فاطمه الزهراء عليها السلام و مصلحه الاسلام العليا

الشيخ فؤاد كاظم المقدادي

 

     إن ثاني نماذج السيره الطاهره لأهل البيت عليهم السلام، التي تكشف لنا اللحاظ الامثل لمصلحه الاسلام العليا، هو سيره فاطمه الزهراء عليها السلام بنت رسول الله صلي الله عليه و آله، و زوجه وصيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، التي حكت هذا الاصل بكل وضوح و جلاء في كل مفردات حياتها، و مراحل و اطوار سيرتها المباركه، و قد مهّد رسول الله صلي الله عليه و آله لها الارضيه المناسبه لذلك، من خلال التعريف بمقامها، و بيان موقعها الفريد منه صلي الله عليه و آله، وتوجيه الامه نحوها، و الوصيه بحفظ مكانتها و التصديق بها؛ لأنها الصادقه المحدّثه، خفض الجناح لها، و رعايه شأنها، و وردت روايات كثيره من الفريقين تكشف لنا عن كل ذلك باعلي مستويات الخطاب و درجات البيان، منها:

     عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلي الله عليه و آله: و إنما سماها فاطمه لأن الله فطمها و محبيها عن النار»(1).

     قال رسول الله صلي الله عليه و آله: «فاطمه بضعه مني؛ من سرها فقد سرني، و من ساءها فقد ساءني. فاطمه أعز الناس علي»(2).

     قال رسول الله صلي الله عليه و آله: «أول شخص يدخل الجنه فاطمه»(3).

     كما أن امتثال رسول الله صلي الله عليه و آله لامر الله تعالي في تزويجها من امير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام، جاء ليؤكد المقام الرفيع لها عليها السلام، و الدور الرسالي العظيم الذي ينتظرها إلي جوار علي عليه السلام. ذلك الدور الذيي مثّل بحق تفانياً كاملاً مصلحه الاسلام العليا، و تضحيه و عطاءً لا حد له في سبيل الحفاظ علي تلك المصلحه، و درء الخطر و الانحراف عن رساله أبيها محمد صلي الله عليه و آله.

     و مما جاء في شأن اختيارها زوجه لامير المؤمنين علي عليه السلام ما عن علي عليه السلام قال: «قال رسول الله صلي الله عليه و آله: أتاني ملك فقال: يا محمد، إن الله يقراً عليك السلام و يقول لك: إني قد زوجت فاطمه ابنتك من علي بن أبي طالب في الملأ الاعلي، فزوّجها منه في الارض»(4).

     و قول رسول الله صلي الله عليه و آله: «إن الله أمرني أن ازوج فاطمه من علي»(5).

     و عن امير المؤمنين عليه السلام قال: «إن رسول الله صلي الله عليه و آله قال: يا علي، إن الله أمرني أن اتخذك صهراً»(6).

     و قال الرسول الكريم صلي الله عليه و آله: «إنما فاطمه بضعه مني، يؤذيني من آذاها، و ينصبني ما أنصبها»(7).

     و قوله صلي الله عليه و آله: «فاطمه بضعه مني، فمن أغضبها أغضبني»(8).

     و قوله صلي الله عليه و آله: «يا علي، إن فاطمه بضعه مني، و هي نور عيني و ثمره فؤادي، يسوؤني ما ساءها، و يسرني ما سرها، و إنها أوّل من يلحقني من اهل بيتي فأحسن إليها بعدي»(9).

     وروي عن عائشه أن النبي صلي الله عليه و آله قال ـ و هو في مرضه الذي توفي فيه ـ: «يا فاطمه، ألا ترضين أن تكوني سيده نساء العالمين، و سيده نساء هذه الأمه، و سيده نساء المؤمنين؟»(10).

     و عن يونس بن ظبيان قال: «قال أبو عبدالله عليه السلام: لفاطمه عليها السلام تسعه اسماء عند الله عز و جل: فاطمه، و الصديقه، و المباركه، و الطاهره، و الزكيه، الراضيه، و المرضيه، و المحدّثه، و الزهراء. ثم قال عليه السلام: أتدري أي شيء تفسير فاطمه؟ قلت: أخبرني يا سيدي. قال: فطمت من الشر. قال: ثم قال: لولا أن أمير المؤمنين عليه السلام تزوّجها لما كان كفو إلي يوم القيامه علي وجه الارض آدم فمن دونه»(11).

