الاسلام و الحكم

فلسفه الاجتهاد بين احكام الدين و اهدافه

السيد محمد رضا حكيمي

 

     البحث في موضوع الاجتهاد ينبغي ان يتناول كل المساحه التي تمثل مجال عمل الاجتهاد؛ اي المجتمع الانساني و قضاياه. فاذا ما اقتصر الاجتهاد علي مجالات محدوده. سوف يبقي محدوداً. و الاجتهاد «رساله» و المحدوديه تنفي الرساله.. اجل، الاجتهاد المحدود لا ينبغي للاجتهاد ان يبني المجتمع؟ هل الاجتهاد علم الاجتماع؟ كلا، الاجتهاد باني المجتمع ان معظم ما قيل او كتب عن الاجتهاد حتي الآن، كان منطلقاً من نظريه الي «احكام الدين» و ليس «اهداف الدين».

     لقد اتضح منذ اليوم الذي بعث فيه السيد جمال الدين الأسد آبادي رساله الي المرجع الاسلامي الميرزا الشيرازي الكبير، يدعوه فيها الي ان يخطو علي طريق اسقاط السلطنه القاجاريه، و تحرير الشعب الايراني المسلم من براثن هذا البلاط المنحط و اولئك الرجال العملاء الاذلاء؛ اتضح ان الاجتهاد قد دخل مرحله جديده من مسووليه الشرعيه و الرساليه: مرحله النضال ضد الاستعمار الحاكم في البلدان الاسلاميه و الذي يعتبر الاستبداد احد مظاهره .. نحن لا يوجد عندنا اجتهاد يقتصر اهتمامه هلي الحوزه، و يكتفي بتدريس «بحث الخارج». فمن اروقه هذه الحوزات العلميه و بحوث الاجتهاد يخرج مراجع التقليد و يتسلموا بايديهم زمام الحياه الدينيه و الاجتماعيه للشعوب الاسلاميه. فاذا ما كانوا يعيشون حياه القرون السالفه، فان هذه الشعوب سوف تعيش ايضاً حياه تلك القرون، و لكن اذا ما واكبوا العصر، فان الشعوب الاسلاميه ايضاً ستعيش واقعها المعاصر. و عليه فالبحث حول الاجتهاد انطلاقاً من النظر الي «اهداف الدين» يعتبر من اكثر البحوث اهميه في هذا المجال. كما ان البحث حول الاجتهاد بالنظر الي «احكام الدين» ينبغي ان ينطلق من هنا ايضاً. فاهداف الدين تمثل غايات الدين. و ما احكام الدين الاّ مقدمه لتحقيق تلك الغايات. و عليه لابد للمقدمات ان تتسم دائماً بالكيفيه التي تنتهي بها الي الاهداف. فما هي اهداف الدين؟

     الدين ظاهره «الهيه ـ اجتماعيه» و لأنك قيّدتها «بالاجتماعيه» فهذا يعني انك تشير الي مثلث: الفرد، المجتمع، السلطه. و المجتمع في حقيقته يتألف من الفراد، و تدار شؤونه عن طريق نظام الحكم. و الدين بوصفه ظاهره «الهيه ـ اجتماعيه»، لابد له من توضيح انتظاره من هذه الوجودات الثلاثه. اي لابد له من تحديد الفرد الذي يقبله حتي يمكن ان يطلق عليه «فرد ديني» او «انسان متدين»؟ و كذلك المجتمع الذي يريده لكي يمكن ان نطلق عليه «المجتمع الديني» او «المجتمع المتدين»؟. و ايضاً نوع الحكم و النظام الاجتماعي و السياسي و التربوي و القضائي و الاقتصادي، التي يؤمن بها حتي يمكن ان يقال له «نظام ديني» او «نظام متدين»؟ .. و قد اجاب الدين عن هذه الاسئلة الثلاثه. 

