اطلاله علي المبعث النبوي الشريف

الرسول الكرم (ص) ... الصادق الامين و الداعيه الحكيم

 

     الوحي في اللغه هو الكلام الخفي، و هو الاشاره السريعه،‌ او القاء ما يريد الموحي القاءه لدي الطرف الآخر،‌ من اعلام و اوامر و ارشادات سواء عن طريق الاشاره، او الكتابه او الرمز، او المحادثه.

     و قد اتخذت كلمه (الوحي) معني اصطلاحيا قرآنيا كغيرها من الكلمات العربيه،‌ التي نقلت من استعمالها العام الي استعمالها الشرعي الخاص، فاصبح لفظ (الوحي) اسما لما يلقي للانبياء و الرسل من كلام الله و قوله سبحانه.

     و نقل صاحب كتاب سفينه البحار: عن الشيخ المفيد:

     (اصل الوحي هو الكلام الخفي، ثم قد يطلق علي كل شيء قصد به الي افهام المخاطب علي الستر له عن غيره، و التخصيص له به دون من سواء، و اذا اضيف الي الله تعالي كان فيما يخص به الرسل (ع) خاصه دون من سواهم علي عرف الاسلام، و شريعه النبي1). و لقد كان الوحي الالهي منذ بزوغ انواره علي سطح هذه الارض، و الي يومنا هذا، و سيبقي كذلك يشكل لذي الكثير من غير الواعين مشكله فكريه و اعتقاديه صعبه الفهم، عسيره الاستيعاب. اما بالنسبه للفكر الايماني فليست ظاهره الوحي لديه في حقيقتها الا التعبير عن استمرار العنايه الالهيه الرحيمه، و تتابع الالطاف الربانيه الهاديه و رحمه بالانسان الضال المنحرف،‌ و انقاذا له، اذ لم يشا الله سبحانه ان يخلق الانسان و يتركه مهملا بلا توجيه، و ضائعا بلا رعايه، علي هذا الارض، بل جعل الله الوحي الي الانسان وسيله لتعريفه بنفسه، و بربه، و عالمه، و سبيلا الي هدايته، لتنظيم حياته، و بيان طريقه تعامله مع ابناء نوعه، و كيفيه توجهه الي خالقه. و هكذا شاء لطف الله بعباده، و قضت ارادته الحكيمه ان يختار افرادا خاصين و مؤهلين للاتصال بالالطاف الربانيه بعد ان يهيئهم الله بلطفه،‌ فيوفر لهم الاستعداد الروحي، و التكامل النفسي، و النضج العقلي، و السمو الذاتي،‌ ليكونوا مؤهلين لحمل الرساله و تبليغ الامانه، و تمثيل الاراده الربانيه علي هذه الارض كما جاء في الايه الكريمه.

     (الله يصطفي من الملائكه رسلا و من الناس ان الله سميع بصير) (الحج / 75).

     و اذن لابد للنبي من بلوغ من الاستعداد، ‌و التكامل الروحي الذي يهيئه لتلقي الفيض و المعرفه الالهيه و يرفعه الي درجه التجرد عن هذا العالم المادي، و التعلق بالله سبحانه.

     و هاتان الصفتان: التجرد و التعلق، هما الوسيلتان الروحيتان لتمكين النبي من اختراق المالوف من عالم الشهاده، و الاتصال بعالم الغيب في حاله الوحي، حيث يتم تعطيل ارتباط الذات الواعيه بالعالم المادي. و يحصل الانفصام الكلي عند، لترتفع القوي الروحيه و العقليه المتساميه الي درجه تجعل الذات النبويه في حاله روحيه مستعده لاستقبال و وعي ما يصدر، و ما يلقي اليها من العالم العلوي.

 

الاعداد للنبوه

     لقد اعد الله نبيه محمدا (ص) و هياه لحمل الرساله، و اداء الامانه الكبري و انقاذ البشريه، و حين بلغ الاربعين سنه من عمره الشريف اختاره الله سبحانه نبيا و رسولا و هاديا للبشريه جمعاء، و لقد كانت بدايه الوحي، ‌و قبل ان ياتيه جبريل (ع) في غار حراء، هي ان رسول الله (ص) كان يري في المنام الرؤيا الصادقه، و هي درجه من درجات الوحي، كما كان يذهب الي غار حراء يخلو فيه و يتعبد.

     فقد روي عن محمد بن كعب و عن عائشه:

     ان اول ما بديء‌ به رسول الله (ص) من الوحي، الرؤيا الصادقه، و كان يري الرؤيا فتاتيه مثل فلق الصبح، ثم حبب اليه الخلاء، (فكان يخلو بغار حراء)2.