     و هي التي لعظمتها و مقامها الفريد لقّبها رسول الله صلي الله عليه و آله بسيده نساء العالمين، فقد روي أن النبي صلي الله عليه و آله عاد فاطمه عليها السلام و هي مريضه، فقال لها: «كيف تجدينك يا بنيه؟» قالت: «إني لوجعه، و إنه ليزيدني أني مالي طعام آكله». قال: «يا بنيه، أما ترضين أنك سيده نساء العالمين؟»(12).

     و من النماذج التي ينقلها لنا التاريخ و أصحاب السيره عن تفانيها سلام الله عليها في حفظ مصلحه الاسلام العليا، و تحمل كل المصائب و المحن و الظلم في سبيل ذلك ما يلي:

     أ ـ أنها كانت في المقدمه فيمن يواسي أباها و يشاركه في الشدّه و المحن، و تضميد جراحاته في الحروب و جراحات المؤمنين المقاتلين تحت لوائه؛ ففي معركه أحد ـ و قد كانت تسند المسلمين و تضمد جراحات المقاتلين ـ شاهدت أباها و قد جرح و كسرت رباعيته، و خذله المنافقون، و شاهدت أيضاً عمّ ابيها حمزه شهيداً مع نخبه من المؤمنين علي أرض المعركه، فأتت أباها و هي تبكي علي عمها، و تحاول تضميد جرح رسول الله صلي الله عليه و آله   و قطع الدم الذي كان ينزف من جسده الشريف الطاهر، فكان زوجها علي عليه السلام يصب الماء علي جرح رسول الله صلي الله عليه و آله و هي تغسله، و لما يئست من انقطاع الدم أخذت قطعه صوف فأحرقتها، حتي صارت رماداً، فذرّته علي الجرح حتي انقطع دمه.

     و يقول الواقدي و هو يتحدّث عن رجوع النبي صلي الله عليه و آله من معركه احد: «و كنّ جئن اربع عشره امرأه، منهن فاطمه رسول الله صلي الله عليه و آله، يحملن الطعام والشراب علي ظهورهن، يسقين الجرحي و يداوينهم»(13).

     ب ـ كان كل همّ الزهراء عليها السلام بعد وفاه ابيها هو اسناد امير المؤمنين و الذّب عنه، و إعانته علي تجاوز المحن و رد المؤامرات و الفتن التي يثيرها تجاههم القوم من اعدائهم، و هو دور لابّد لها منه؛ لمعرفتها أن رسول الله صلي الله عليه و آله قد اوصي امير المؤمنين بأن مصلحه الاسلام العليا بعد وفاته تكمن في حقن دماء المسلمين، و وقايتهم من عوامل الرده عن الاسلام، حتي و إن غصب حقه الالهي في الخلافه؛ لأن اكثريتهم حديثو عهد به، فقد جاء عن اميرالمؤمنين عليه السلام أنه قال: «إن رسول الله صلي الله عليه و آله أو عز إلي قبل وفاته و قال لي: يا أبا الحسن، إنّ الامه ستغدر بك من بعدي، و تنقض فيك عهدي، و إنك مني بمنزله هارون من موسي، و إن الامه من بعدي كهارون و من اتبعه و السامري و من اتبعه، فقلت: يا رسول الله، فما تعهد إلي إذا كان ذلك؟ فقال: إذا وجدت اعواناً فبادر إليهم و جاهدهم، و إن لم تجد اعواناً فكف يدك و احقن دمك حتي تلحق بي مظلوماً.

     فلما توفي رسول الله صلي الله عليه و آله اشتغلت بغسله و تكفينه و الفراغ من شأنه، ثم آليت علي نفسي يميناً أرتدي برداء إلاّ للصلاه حتي أجمع القرآن، ففعلت ثم اخذت بيد فاطمه و ابنّي الحسن و الحسين فدرت علي أهل بدر و أهل السابقه، فناشدتهم حقي و دعوتهم إلي نصرتي، فما أجابني منهم إلاّ أربعه رهط: سلمان، و عمار، و أبوذر، و المقداد، و لقد راودت في ذلك بقيه أهل بيتي، فأبوا علي إلاّ السكوت، لما علموا من و غاره صدور القوم و بغضهم لله و رسله و لأهل بيت نبيه»(14).

