جداً بين جميع عناصر التراث الاسلامي من الخطأ فصل بعضها عن البعض الآخر.

     من خلال تجربتكم في علم الحديث ما هي النتائج التي توصلتم اليها فيما يتعلق بالمقطع الزمني الذي حصل فيه وضع الاحاديث و تزويرها و التي كانت سبباً في انقسام المسلمين فيما بعد؟

     من الناحيه الوثائقيه فان تسجيل و تدوين الحديث تم في زمن الرسول الاكرم (ص)، الا أن النظره الواقعيه و المنصفه للتاريخ تشير الي ان علم التاريخ قد بدأ في ايام عمر بن الخطاب و في سنه 17 للهجره، و بعد ان تم الشروع بعلم التاريخ نشأت علوم مهمه اخري منها ما نسميه ببدايه السيره النبويه.

     ألا ترون ان التاريخ بحاجه الي غربله و تصفيه في بعض ما يحمله من روايات و احاديث كانت سبباً في اتساع شقه الخلاف بين المسلمين؟

     بالتأكيد هذا هو ما نحتاح اليه و هو الذي دفعني الي انجازي مشروع الحديث النبوي الشريف، ان التاريخ الاسلامي بحاجه الي مناهج متطوره و هو بحاجه الي استخدام مجموعه كبيره من العلوم المساعده و الي النقد و الدراسه المتخصصه للروايات و الاحاديث و نحن عندما وضعنا مثلاً معجم الصحابه قمنا قبل كل شيء بوضع معايير جديده في تعريف الصحابي تستند الي نقطتين الاولي هي هل لهذا الصحابي روايه أم ليست له روايه، لأن الروايه تعطي الصحابي قيمه خاصه و مهمه، فحمزه (رض) مثلاً رغم اهميته و موقعه الكبير في الاسلام له قيمه تاريخيه و ليست قيمه حديثيه لكونه ليس له روايه، بينما بعض الصحابه لا قيمه تاريخيه لهم و لكن لهم قيمه حديثيه، اما النقطه الثانيه التي اعتمدناها فهي الأسبقيه في الاسلام حيث وجدنا ان الصحابه ينسقون في الاسلام. الي قسمين المهاجرين و الانصار، ثم بدأنا بتصنيفهم وفقاً لمشاركتهم في الحروب و الغزوات، و في ضوء هذه الأسس صنفنا الصحابه فبدأنا نؤشر علي هذا الصحابي بأنه قد شهد معركه بدر و ذاك شهد معركتي بدر وأحد و هكذا و بصرف النظر عن قيمه الصحابي او اخلاصه لأن البعض منهم ارتد مسيحياً فان الترتيب الزمني يبقي الاساس المهم في تصنيف الصحابه، و أنا اري ان مثل هذا التصنيف يمكن ان يسهل كثيرا عمليه الغربلة التي أشرت اليها، و غير ذلك فانا علي قناعه بأن المسلمين بحاجه ماسه الي مناهج متطوره و معاصره لتهذيب ما علق بالتاريخ الاسلامي من شوائب و تزوير.

     هل تعتقدون أن بالامكان استثمار بعض الاحاديث الثابته لدي عموم المسلمين كأحاديث الغدير و الكساء و الثقلين و الولايه في التقريب بين المذاهب الاسلاميه؟

     هذا سؤال مهم جداً و حساس جداً، و لابد من معالجته بصراحه كامله، و لكن هناك فرقاً بين احقاق حق مضي و بين احقاق حق معاصر، فالماضي انتهي و لا يمكن لأحد ان يغير شيئاً مما حدث، فمهما قيل عن فدك و مهما قيل عن فاطمه (ع) تبقي هناك حاجه كبيره لازاله الخلافات الراهنه و الناشئه عن تلك الاحداث، فأنا الآن حتي و إن اقتنعت بأن الامام علي (ع) كان الأجدر بالخلافه، الا انه ليس هناك من احد يمكنه تغيير الحدث شيئاً مهماً ايضاً و هو ان الشيعه هم مذهب من المذهب الاسلاميه يؤمنون بالولايه و بامكان المسلمين دراسه هذا الموضع لا من منطلق تقويم الخطأ الماضي و لكن من زاويه تصحيح الواقع الحاضر، لذلك انا اتصور أن التقريب بين المذاهب يمكن ان يحصل تدريجياً من خلال حل بعض المسائل الخلافيه التي لا تزال سبباً في هذه الحزازات، لقد تابعت بعض احداث مسلسل الامام علي (ع) الذي عرضه التلفزيون الايراني مؤخراً و اعجبت بالالتزام الذي تميز به هذا المسلسل في عدم الاساءه الي الخلفاء الاربعه، و كافه المسلمين لا يهمهم ان يقال عن معاويه رضي الله عنه او لا يقال و لكن الامر يختلف بالنسبه للامام علي و ابوبكر و عمر، علينا ان نسعي الي نزع فتيل الخلافات بالتدريج و بهدوء و علينا ان نفرق بين استرداد الحقوق الماضيه و بين وجهه النظر الفقهيه القائمه حول ولايه اهل البيت، اننا لا يمكن ان نعيد حق علي بن ابي طالب عليه السلام بحديث الغدير و الثقلين و لكننا يمكننا ان نعطي مبرراً لمذهب ما يري ذلك.

