الفقه و القانون الدولي

ناصر قربان نيا

 

توطئه

     يتبين من خلال نظره فاحصه إلي الفقه: أنه عباره عن مجموعه ‌من القواعد الناظره إلي كافه جوانب الحياه العمليه بشقيها المادي و المعنوي. و علي هذا الأساس، فإن القواعد المتصله‌ بتحديد سلوك الدول في حالات الحرب و السلم و الحياه‌ تشكل جزءاً من الفقه؛ لأن الفقه لإسلامي برمته، يتعهد بتوجيه سلوك المسلمين، و كذلك يعد سلوك الحاكم الإسلامي في العلاقات الدوليه جزءاً من الفقه أيضاً. و إن للجانب  الاجتماعي في الإسلام خصوصيه بارزه فيه، و هذا ما حوله إلي دين عملي له نظامه القانوني ذو الصبغه الإنسانيه، و قد أعطي الترابط بين الأحكام و الضوابط الفقهيه من جهه، و بين المعايير و الأحكام الأخلاقيه من جهه أخري، القانون الإسلامي نظاماً أصيلاً و مستقلاً. و يسعي هذا المقال قدر المستطاع إلي إلقاء الضوء علي موضوع الفقه و القانون  الدولي، الأمر الذي يتصف بأهميه بالغه.

     إن الفقه الإسلامي تراث قيم للحضاره الإسلاميه يتولي بيان أحكام جميع الأمور المتصله بالمسلم سواء كان في مجال علاقته مع الله، أم مع نفسه، أم مع  سائر بني نوعه؛ لأن موضوع علم الفقه هو «أفعال المكلفين». و علي هذا الأساس فالفقه هو مجموعه الأحكام و القواعد المشرعه‌ في الإسلام التي تنظم علاقه المسلم بربه و بأفراد المجتمع الذي يعيش فيه، و كذا علي علاقه مجتمعه بالمجتمعات و الدول الاخري1. فمجال الفقه واسع جداً يشتمل علي الجوانب العباديه (علاقه الإنسان بربه)، و المعاملات (علاقه الناس فيما بينهم)، و القوانين الجزائيه، و أحكام القضاء و المحاكمات، و القوانين التي تنظيم علاقه الحاكم بالمواطن، و الأحكام و الضوابط الدوليه في حالتي السلم و الحرب.

     و نحن لا ندعي أن الفقه الإسلامي يشتمل علي كل ما يحتاجه المجتمع المعاصر و أنه لا يخلو من النقص، و إن كان يتصف بالغني الكامل في بعض الحقول. و يوجد بين الكتب الفقهيه نماذج من المؤلفات تعتبر عملاً جباراً في عصرها، فمثلاً: في حقل العقود، المشكله ضئيله باعتبار أن الناس، قد توصلوا إلي أهميه الوفاء بالعقود، و بادروا إلي صياغه القواعد المتصله بها، إلا أننا عندما نصل إلي البحث عن حدود حاكميه الإراده عندما يكون الطرف الآخر للعقود دوله و مؤسسات عامه، أو فيما إذا كان طرف العقد مع الدوله الإسلاميه دوله غير إسلاميه، عندها ينفتح باب الإشكال.

     و من الواضح، أن الفقه مجموعه من قواعد الحياه في المجتمع، و لا يمكن له أن يغض الطرف عن حاجاتها و ضرورياتها، و العالم المعاصر يتقدم نحو مزيد من التواصل، و بدأت العلاقات تتسع [بين الدول و الشعوب]؛ بحيث يتحول العالم إلي قريه عالميه. و إن هذا التقارب و التواصل أديا إلي بناء مؤسسه تستلهم ضوابطها من أخلاق عالميه و قواعد يحترمها الجميع، و يعتبرونها من لوازم الحفاظ علي مصالح الإنسانيه و الحضاره. و قد أدي ذلك إلي ترغيب الدول بعقد اتفاقيات خاصه فيما بينها، و صار الرجوع إلي المحاكم الدوليه لحل النزاعات سلمياً واجباً علي الدول و الحكومات، و اتخذ الدفاع عن حقوق الإنسان منحي أكثر جديه. و لا يمكن أن نستعرض في هذال المقال جميع مسائل القانون الدولي و بيان حكمها الفقهي، بل نقتصر علي بيان بعض المؤسسات الفقهيه الدوليه، و بيان مدي تكيفها مع القوانين الدوليه الحديثه.