     يدعو الدين الي نظام «عامل بالعدل»: (ان الله يأمر بالعدل). و يدعو الي مجتمع «قائم بالقسط»: (ليقوم الناس بالقسط). و يريد افراداً مؤمنين و صالحين: (الذين آمنوا و عملوا الصالحات). و الاجتهاد في عصر الغيبه، يعني تلك القوه الفاعله التي تتمكن من قياده هذا المثلث، و توضيح تكاليفه فيما يخص علاقات الحياه الواسعه. و بهذه الرؤيه يمكن ان ندرك اهميه الاجتهاد و موضوعاته الضروريه. اي تحديد ابعاد الاجتهاد و موضوعاته الضروريه. اي تحديد ابعاد الاجتهاد بالتفات الي رسالته. فهل الاجتهاد غايه ام وسيله؟ من المسلم به انه وسيله .. وسيله لأي شيء؟ وسيله تبيين التكاليف الدينيه فيما يتعلق بارتباطها بالافراد و المجتمع و نظام الحكم .. من اجل ماذا؟ من اجل تحقق غايات الدين و اهدافه .. فلو كان الاجتهاد غافلاً عن مستلزمات حياه انسانه المعاصر، يكون قد أنكر فلسفته الاصليه. ذلك ان فلسفه الاجتهاد الاصليه هي تعيين مسير «الحوادث الواقعه» من وجهه نظر الدين. و الحوادث الواقعه تعني المسائل المختلفه لحياه الانسان المعاصر. ان بعض شؤون حياه الانسان السالف. رغم انها حاضره في الحياه المعاصر، الاّ انها لا تمثل موضوع الاجتهاد الاصلي، لانه قد تم اختبارها. ان موضوع الاجتهاد الاصلي هو ابعاد الحياه المتحوله. و لابد للدين من البرهنه علي حضوره الفاعل في الهدايه و في ايجاد الحلول اللازمه في هذا الجانب المتحول و المتغير من حياه الانسان. و في الحقيقه ان الاجتهاد هو الناطق باسم الدين. الاجتهاد هو الذي يتحدث الينا باسم الدين، و يبين مسير حركه «الحوادث الواقعه» في حياه الانسان .. «الحوادث الواقعه» تعني المنعطفات التي تنتقل بحياه الناس من وضع الي آخر. و من الممكن ان يقود هذا الانتقال الي ارتقاء الاهداف القيميه او تدنيها. و من هنا او كل زمن «الحوادث الواقعه» الي الاجتهاد. اي لكي يقود الحوادث الواقعه، من خلال حضوره الواعي، علي طريق ارتقاء الاهداف القيميه و تعاليها، لا سقوطها.

     الحوادث الواقعه تعني الظواهر التي تتواصل معها الحياه. بيد ان الاستمرار و التواصل لا يستلزم التكامل، و ربما يقود الي التدني و السقوط. و لكن الاجتهاد، من خلال تحكمه بالحوادث الواقعه. هو الذي يأخذ بدفه الحركه باتجاه التكامل الانساني. و عليه فلو ادرك الاجتهاد عمق الرتباطه الجوهري مع طبيعه حياه الانسان المتحوله. يستطيع ان يعي جيداً مسؤولياته و وظائفه.

     اي اجتهاد ذلك الذي يرتبط ارتباطاً جوهرياً بطبيعه الحياه المتحوله؟ هل هو كل اجتهاد، بالتأكيد كلا. و عليه ينبغي لنا قبل كل شيء ان نحدد فلسفه وجود الاجتهاد نفسه، الاجتهاد من اجل ماذا؟ عندها يتضح من هو المجتهد الحقيقي و الواقعي. فهل تتصورون ان قول الامام علي (ع): «و ما اخذ الله علي العلماء ألاّ يقاروا علي كظه ظالم و لا سغب مظلوم»(1)، لا علاقه له بالاجتهاد؟ كلا. انه وثيق الصله بالاجتهاد. أليس المجتهد بعالم؟ فاذا كان عالماً فهو مسؤول اذن. و هو مصداق لكلام الامام علي (ع). بل ان مسؤوليته اعظم من الجميع، لانه هو الذي يوجّه المجتمع الي تعاليم الاسلام و العمل بأحكامه. فاذا ما كانت الآراء الفقهيه للمجتهد ـ بسبب افتاره للرؤيه اللازمه او الاطلاع الكافي ـ بنحو تعتبر المستغلين الظلمه صالحين و متشرعين و منافعهم مشروعه، و معاملاتهم الاقتصاديه مطابقه للقواعد الفقهيه و رأي الشارع؛ و لم تلتفت الي الاضرار الاقتصاديه و المعاشيه التي تلحقها ممارسه هؤلاء بأسس العدل و القسط و تزلزل النشاطات الاسلاميه البناءه، و لا تعبأ بكل ذلك؛ فكيف يتسني له تجسيد نهج الامام علي بن ابي طالب (ع)؟ فاذا لم يتعرض المجتهد علي هؤلاء و لا يعتبرهم متجاوزين و ظلمه، وفقاً لاستنباطه الفقهي؛ و لا يدرك ان «كظه الظالم» هي السبب الذي يقف وراء ظهور «سغب المظلوم»، و من ثم يعتبر ظلم الظلمه للمظلومين قضاءً و قدراً؛ فكيف يمكن لهذا المجتهد ان يقف الي جنب المظلومين اقتصادياً، و المحرومين اجتماعياً، و الضعفاء و المنسيّين من امه محمد (ص) و شيعه المهدي «عج»(2). فاذا لم يحارب العالم الظالم و لا يساعد المظلوم، فما هو فرقه عن الجاهل؟ و اين سيكون مكانه الي جانب موسي (ع) ام قارون؟ الي جانب محمد (ص) ام ابي سفيان؟ الي جوار علي (ع) أم معاويه؟