     ان المتامل في تلك الروايه يستطيع ان يفهم منها حقائق اساسيه تتعلق بالوحي و النبوه:

     1ـ ان النبي كان يهيا من قبل الله تعالي           لتلقي الوحي بتوجيهه عن طريق الالهام و الالقاء في نفسه، و الانكشاف له من خلال الرؤيا الصادقه، و لم يفاجا به، كما تصور بعض الاخبار ذلك.

     و واضح ان رؤيا الانبياء هي درجه من درجات الهي، و لكنها اقل مستوي من التكليم بواسطه جبريل (ع).

     2ـ تحبيب الخلوه له من قبل الله تعالي، لينقطع عن عالم الحس و الشهاده، و يستغرق في التامل و التعالي نحو عالم الغيب و الملكوت الاعلي و الاتجاه الي الله سبحانه، و ليكون مهيا لتلقي الفيض الالهي و الوحي الرباني، و بذا فلم يكن النبي (ص) ليذهب الي غار حراء ذهابا عفويا غير موجه، و لا حكمه فيه، و لا انتظار، فالروايات تصرح بان النبي (ص) كان ينقطع في كل عام شهرا كاملا في هذا الغار، للخلوه و الانفراد كما كان يذهب في بعض الايام للخلوه و التامل هناك، و ليس معقولا ان يتم كل ذلك بصوره عفويه، او بدافع شخصي من الرسول، بل كان توجيها اليها، و مرحله تامل و انتظار للوحي.

     و في السنه التي اراد الله سبحانه ان يبعث نبيه محمدا (ص) الي الناس كافه، و هي سنه (610 م)، كان النبي قد ذهب في شهر رمضان تلك السنه، الي الغار و معه اهله مجاورون، فاتاه جبريل (ع) فالقي اليه كلمه الوحي، و ابلغه بانه نبي هذه البشريه و المبعوث اليها.

     و تفيد الروايات ان اول آيات قراها جبريل علي محمد (ص) هي:

     (اقرا باسم ربك الذي خلق * خلق الانسان من علق * اقرا و ربك الاكرم * الذي علم بالقلم * علم الانسان ما لم يعلم)3. (العلق 1 ـ 5).

     بعد تلقيه ذلك البيان الالهي، عاد النبي الي اهله، و هو يحمل كلمه الوحي، و مسؤوليه حمل الامانه التي كان ينتظر شرف التكليف بها، و يخلو زمنا في الغار لتلقيها.

     و عاد فاضطجع في فراشه و تدثر ليمنح نفسه قسطا من الراحه و الاسترخاء، فجاءه الوحي مره اخري يامره بالقيام، و ترك الفراش و البدء بالدعوه و الانذار، جاء هذا الخطاب في قوله تعالي:

     (يا ايها المدثر * قم فانذر * و ربك فكبر * و ثيابك فطهر * و الرجز فاهجر * و لا تمنن تستكثر * و لربك فاصبر). (المدثر / 1ـ 7).

 

الانطلاق في الدعوه الي الله

     لقد امر الرسول بحمل الرساله و تبليغ كلمه الله، و الدعوه الي توحيده و عبادته و اصلاح البشريه و انقاذها من الظلم و الكفر و الفساد و الخرافه كماجاء في قوله تعالي: (قم فانذر). (المدثر / 2).

     فانطلق مستجيبا لامر الله، يبشر بدعوته، و يدعو الي سبيل ربه، فكان اول من دعاه، و فاتحه بالدعوه و طلب منه التصديق به، زوجته خديجه بنت خويلد، و ابن عمه علي بن ابي طالب (ع) الذي كان صبيا في العاشره من عمره، فآمنا به و صدقاه، فكانت تلك النواه الاولي للدعوه الالهيه الكبري في الارض و المنطلق الاساس لحركتها التاريخيه الرائده.

     و كانت خديجه نعم العون و النصير، فقد صرفت ثروتها و مالها الوفير من اجل نصره الدعوه، و تثبيت اركانها، كما كانت دوما الي جنب رسول الله (ص) تمنحه الحب و تشيع في ارجاء البيت عبق الراحه و السعاده.

     ثم اسلم زيد بن حارثه، فكان ثالث من صدق و اسلم. و هكذا بدات الدعوه بدايتها الاولي،‌ تلك الدعوه التي احدثت الانقلاب الشامل، و استقطت العروش و الامبراطوريات و الجبابره، و صنعت المدنيه و الحضاره الفذه.