     و علي هذا الأساس، سوف نسعي إلي بيان خصوص الأفكار الفقهيه الإسلاميه المتفقه مع القوانين الدوليه الحديثه، و نسعي أيضاً إلي توضيح أن الفقه الإسلامي لا يخالف القواعد الدوليه المبنيه علي الوحده الإنسانيه، لو تمت مراجعته من جديد. بل يستطيع الفقه الإسلامي أن يتكيف مع المعايير و المواثيق الدوليه باستثناء موارد قليله. كما أنه يجب القول: إن الإسلام له دور أساسي و مشكور في إعطاء الصبغه الإنسانيه للعلاقات الدوليه، و هو يملك تراثاً قيماً من القواعد و الأسس المبنيه علي الحكمه، و العدل، و الرأفه، و العقلانيه.

     إن المعاهدات الدوليه و مدي اعتبارها و قدسيتها، و الالتزام بها، و المسؤوليه العالميه للدول، لاسيما في قبال نقض حقوق الإنسان، و صلاحيه المحاكم و الأحكام الجزائيه للدول، و استرداد المجرمين، و قوانين الحرب، و الدفاع المشروع، و حق المقابله بالمثل، و التداخل لصلاح الإنسانيه، و القضايا الديبلوماسيه، و العلاقات الديبلوماسيه، و حصانه السفراء، و الجنسيه و كيفيه الحصول عليها، و حقوق الأجانب، و منح حق الإقامه لهم، و القضاء و الحكم الدوليين و الحياد، و حق اللجوء، و الاستثمان، و حسن الضيافه، و حسن المعامله للأجانب، كل هذه المسائل، اهتم بها بعض الفقهاء و إن لم يتعرضوا لها بشكل تفصيلي، و هناك مسائل لم يتعرض إلي حكمها الفقهي، إلا أنه يمكن استنباط حكمها من المصادر الفقهيه.

 

اساس القانون الدولي

     نحن نعتقد أن اهم الاسس التي يجب أن تعتمد عليها القوانين بشكل عام، و القانون الدولي بشكل خاص، هو العدل، و إن القوانين- في تعريف عام لها- ليست أحكاماً إلزاميه لتامين العداله و النظام العام فحسب، بل أساس القوانين هو العدل أيضاً.

     و إن من اهم صفات القوانين كونها ملزمه، و هذا يولد السؤال التالي: ما هو مصدر الالزام في القوانين؟ و لماذا يجب علي الإنسان أن يلتزم ببعض القوانين في سلوكه؟ و لماذا يلزم علي الدول أن تراعي بعض الضوابط في علاقاتها باقي الدول بحسب القانون الدولي؟

     إن الوضعيين [أي اتباع المدرسه الشكيله في القانون] يعتبرون الإراده الصائبه أساساً لتكوين القانون في المجتمع، و بما أن القانون الدولي لايوجد فيه حاكم أو إراده عليا، فالإراده الجماعيه و اتفاق الدول هما اللذان يؤديان هذا الدور.

     أما الموضوعيون (Objectivists) أو أصحاب الاتجاه الطبيعي و الفطري في  القانون. و الذي يعد أقدم المدارس القانونيه. فيعتقدون أن نظام القانون الفطري هو أفضل الأنظمه القانونيه في توفير السعاده للشعب الواحد، بل للشعوب المختلفه. و يتم صياغه القانون الطبيعي بالرجوع إلي الفطره و السنن الإلهيه التي تحكم الحياه، و يجري كشف قواعده و تطبيقها من قبل الشعوب و الحكومات. فالقانون الطبيعي ينشأ من الفطره، و تتصف قواعده بالشموليه و الثبات. و يحسب أتباع القانون الطبيعي، فإن الإراده التي تحكم وضع القوانين لابد أن تخضع للضرورات و المعايير و القيم الموجوده في الحياه و المستقله عن إراده الإنسان و رغباته. و بعباره موجزه، فإن الوضعيين يعتبرون الإراده الحاكمه أساساً للقانون، فيما بعد الموضوعيون و أتباع القانون الفطري العداله أساساً للقانون.

     و أما السؤال عن مبني و مرجعيه القانون (الفقه) الإسلامي؟ فقد يجاب عنه بأن إراده الله هي الأساس، و هذه الإجابه صحيحه، إلا أن الأصح أن يقال: إن أساس القانون (في الإسلام) هو العدل و القواعد الفطريه التي لا يمكن أن نحيل كشفها إلي العقل وحده، بل نتوقع من الشرع، انطلاقاً من الاعتقاد بالوحي و النبوه، أن يشرع لنا القانون وفقاً للعداله. و إن الأساس الوحيد المطلق، الذي يمكن الالتزام به دون أي قيد هو العدل الذي يمثل القاعده في كل العلاقات التي تحكم بين الناس، باعتبار أن الظلم و الطغيان أساس تحطيم الحضارات و زوال الحكومات و تلاشي الأنظمه.