     كيف تقوّمون تجارب التقريب في ايران بعد انتصار الثوره الاسلاميه؟

     في البدايه لابد من التنويه الي ان بلداً يعتمد الدين الاسلامي نظاماً للحياه و الحكم هي تجربه جديده في عالمنا الاسلامي و هذه التجربه هي بحاجه حسب اعتقادي الي وقت لتستريح فيه لان ما حصل في ايران اشبه بالبركان المتفجر، و الظروف كما نعرف لم تسمح كثيراً لكي تطرح ما تريد طرحه في هذا المجال نظراً لانشغالها في الحرب مع النظام العراقي التي استغرقت ثمان سنوات. انا قلت ان مسأله التقريب ممكنه جداّ اذا ركزنا جهودنا في البحث عن القواسم المشتركه و عملنا باخلاص علي تجميد نقاط الخلاف و تجنبنا محاوله اخضاع الطرف الآخر فكرياً بدل محاوله اقناعه بوجهه نظرنا.

     هل تقترحون آليات معينه لتنضيج محاولات التقريب بين المذاهب الاسلاميه؟

     بالتأكيد هناك جمله من الوسائل. منها اهميه الاستفاده من التقنيات الحديثه لما يمكن ان يكون لها من دور في الاعتماد علي الوثائق و الاحاديث التي لا ترد، لان اللغط و الجدل العقيم لم يعد يجدي نفعاً بين المسلمين، كما ان البلاغه و العواطف في القول الخطاب لا يمكن ان تساهم في تقريب المسلمين الي بعضهم. ان علينا أن نفهم حقيقه لا جدال حولها الآن و هي ان الاسلام اذا كان بلا مذاهب في حياه الرسول (ص) فانه لا يمكن تصور اسلام بلا مذاهب بعد وفاته (ص) بل انه لا يمكن تصور اي دين في العالم بأسره موحداً و خالياً من المذاهب، كما ان علينا أن نستوعب مسأله مهمه و هي ان الشريعه الاسلاميه قد فرقت بين الكبائر و بين غيرها من المخالفات. فالشرك بالله تعالي يأتي علي رأس قائمه الكبائر و التي لا تقبل عند ثبوتها اي نقاش ثم تتدرج الشريعه في الاساره الي عقوبه ما دون الشرك و بالتدريج فتضع الكفاره و اطعام المسكين و عتق الرقبه و غير ذلك و رغم هذا الوضح الذي تتميز به الشريعه الا انه للأسف و بعد بضعه عقود من الزمن اختلط الحابل بالنابل و اشهر سلاح التكفير بوجه كل من له رأي مخالف بل وصلت الخلافات الي حد التصفيه الجسديه و الاباده الجماعيه، و بما ان القرآن الكريم كان ثابتاً لذا تركز الاحتكام اليه بتأويل آياته بما يتناسب مع وجهات نظر كل فرقه و مذهب. اما في ميدان الحديث الشريف فلقد تعرض للتحريف بل بلغ الامر الي حد وضع احاديث عن الرسول الاكرم (ص) و من هنا جاءت الحاجه الي وجود علوم الحديث بهدف التمييز بين الحديث الصحيح عن الحديث الضعيف.

     كن لكم مؤخراً لقاء مع قائد الثوره الاسلاميه، ما هي انطباعاتكم عن هذا اللقاء و ماذا ابدي من وجهات نظر حول مشروعكم في الحديث النبوي الشريف؟

     ان اكثر ما جلب انتباهي في شخصيه السيد الخامئني هو تواضعه و بساطه معيشته اضافه الي صراحته الكبيره، لقد لمست انه يتميز باستشفاف اعتبر سماحته ان مشروعي في الحديث النبوي الشريف لابد ان يخدم قضيه التقريب بين المذاهب الاسلاميه، و عندما التقيته لمست فيه ايضا الصراحه و المباشره في تناول موضوع يتسم بالحساسيه، لقد قلب سماحته الموسوعه الشامله للحديث بشيء من التمعن، فكان رأيه واضحاً و صريحاً بانه عمل لم يسبق لان الموسوعه كانت مستقاه من التراث السني و بأنه عمل مهم لسببين الاول انه عمل حديثي و الثاني انه عمل تقريبي.

     من كم جزء تتألف موسوعتكم الحديثيه و بماذا تتميز؟

     الموسوعه تتألف من 100 جزء و قد طبعت الجزء الاول منه و قد كتبته بطريقه يستطيع فيها الكاتب او الباحث ان يستفيد من اي جزء بمعزل عن الاجزاء الاخري، و هذه الموسوعه تضم الاحاديث النبويه الشريفه و لكنها تسلط الضوء ايضاً علي الصحابه و الرجال و الروايات و من هنا تأتي اهميه الموسوعه لانها عباره عن غربال لكل الاحاديث و الروايات الوارده عن الرسول الاكرم حيث تم تصنيفها حسب قوتها وفق اسس عمليه و علميه دقيقه.

     كم استغرق اكمال مشروعكم هذا من الوقت؟

     استغرق المشروع اثنتي عشره سنه.

     كم عدد الاحاديث النبويه الشريفه و الروايات التي تضمنتها موسوعتكم هذه؟

     بلغ عدد الاحاديث النبويه الشريفه و الروايات التي تم تصنيفها حوالي ثلاثه ارباع المليون حديث و روايه.

 

الوحده العدد 198