     لقد اوضحت التعاليم القرانيه الساميه، ان الظلم و الاعتداء الذي يقع علي المظلومين هو نتيجه لسلوك الناس انفسهم، كما ورد في اكثر من موضع من القرآن الكريم: «و ما كان الله ليظلمهم و لكن كانوا انفسهم يظلمون». فالظلم الذي يقع علي الانسان هو من فعل الانسان نفسه، و ليس قضاءً و قدراً، وعليه ينبغي مقارعته. لابد من القضاء علي اسبابه. فالفقر ظلم اجتماعي، و ان الذي يعمل علي ايجاده ـ كما ورد في احاديث عديده فضلاً عن المضامين القرآنيه ـ هم اصحاب الزّور و الحكام و العلماء. فأصحاب الزور لانهم لا يعطون حق المحرومين و يسرقون زاد معاشهم(3). اما الحكام، فلأنهم لا يأخذون حق المحرومين من الظلمه و يعطون اياهم(4). اما العلماء فلانهم لا يرفعون عقيرتهم بالمطالبه بازاله محروميه المحرومين، و لا يسعون الي قطع يد الظالمين(5).

     ان الدين يريد ان يبني مجتمعاً قائماً بالقسط، و هو ضروره عقليه فضلاً عما ينص عليه القرآن الكريم، و الكثير من الاحاديث و الروايات. و لابد للمجتمع الديني ان يتبع الفقه في جميع حركاته و سكناته خاصه نشاطه الاقتصادي في البيع و الشراء و التحاره، و موضوعات من قبيل الاحتكار و التسعيره و نظير ذلك. فاذا كان المجتمع غير مدرك للمسائل الاقتصاديه الحديثه، لا يتمكن من ابداء رأي صائب في المعاملات. و اذا كان يفتقر الي مثل هذه الآراء الصائبه، فسيسير المجتمع صوب الظلم الاقتصادي، حيث يبقي الباب مفتوحاً امام المنتفعين مصّاصي دماء الشعب. فهل يمكن اعتبار مثل هذا المجتمع قائماً بالقسط؟، و ان لم يكن المجتمع قائماً بالقسط. فكيف يتسني له العمل بأحكام الدين؟ فاذا كان المجتمع عاملاً باحكام الدين، و في الوقت ذاته مليئاً بالظلم، فمن الطبيعي ان يتصور ان هذا الظلم جائز بنظر الدين، و اذا ما حدث ذلك فعلاً، فيكون الدين مظلوماً ايضاً و ينبغي الدفاع عنه.

     اجل، ينبغي للفقه ان يتحل مكانه علي طريق اقامه العدل، و من هنا يقول صاحب «جواهر الكلام»: اذا لم يكن النص كافياً في باب تعميم الاحتكار ـ بصدد بيان مصاديق عصر صدور الفتوي ـ فاننا نعممه من باب «حرمه الظلم»، و هذا هو الحس الفقهي لابد من ازاله الظلم من المجتمع. و ان احتكار السلع التي هي مورد احتياج المجتمع يعتبر ظلماً. و نظراً لأن احتياج المجتمع يعتبر ظلماً. و نظراً لأن النصوص الوارده بخصوص الاحتكار لا تتضمن الحالات جميعها، لذا يتم الافتاء بعدم جواز احتكار ما يحتاجه المجتمع من باب حرمه الظلم(6). بتعبير آخر، المجتهد هو الذي يوجّه مسير المجتمع الديني. و المجتمع الديني يعني المجتمع العامل باحكام الدين. و في عصر الغيبه، ان المجتهد هو الذي يستنبط احكام الدين و يضعها في متناول ايدي الناس. و عليه فهو يقود مسيره المجتمع. و لابد للمجتمع الديني من التحلي بالهاديه القرآنيه حتي يمكن ان يطلق عليه اسم المجتمع الديني و القرآني.