     وروي أن عليّاً عليه السلام «لما رأي خذلان الناس له و تركهم نصرته لزم بيته و أقبل علي القرآن يؤلّفه و يجمعه، فلم يخرج حتي جمعه كلّه، فكتبه علي تنزيله و الناسخ و المنسوخ، فبعث إليه أبوبكر أن اخرج فبايع، فبعث إليه إني مشغول، فقد آليت بيمين ألاّ ارتدي برداء إلاّ للصلاه حتي أؤلّف القرآن و أجمعه، فجمعه في ثوب و ختمه ثم خرج إلي الناس، و هم مجتمعون مع ابي بكر في مسجد الرسول صلي الله عليه و آله  فنادي عليه السلام بأعلي صوته: أيها الناس، إني لم ازل منذ قبض رسول الله صلي الله عليه و آله مشغولاً بغسله ثم بالقرآن حتي جمعته كله في هذا الثوب، فلم ينزل الله علي نبيه آيه من القرآن إلاّ و قد جمعتها كلّها في هذا الثوب، ليست منه آية إلاّ و قد اقرأنيها رسول الله صلي الله عليه و آله و علمني تأويلها، فقالوا: لا حاجة لنا به. عندنا مثله.

     ثم حتي دخل بيته فقال عمر لأبي بكر: أرسل إلي علي فليبايع، فإنّا لسنا في شيء حتي يبايع، و لو قد بايع أمنّاه و عائلته، فأرسل أبوبكر رسولاً أن أجب خليفه رسول الله صلي الله عليه و آله، فأتاه الرسول فأخبره بذلك، فقال علي عليه السلام: ما اسرع ما كذبتم علي رسول الله صلي الله عليه و آله! إنه ليعلم ويعلم الذين حوله أنّ الله و رسوله لم يستخلفا غيري، فذهب الرسول فأخبره بما قاله فقال: اذهب فقل أجب أمير المؤمنين أبابكر، فأتاه فأخبره بذلك، فقال علي عليه السلام: سبحان الله! و الله ما طال العهد بالنبي منّي، و إنه ليعلم أنّ هذا الاسم لايصلح إلاّ لي، و قد أمره رسول الله صلي الله عليه و آله سابع سبعة فسلّموا علي بإمره المؤمنين، فاستفهمه هو و صاحبه عمر من بين السبعه فقالاً: أمر من الله و رسوله؟ فقال لهما رسول الله صلي الله عليه و آله: نعم حقّاً من الله و رسوله إنه امير المومنين و سيد المسلمين و صاحب لواء الغرّ المحجلين، يعقده الله يوم القيامه علي الصراط فيدخل اولياءه الجنه واعداءه النار.

     قال: فانطلق الرسول إلي أبي بكر فأخبره بما قال، فكفّوا عنه يومئذ.

     ثم ارسلا إليه بعد ذلك قنفذاً ـ و كان رجلاً فظّاً غليظاً جافياً من الطلقاء احد بني تيم ـ و ارسلا معه اعواناً، فانطلق فاستأذن فأبي علي عليه السلام أن يأذن له، فرجع اصحاب قنفذ إلي أبي بكر و عمر و هما في المسجد و الناس حولهما فقالوا: لم يأذن لنا، فقال عمر: هو إن أذن لكم، و إلاّ فادخلوا عليه بغير إذنه.

     فانطلقوا فاستأذنوا فقالت فاطمه عليها السلام: احرّج عليكم أن تدخلوا بيتي بغير اذن، فرجعوا و ثبت قنفذ فقالوا: إنّ فاطمه قالت كذا و كذا فحرّجتنا أن ندخل عليها البيت بغير إذن منها، فغضب عمر و قال: ما لنا و للنساء؟ ثم أمر أناساً حوله فحملوا حطباً و حمل معهم فجعلوه حول منزله، و فيه علي و فاطمه وابناهما عليهم السلام، ثم نادي عمر حتي أسمع عليّاً عليه السلام: والله لتخرجن و لتبايعن خليفه رسول الله، أو لأضرمنّ عليك بيتك ناراً، ثم رجع فقعد إلي أبي بكر و هو يخاف أن يخرج عليّ بسيفه لما قد عرف من بأسه و شدّته، ثم قال لقنفذ: إن خرج و إلاّ فاقتحم عليه، فإن امتنع فأضرم عليهم بيتهم ناراً.