     و القرآن الكريم يعد إقامه القسط و العدل أحد الأهداف لإنزال الكتب السماويه قائلاً: (لقد أرسلنا بالبينات و أنزلنا معهم الكتاب و الميزان ليقوم الناس بالقسط  )2. و إذا عددنا العدل أساساً للقانون الإسلامي، فإننا نعمم سريانه علي الأشخاص الحقيقيين و الحقوقيين و علي العلاقات بين الدول. و بالإضافه إلي القرآن الكريم، فإن هناك جمله من الروايات الوارده عن النبي (ص) و الإمام علي بن أبي طالب (ع) تؤكد علي العدل كاساس و معيار في الأحكام مثل: «العدل ميزان الله» و «العدل ملاك»، و «العدل أساس الحكم»3.

     مسأله حقوق الإنسان واحده من المسائل ذات العلاقه الوطيده بقضيه العداله، و العدل يقتضي رعايه جميع الأبعاد المتصله بحقوق الإنسان. و علي هذا الأساس، فإن عددنا العدل أساساً للتشريع في الإسلام، فمن المؤكد القبول باهتمام و مراعاه القانون الإسلامي لحقوق الإنسان؛ لأنه من دون ذلك لا يكون العدل أساساً و هدفاً للقانون. و من الواضح وجود الاختلاف بين المدرسه القانونيه الإسلاميه و باقي المدارس التي تؤكد علي العدل كاساس للتشريع، نظرياً و عملياً، و ذلك حول النظره إلي العدل و معاييره، و كيفيه نشوء الحق للأفراد في الحياه الاجتماعيه. و بعباره أخري، رغم كون أصل العدل أمراً ذا أهميه في العديد من المدارس القانونيه و كونه أيضاً أساساً و هدفاً للتشريع و العلاقات الاجتماعيه، إلا أن الاختلاف قائم بين القانونيين منذ القدم، بل هو قائم أيضاً بين المفكرين المسلمين في تفسير العدل و مصادر الحق في المجتمعات الإنسانيه.

     و من الضروري أن نؤكد أن عدم الاهتمام بأصل الدين يعد منقصه للفقه. يقول الشهيد مطهري (رض)، و هو من الفقهاء الذين اهتموا بموضوع العدل بشكل اساسي: «إن أصل العدل الاجتماعي، مع ماله من أهميه، قد أغفل في فقهنا، و ذلك رغم وجود الآيات القرآنيه مثل: (و بالوالدين إحساناً) و (أوفوا بالعقود)، و رغم تأكيد القرآن الكريم علي قضيه العداله الاجتماعيه، رغم كل ذلك لم يتم استنباط قاعده واحده أو أصل عام واحد في هذا الخصوص، و هذا ما أدي إلي الجمود علي المستوي الاجتماعي لفقهائنا»4.

     و كذلك الإمام الخميني (قده) اهتم بالعدل و عده معياراً و ميزاناً، يقول في ذلك: «إن تطبيق القوانين علي أساس القسط و العدل، و منع  الظلم و الحكم الجائر، و نشر العدل علي الصعيدين الفردي و الاجتماعي، و المنع من الفساد و الفحشاء و أنواع الانحرافات، و الحريه علي أساس العقل و العدل، و الاستقلال، و الاكتفاء الذاتي و مقاومه الاستعمار و الاستبداد، و إجراء الحدود، و القصاص، و التعزيرات علي أساس العقل و العدل و الإنصاف .. و المثات من الموضوعات الأخري [التي‌] ليست من الأمور التي يؤثر فيها مرور الزمان و تصبح في تاريخ الإنسان و الحياه الاجتماعيه  من الماضي. إن هذه الدعوي مثلها مثل أن يدعي أحد أن القواعد العقليه و الرياضيه لابد أن تتغير في هذا القرآن و تستبدل بقواعد أخري»5.

 

مصادر القانون الدولي

     المراد من المصادر الصوريه‌ للقانون الدولي هو المجالات التي يمكن  الحصول منها علي قواعد القانون فيها بدواً. و تعد المواثيق و الأعراف الدوليه من أهم مصادر القانون الدولي، كما نص عليه في الماده 38 من ميثاق محكمه العدل الدوليه. و القانونيون المسلمون (الفقهاء) مع اختلافهم في مصادر القانون في الإسلام و عددها، و ذكر هم لمصادر مختلفه، فإن أهم و أشهر هذه المصادر هي الكتاب و السنه.