     لقد عبر رسول الله (ص) عن تلك البدايه التي استهان بها الطغاه و الجبابره، بقوله الذي رواه عمر بن عبسه السلمي قال:

     (اتيت رسول الله اول ما بعث و بلغني امره، فقلت: صف لي امرك، فوصف لي امره، و ما بعثه الله به، فقلت: هل يتبعك علي هذا احد؟ قال: (نعم، امراه و صبي و عبد)، يريد خديجه بن خويلد، و علي بن ابي طالب، و زيد بن حارثه4.

     انه لحدث تاريخي مغير، و هزه حضاريه عنيفه، فماذا يتوقع من قريش، و ما هو موقفها، او رد فعلها تجاه ذلك الحدث العظيم؟

     لقد كان رسول الله (ص) يدرك طبيعه مجتمعه، و القوي الطاغوتيه المتسلطه عليه، و يعلم ان هذا الزلزال التاريخي الهائل سيهز الطواغيت، و يثير كبرياءهم و عدوانهم. اذن فليس بوسعه ان يجاهر بتلك الدعوه و يدعو الي تحطيم الوثنيه و الخرافه،‌ و تسلط الطواغيت، ‌و انقاذ المستضعفين و المحرومين بصوره علنيه. اذ كان سيواجه بكل وسائل الرفض و المقاومه و العدوان، فله فيمن سبقه من النبيين و المرسلين لعبره و موعظه، فقد جوبهت دعواتهم بالرفض و العناد،‌ و جندت قوي الطاغوت كل امكاناتها لمحاربه رسالات الانبياء و دعوات الاصلاح التي تواجهها، فقتلوا النبيين و دعاه التوحيد،‌ و عذبوهم و اخرجوهم من ديارهم، و سخروا منهم، و شنوا الحرب الدعائيه ضدهم.

     لذا كان لابد للرسول (ص) و هو الداعيه الحكيم ان يلجا الي (السريه و الكتمان) لحفظ الدعوه، و لتقوي بنيتها،‌ و يتكامل المؤمنون عدديا و فكريا و نفسيا، بعيدا عن عيون الطواغيت.

     ان روايه عمر بن عبسه السلمي الآنفه الذكر تفيد ان النبي (ص) كان معروفا بدعوته في الوقت الذي لم يتبعه فيه غير اولئك الثلاثه الرواد.

     الا ان السريه و الكتمان،‌ كما يظهر من فحوي الروايه و دلالتها، كانت متركزه في اصحاب رسول الله (ص) و في ممارستهم للعباده و قراءه القرآن، و في التحرك و النشاط الذي يقومون به وسط المجتمع.

     فقد ذكر المؤرخون ان رسول الله (ص) كان يختار اصحابه فردا فردا، و لم يوجه دعوته الي الجميع في تلك المرحله، ليكون كتله قويه قادره علي حمل الدعوه و مواجهه الطغاه بصوره سريه، و كانوا يتكتمون و لا يعلنون اسلامهم، و يمارسون صلاتهم بصوره سريه، بعيدا عن الانظار و العيون.

     فقد روي المؤرخون ان جماعه من اصحاب الرسول (ص) كانوا يؤدون الصلاه خارج مكه سرا، فكشف بعض المشركين امرهم فهاجموهم و اشتبكوا معهم فضرب احد المسلمين رجلا من المشركين بعظم بعير فادماه5.

     و من مظاهر السريه في تلك المرحله التي دامت ثلاث سنوات، هو اتخاذ الرسول مقرا سريا لاجتماع اصحابه، و قراءه القرآن، و تعليم الاسلام و اعداد الدعاه و تربيتهم،‌ و هو بيت الارقم المخزومي.

     و هكذا ظل رسول الله (ص) يدعو في مكه سرا، و يدعو من يراه مؤهلا للانضمام الي الدعوه، حتي تكامل عدد اصحابه اربعين شخصا.

     و هكذا مرت الدعوه الاسلاميه في مكه المكرمه بمرحلتين اثنتين هما:

     1ـ المرحله السريه، و دامت ثلاث سنوات.

     2ـ المرحله العلنيه، و دامت في مكه عشر سنوات.

 

المصادر

     1ـ‌ الشيخ عباس القمي/ سفينه البحار/ ط دار المرتضي (بيروت)/ ج 2/ ص 638.

     2ـ الطباطبائي/ الميزان في تفسير القرآن/ ط مؤسسه الاعلمي (بيروت)/ ج 20/ ص 327.

     3ـ الطباطبائي/ الميزان/ ج 20/ ص 322.

     4ـ اليعقوبي/ تاريخ اليعقوبي/ ج 2/ ص 23 و 24.

 

الوحده ـ العدد 232