     كيف تتحق الهدايه القرانيه؟ القرآن الكريم يصف نفسه بانه: «هدي للمتقين» .. فمن هو المتقي؟ عندما يرد ذكر المتقي سرعان ما تتبادر الي الاذهان صوره الشخص المسالم البعيد عن النشاط الاجتماعي. و المتفرغ لعبادته و شوونه الخاصه. و لا شك ان هذا نتيجه التعليم الخاطيء. نتيجه اساءه فهم الدين و تعاليمه. اننا حتي و ان لم نقرأ خطبه صفه المتقين في نهج البلاغه، ينبغي ان نعي ان المتقي يعني الذي يعمل بالتكليف. و قد اوضح القران الكريم سبيل الوصول الي التقوي: العداله: «اعدلوا هو اقرب للتقوي». اذن فالمتقي هو الذي ينشد العداله و الساعي علي طريق اقامه العدل و اماته الظلم. هذا هو المتقي القرآني. انسان يعمل دائماً طبقاً للعداله في علاقته مع نفسه و ابناء مجتمعه و في جميع المراحل و المشاغل و المناصب. و عليه فالمتقي هو الجسور في ميدان التكاليف الفرديه و الوظائف الاجتماعيه، و حامل لواء مقارعه انواع الظلم الاقتصادي و الاجتماعي و القضائي، و هو قائد انصار العدل .. ان هذه الفئه من الاشخاص هم الذين يهديهم القرآن، اي يضع اقدامهم علي طريق القيم الساميه. و هنا يتضح ايضاً كلام الامام علي (ع) الفريد، اذ يقول: «العدل حياه الاحكام». فاحكام الدين تحيا اذا ما كانت اهداف الدين حيّه. و ان الاهتمام بأحكام الدين من دون الالتفات الي اهداف الدين، يعد الحاق اكبر ضرر بالدين. بل القضاء علي الدين و لو تدريجياً.

     ماذا يعني العدل؟ لقد وردت تعاريف مختلفه للعدل و العداله في المذاهب الاجتماعيه و الفلسفيه و القانونيه. بيد ان العدل الذي يتحدث عنه القرآن، ينبغي ان نستوضح معالمه من العالم بالقرآن. و من حسن الحظ ان تعريف العدل ورد في الكثير من الاحاديث و المروريات . يقول الامام الصادق (ع): «ان الناس يستغنون اذا عدل بينهم»(7) و يعد هذا البيان في تعريف العدل من المعجزات التعليميه للمعصوم (ع). انظروا الي عمق انسجام نظام التعاليم الدينيه: اعدلوا لكي تحيا الاحكام و يعمل بتعاليم الدين .. فبالعداله يزول الفقر .. الفقر الذي يقود الي الكفر بالتدريج «كاد الفقر ان يكون كفراً». اذن فالعدل عامل بقاء الدين و تدين الناس. و مدعاه الحياء الاحكام: «العدل حياه الاحكام، و لو لا الخبز ما صلّينا».

     اذن، فلابد للمجتهد ـ باعتباره الذائد عن الدين و العامل علي احياء احكام الدين ـ ان تكون جميع آرائه و نظراته و فتاواه علي طريق اقامه العدل و اماته الظلم. و ليس مهماً ان تنقض الفتوي(8)؛ لأن العدل اهم، و الاهم مقدم دائماً علي المهم. و الله تبارك و تعالي يصرح و يشهد العقل، و ينص المنقول و تبرهن التجربه، بأن الاهتمام بأحكام الدين من دون الالتفات الي «اهداف الدين»، يعد اهمالاً لأحكام الدين. فالاحكام تستنبط بصوره سليمه و تجسد المفهوم الالهي، اذا ما اخذت اهداف الدين بنظر الاعتبار، و بالتالي تعمل المعجزات في تحول المجتمع و بناء الفرد الصالح و اقامه النظام العادل.

 

الهوامش

* محاضره للاستاذ السيد محمد رضا الحكيمي.

1)نهج البلاغه. الخطبه الثالثه، ص 50، تنظيم الدكتور صبحي الصالح.

2)انظر حديث علي بن مهزيار الاهوازي في «غايه المرام» للبحراني، ص 779، لتتعرف علي رأي الامام الحجه «عج» بشأن «التكاثر» و ابقاء الضعيف محروماً الي جوار ذلك.

3)راجع الحياه، ج 3، ص 296 و ما بعد. و كذلك ج 4، ص 338 و ما بعد.

4)راجع الحياه، ج 4، ص 341 و ما بعد.

5)نهج البلاغه، من كلام لامير المؤمنين.

6)راجع جواهر الكلام، ج 22، ص 480 ـ 481. و كذلك انظر الحياه، ج 5، ص 439 ـ 440.

7)اصول الكافي، ج 3، ص 568.

8)بل ان الفتوي او النظريه الفقهيه اذا كانت تتعارض مع العدل بنحو ما، فهي توحي الي الاستنباط لم يكن صحيحاً.

 

الوحده العددان 188-189