     و قد عدَ بعض القانونيين المسلمين أكثر من عشرين مصدراً للقانون الإسلامي، و إن أغلب الفقهاء السنه يعدون المصادر أربعه و هي: الكتاب، و السنه النبويه، و الإجماع، و القياس. و بعضهم لا يعد القياس واحداً من هذه المصادر، فيما رأي البعض الآخر أن القياس غير معتبر. و فقهاء الإماميه يعدون مصادر أربعه أيضاً، و هي: الكتاب، و السنه، و الإجماع، و العقل6. و من السنه من عد الاستحسان و المصالح المرسله من مصادر الفقه أيضاً.

     قد ذكر بعض القانونيين المسلمين، الذين كتبوا حول أصول القانون الدولي الإسلامي أربعه مصادر حصريه و هي: الكتاب، و السنه، و الإجماع، و العقل، و لم يعيروا أهميه لقصيه، اعتبار الكتاب و السنه مصدرين حصريين للقانون الدولي في ظل التنوع الثقافي و الديني، بحيث ترجع جميع الدول إليهما لاستخراج الضوابط و القوانين الدوليه، بل ذهبوا إلي عدم اعتبار غير الكتاب و السنه مصدراً للتشريع بين الدول الإسلاميه؛ و ذلك لأن سائر المصادر محل خلاف بينهم.

     نعم، نستطيع تأسيس قانون دولي علي أساس المصادر الفقهيه الأربعه: بمعني أننا نعرض المسائل القانونيه الدوليه المختلفه علي هذه المصادر بهدف الوصول إلي حكم بشأنها. مثلاً حتي نعرف موقف الإسلام من حقوق الإنسان، أو من التدخل في شؤون الدول الأخري لأجل هذه الحقوق، لابد من الرجوع إلي تلك المصادر الفقهيه. و من هنا، من الضروره بمكان في مبحث المصادر، أن نقيم مصادر القانون الدولي علي ضوء مصادر الفقه الإسلامي، و نبين ما إذا كان يمكن الاعتراف بتلك المصادر من خلال الرؤيه الإسلاميه إلي القانون.

     لاشك في أن المعاهدات و المواثيق الدوليه تعد إحدي مصادر القانون الدولي، و من المؤكد أن المصادر الإسلاميه تؤيدها، فبإمكان الحكومه الإسلاميه أن تعتمد في علاقاتها مع الحكومات غير الإسلاميه علي هذا المصادر، و قد كانت المعاهدات الدوليه موضع اهتمام الدول منذ القدم، و كانت العلاقات بين الدول تقوم علي المواثيق و المعاهدات. و القانون الدولي الحديث يعترف بالقوه الملزمه للاتفاقيات و المواثيق كالاتفاقيات الخاصه التي تدخل ضمن القانون الداخلي.

     و إبرام المعاهدات كان أمراً معروفاً لدي العرب في الجاهليه أيضاً. و كانت القبائل تبرم فيما بينها مواثيق الوحده المختلفه مثل: «‌المعاضده» و «الموادعه»7. و قد ساهم ظهور الإسلام في توسيع نطاق المعاهدات من خلال الدعوه إلي الدين العالمي و الأخوه الإنسانيه، بدل التضامن المحدود الذي  كانت تدعو إليه العقليه القبليه، و قد ورد التاكيد علي لزوم الوفاء بالمواثيق و المعاهدات و قدسيتها في العديد من الآيات القرآنيه مثل: (و أوفوا بعهد الله إذا عاهدتم و لا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها)8 ( و إن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا علي قوم بينكم و بينهم ميثاق)9 (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً و لم يظاهروا عليكم أحداً فاتموا إليهم عهدهم إلي هدتهم إن الله يحب المتقين)10.