     فانطلق قنفذ فاقتحم هو واصحابه بغير إذن  و حالت فاطمه عليها السلام بين زوجها و بينهم عند باب البيت، فضربها قنفذ بالسوط علي عضدها، فبقي أثره في عضدها من ذلك مثل الدملوج من ضرب قنفذ إياها   ثم الجأها إلي عضاده بيتها، فدفعها فكسر ضلعاً من جنبها و ألقت جنيناً من بطنها  »(15).

     وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: «لماّ استخرج امير المؤمنين عليه السلام من منزله خرجت فاطمه صلوات الله عليها خلفه، فما بقيت امرأه هاشميه إلاّ خرجت معها حتي انتهت قريباً من العتبه فقالت لهم: خلّوا عن ابن عمّي، فو الذي بعث محمداً أبي صلي الله عليه و آله بالحق إن لم تخلّوا عنه  لأضعنّ قميص رسول الله صلي الله عليه و آله علي رأسي و لأصرخنّ إلي الله تبارك و تعالي، فما صالح بأكرم علي الله من أبي، و لا الناقه بأكرم منّي، و لا الفصيل بأكرم علي الله من ولديّ».(16)

     ج ـ عندما وجدت الزهراء عليها السلام أن وصيه رسول الله صلي الله عليه و آله بالولايه و الخلافه لعلي عليه السلام من بعده قد نقضت، وانقلب القوم علي اعقابهم وارتدوا عنها، انطلقت من مبدأ المصلحه الاسلاميه العليا وانبرت لأداء دورها الرسالي في هذا السبيل، موطّنه نفسها علي كل المحن و المصائب والظلم التي ستحلّ بها؛ فاستثمرت مسأله غصب فدك، و هي نحله أبيها إليها، لتكون مدخلاً و طريقاً لإظهار الحقائق و تمييز الحق عن الباطل للأمه و الأجيال اللاحقه، و إلقاءً للحجه التامه علي القوم. و كان لهذا الأسلوب الإيجابي في المواجهه أثره البليغ في توجيه وعي الأمه، لتدرك الحق و تعلم من أهدره. قد ظلّ هذا الدور حيّاً في ضمير الأمه و وجدانها، بالرغم من عدم تسنّم امير المؤمنين عليه السلام الخلافه، و عدم استرداد الزهراء حقّها في فدك آنذاك، و بقي ذلك علامه صارخه معبّره عن مدي الظلم الذي لحق بأهل بيت رسول الله صلي الله عليه و آله، و الانحراف الذي وقع بعده. و لم يستطع اعداء اهل البيت عليهم السلام، و علي رأسهم بني أميه، محو هذا الدور الرسالي الرائد للزهراء عليها السلام من صفحات التاريخ و مرويات رجاله، حتي لقد طفحت بها كتب أهل السنه كما طفحت بها كتب الشيعه.

     و لنتصفح بعض مفردات ما ورد في بيان هذا الدور الفريد للزهراء عليها السلام، فقد ذكر المؤرخون أن فدك قريه من قري الحجاز، بينها و بين المدينه مسيره يومين أو ثلاثه أيام علي ابعد التقادير، و تقع إلي جوار خيبر التي كانت من اكبر القري اليهوديه و أمنعها حصوناً، و بعد أن تغلب المسلمون علي خيبر، بعد تلك المعارك الضاريه بينهم و بين يهودها، و استولي عليها المسلمون، تركهم النبي صلي الله عليه و آله يعملون في الارض بنصف ناتجها و النصف الآخر للفاتحين، و لما انتهي النبي منها ضاق الأمر بسكان فدك، و أيقنوا أن النبي سوف يتجه إليهم، فاستولي عليهم الخوف وارسلوا إليه أنهم علي استعداد لأن يسلموه الأرض و جميع ما يملكون، علي أن يتركهم يعملون فيها بنصف الناتج كما صنع مع يهود خيبر، فوافق علي ذلك فصالحهم علي نصف ناتجها، و بذلك كانت خيبر ملكاً للمسلمين؛ لأنهم استولوا عليها بالحرب، و فدك ملكاً للنبي صلي الله عليه و آله؛ لأنه لم يوجف عليها بخيل أو ركاب، و قد وهبها النبي صلي الله عليه و آله لفاطمه الزهراء، و تركتها في يد النبي يتصرف بناتجها كما تريد، و تأخذ منه ما يكفيها و ولدها، كما تجمع علي ذلك المصادر الشيعيه و بعض المصادر السنيه.

     عن عماد بن عثمان عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «لما بويع أبوبكر و استقام له الامر علي جميع المهاجرين و الانصار، بعث إلي فدك من أخرج وكيل فاطمه عليها السلام بنت رسول الله منها، فجاءت فاطمه الزهراء عليها السلام إلي أبي بكر ثم قالت: لم تمنعني ميراثي من أبي رسول الله صلي الله عليه و آله، و اخرجت وكيلي من فدك و قد جعلها لي رسول الله صلي الله عليه و آله بأمر الله تعالي؟

     فقال: هاتي علي ذلك بشهود، فجاءت بأم أيمن، فقالت له أم أيمن: لا أشهد يا أبابكر حتي احتج عليك بما قال رسول الله صلي الله عليه و آله، انشدك بالله ألست تعلم أن رسول الله صلي الله عليه و آله قال: أم أيمن أمرأه من أهل الجنه؟ فقال: بلي، قالت: فأشهد أن الله عز و جل أوحي إلي رسول الله صلي الله عليه و آله: «و آت ذا القربي حقه» فجعل فدكاً طعمه بأمر الله، فجاء علي عليه السلام فشهد بمثل ذلك، فكتب لها كتاباً و دفعه إليها، فدخل عمر فقال: ما هذا الكتاب؟ فقال: إن فاطمه عليها السلام ادّعت في فدك، و شهدت لها أم أيمن و علي عليه السلام، فكتبته لها، فأخذ عمر الكتاب من فاطمه فتفل فيه و مزّقه فخرجت فاطمه عليها السلام تبكي  »(17).

     و جاء في الدر المنثور للسيوطي عن البزاز و أبي يعلي و ابن حاتم و ابن مردويه عن سعيد الخدري أنه قال: «لما نزلت الآيه: «و آت ذا القربي حقه» دعا رسول الله فاطمة الزهراء و اعطاها فدكاً» كما روي ذلك جماعه عن ابن عباس و غيره.

     كما جاء في شرح النهج عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلي الله عليه و آله بعد أن استولي علي فدك، وهبها لفاطمه و ظلت في يدها إلي أن توفي، و بعد وفاته انتزعها أبوبكر و ضمها إلي اموال المسلمين(18).

     و جاء أيضاً أن فاطمه عليها السلام لما انصرفت من عند أبي بكر، أقبلت علي امير المؤمنين عليه السلام فقالت له: «يابن أبي طالب، اشتملت شمله الجنين، و قعدت حجره الظنين، نقضت قادمه الأجدل، فخانك ريش الأعزل (أضرعت خدك يوم اضعت حدك، افترست الذئاب و افترشت التراب، ما كففت قائلا، و لا أغنيت باطلاً) هذا ابن أبي قحافه يبتزّني نحيله أبي، و بليغه ابني! و الله لقد أجهر في خصامي و ألفيته ألدّ في كلامي، حتي منعتني القيله نصرها و المهاجره وصلها، و غضّت الجماعه دوني طرفها، فلا دافع و لا مانع. خرجت كاظمه، وعدت راغمه، و لا خيار لي. ليتني متّ قبل هنيئتي، و دون ذلّتي، عذيري الله منه عادياً، و منك حامياً، ويلاي في كل شارق! ويلاي في كل غارب! مات العمد، و وهن العضد، شكواي إلي أبي، و عدواي إلي ربي. اللهم انك أشد منهم قوه و حولاً.

     فأجابها أمير المؤمنين: لا ويل لك، بل الويل لشانئك، نهنهي عن وجدك يا ابنه الصفوه، و بقيه النبوه، فما دنيت عن ديني، و لا اخطأت مقدوري، فإن كنت تريدين البلغه، فرزقك مضمون، و كفيلك مأمون. ما اعدّ لك خير ممّا قطع عنك، فاحتسبي الله. فقالت: حسبي الله و نعم الوكيل»(19).

     و عندما وجدت الزهراء عليها السلام أن الاجواء قد تهيأت، و المقدمات قد حصلت، قامت بدورها الاساسي الذي خططت له ببراعه في بيان الحقائق بالحجه الدامغه، و إظهار الحق الالهي لعلي عليه السلام بالخلافه و غصب القوم له ظالماً و جوراً؛ فقد جاء في الروايات و كتب التاريخ الموثوقه أن الزهراء عليها السلام لمّا رأت اصرارهم علي موقفهم، ارادت أن تعلن رأيها و ظلامتها علي اكبر جمهور من المسلمين، حتي لاتترك عذراً، واستغلت اجتماع المسلمين في مسجد ابيها في يوم من ايام الجمعه، فلاثت خمارها و أقبلت في لمّه من حفدتها و نساء قومها، حتي دخلت علي أبي بكر وعنده حشد كبير من المهاجرين و الانصار في المسجد، و قيل في بيته كما جاء في روايه أخري، و قد وصف حفيدها عبدالله بن الحسين بن الحسن السبط موقفها هذا فقال: «لما دخلت عليهم ضرب أبوبكر بينهم و بينها ربطه بيضاء أو قبطيه، ثم أنّت أنّه أجهش لها القوم بالبكاء، فأمهلتهم طويلاً حتي سكتوا، ثم قالت: ابتدئ بحمد من هو أولي بالحمد و الطول و المجد. الحمدلله علي ما أنعم به، و له الشكر بما الهم» و مضت تعدد نعم الله علي عباده و مواقف ابيها و تضحياته في سبيل الدعوه، حتي انقذهم من الضلال و عباده الأوثان و الاصنام، ثم توجهت إلي ذلك الحشد و قالت: «أنتم عباد الله نصب أمره و نهيه، و حمله دينه و وحيه، و امناء الله علي انفسكم، و بلغاؤه إلي الأمم، و زعيم حق له فيكم، و عهد قدمه إليكم، و بقيه استخلفها عليكم، كتاب الله الناطق، و القرآن الصادق، و النور الساطع، و الضياء اللامع، بيّنه بصائره منكشفه سرائره، متجليه ظواهره، قائد إلي الرضوان اتباعه، مؤدًّ إلي النجاه استماعه، به تنال حجج الله المنوره، و عزائمه المفسره، و محارمه المحذره، و بيّناته الجاليه» و مضت في خطبتها تقول: «لقد جعل الله الايمان تطهيراً لكم من الشرك، و الصلاه تنزيهاً لكم من الكبر، و الزكاه تزكيه للنفس و نماءً في الرزق. و الصيام تثبيتاً للاخلاص، و الحج تشييداً للدين» و ظلّت تتحدث عن الفوائد التي يجنيها المسلم من فروع الاسلام و اصوله، حتي خلصت إلي القول: «لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه عنتّم حريص عليكم بالمومنين رؤوف رحيم» فإن تعزوه و تعرفوه تجدوه أبي دون نسائكم، و أخا ابن عمي دون رجالكم، و لنعم المعزي  (*) إليه، فبلغ الرساله صادعاً بالنذاره، مائلاً عن مدرجه المشركين، ضارباً ثبجهم، آخذاً بأكظامهم، داعياً إلي سبيل ربه بالحكمه و الموعظه الحسنه، يكسر الاصنام، و ينكث الهام، حتي انهزم الجمع و ولّوا الدبر، و تفرّي الليل عن صبحه، و أسفر الحق عن محضه، و نطق زعيم الدين، و خرست شقاشق الشياطين، و طاح وشيظ النفاق، وانحلت عقده الكفر و الشقاق، و فهتم بكلمه الاخلاص، و كنتم علي شفا حفره من النار مذقه الشارب، و نهزه الطامع، و قبسه العجلان، موطئ الاقدام، تشربون الطرق، و تقتاتون القد، أذلّه خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله بأبي محمد بعد اللتيا و التي، و بعد أن مني ببهم الرجال، و ذؤبان العرب، و مرده أهل الكتاب كلما اوقدوا ناراً للحرب اطفأها الله، أو نجم قرن للشيطان، و فغرت فاغره من المشركين قذف أخاه في لهواتها، فلاينكفئ حتي يطأ جناحها بأخمصه، و يخمد لهبها بسيفه، مكدوداً في ذات الله، مجتهداً في أمر الله، قريباً من رسول الله سيد أولياء الله، مشمراً ناصحاً مجدّاً كادحاً لاتأخذه في الله لومه لائم، و أنتم في رفاهيه من العيش وادعون فاكهون، تتربصون بنا الدوائر، و تتوكفون الاخبار، و تنكصون عند النزال، و تفرون عند القتال. فلما اختار الله لنبيه دار انبيائه و مأوي اصفيائه، ظهرت فيكم حسكه النفاق، و سمل جلباب الدين، و نطق كاظم الغاوين، و نبغ خامل الأقلّين و هدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، و اطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفاً بكم، فألفاكم بدعوته مستجيبين، و للعزه فيه ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم حفافاً و أحمشكم فألفاكم غضاباً. فوسمتم غير إبلكم، و أوردتم غير مشربكم، هذا و العهد قريب، و الكلم رحيب، و الجرح لمّا يندمل، والرسول لمّا يقبر، ابتداراً زعمتم خوف الفتنه «ألا في الفتنه سقطوا و إن جهنم لمحيطه بالكافرين» فهيهات منكم، و كيف بكم، و أنّي تؤفكون؟ و كتاب الله بين أظهركم، اموره ظاهره، و احكامه زاهره، و أعلامه باهره، و زواجره لايحه، و اوامره واضحه، و قد خلفتموه وراء ظهوركم. أرغبه عنه تريدون؟ أم بغيره تحكمون،؟ بئس للظالمين بدلاً «و من يتبع غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه و هو في الآخره من الخاسرين» ثم لم تلبثوا إلاّ ريث أن تسكن نفرتها، و يسلس قيادها، ثم اخذتم تورون وقدتها، و تهيجون جمرتها، و تستجيبون لهتاف الشيطان الغوي، واطفاء أنوار الدين الجلي، و اهمال سنن النبي الصفي، تشربون حسواً في ارتغاء، و تمشون لأهله و ولده في الخمره و الضراء، و يصير منكم علي مثل حز المدي، و وخز السنان في الحشا، و أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا «أفحكم الجاهليه يبغون و من أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون» أفلا تعلمون؟ بل قد تجلّي لكم كالشمس الضاحيه أني ابنته».

     ثم التفتت إلي أبي بكر و قالت: «أأغلب علي إرثي يابن أبي قحافه؟ أفي كتاب الله ترث أباك و لا أرث أبي؟ لقد جئت شيئاً فرياً! أفعلي عمد تركتم كتاب الله و نبذتموه وارء ظهوركم؟ إذا يقول: «و ورث سليمان داود»(20) و قال فيما اقتص من خبر يحيي بن زكريا  إذ قال: «فهب لي من لدنك ولياً يرثني و يرث من آل يعقوب»(21) و قال: «و أولو الأرحام بعضهم أولي ببعض في كتاب الله»(22) و قال: «يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين»(23) و قال «إن ترك خيراً الوصيه للوالدين و الأقربين بالمعروف حقاً علي المتقين»(24) و زعمتم أن لا حظوه لي و لا إرث من أبي و لا رحم بيننا، أفخصكم الله بآيه اخرج أبي منها؟ أم هل تقولون: إنّ أهل ملّتين لايتوارثان؟ أولست أنا و أبي من أهل ملّه واحده؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن و عمومه من أبي و ابن عمي؟ فدونكها مخطومه  مرحوله تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، و الزعيم محمّد، و الموعد القيامه، و عند الساعه يخسر المبطلون، و لاينفعكم إذ تندمون، و لكل نبأ مستقر و سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه و يحل عليه عذاب مقيم».

     و لم ير الناس اكثر باكٍ و لا باكيه منهم يومئذٍ. ثم رمت بطرفها نحو الأنصار فقالت: «يا معشر ال&