     و قد أبرم النبي (ص) معاهدات عده. و كان أولها المعاهده التي أبرمها في المدينه في أول أيام الهجره من مكه إليها. و يتضمن السند المذكور آنفاً ميثاقاً بين القبائل المسلمه المهاجره من مكه و أتباع النبي في المدنيه (الأنصار) من طرف، و القبائل اليهوديه من طرف آخر. و قد بنيت فيه وحده الأمه علي الأخوه إسلاميه، و ثم التاكيد فيه علي حريه الدين، و التسامح، و التعاون، و الحريه الشخصيه، و تأييد الملكيه الخاصه، و المنع من الجنايه و غير ذلك من الأصول. و المعاهده الأخري  التي تم إبرامها بواسطه النبي(ص) هي معاهده صلح الحديبيه بين الرسول (ص) و قبيله قريش و ذلك عام 628م. و اشتملت هذه المعاهده علي ميثاق عدم الاعتداء بين المسلمين في المدنيه و المشركين في مكه، و يعد هذا الميثاق سابقه مهمه تدل علي مشروعيه إبرام المعاهدات مع غير المسليمن.

     و قد أورد العلاقه الطباطبائي (ره) في صحه و مشروعيه المواثيق الدوليه من الوجهه الإسلاميه، ما يلي: «فإن الله سبحانه أمر بالوفاء بالعهود و العقود، و ذم نقص العهود و المواثيق ذماً بالغاً في آيات كثيره، قال تعالي: (يا أيها الذين آمنوا و أوفوا بالعقود)، و قال: (و أوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً)11 (الإسراء:34) إلي غير ذلك.

     و لم يبح نقض العهود و المواثيق، إلا فيما يبيحه حق العدل: و هو أن ينقضه المعاهد المقابل نقضاً بالبغي و العتو، أو لا يؤمن نقضه لسقوط عن درجه الاعتبار، و هذا مما  لا اعتراض فيه لمعترض قال تعالي: (و اما تخافن من قوم خيانه فانبذ إليهم علي سواء إن الله لا يحب الخائنين)12 فأجاز نقض العهد عند خوف الخيانه و لم يرض بالنقض من غير إخبارهم به

     و أما النقض إلابتدائي من غير نقض العدو و المعاهد، فلا مجوز له في هذا الدين الحنيف أصلاً: قال تعالي: (فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ) [و لا يجوز النقض حتي لو كان] الوفاء مما يفوت علي المسلمين بعض منافعهم، و يجلب إليهم بعض الضرر   »13.

     تنقسم الاتفاقيات من وجهه نظر الإسلام إلي قسمين:

     1. المعاهدات: و هي الاتفاقيات الدائمه التي تعقد مع أهل الكتاب [الذميين].

     2. الاتفاقيات التي تعقد مع العدو علي أساس الضروره أو المصلحه، و هذه لا تسمي بالمعاهدات؛ لأن لها طبيعه مؤقته، و يدخل تحت هذا النوع من الاتفاقيات «الموادعه» و «المهادنه».

 

الموضع القانوني لغير المسلمين في الدوله الإسلاميه

     من البديهي عدم كون جميع المواطنين في الدوله الإسلاميه مسلمين، بل هناك إضافه إلي المسلمين طائفتان أخريان تقيمان في الدوله الإسلاميه. و هاتان الطائفتان هما المستأمنون و الذميون. أما المستأمنون، فهم الذين يقيمون بصوره مؤقته في البلد الإسلامي من خلال عقد الاستئمان، و ليسوا مواطنين للدوله الإسلاميه. و أما الذميون فهم أهل الكتاب الذين يدفعون الجزيه و يعقدون ميثاق الإقامه الدائمه، و يعدون مواطنين الدوله الإسلاميه. و رغم أن الأساس في المواطنه في الفقه الإسلامي هو التبعيه للأمه: بمعني أن كل مسلم يعد مواطناً للدوله الإسلاميه. إلا أنه نظراً إلي الاعتراف بالحدود الدوليه في الوقت الراهن، فقد لوحظ في التبعيه للدوله الإسلاميه في هذا العصر، قضيه القوميه؛ بمعني أن ما يربط شخصاً ما بدوله ما هو التبعيه‌ السياسيه و المعنويه لهذه الدوله، و هذه العلاقه الذمه و يعد هؤلاء مواطنين تابعين للدوله الإسلاميه. و علي هذا الأساس لا فرق بينهم و بين باقي المواطنين، بل يعطون حقوقاً متساويه مع المسلمين. و ينقل الماوردي عن الإمام علي(ع): «إنما قبلوا عقد الذمه لتكون أموالهم كأموالنا و دماؤهم كدمائنا»14.

     فالذميون يثبت لهم حق العيش بأمان، و حق الحصانه من الأذي، و الدفاع عنهم أمام اعتداء الآخرين، و المحافظه علي نفوسهم و أموالهم (عصمه النفس و المال). من هنا، فمن يتحدث من الكتاب بعنوان «حقوق الأجانب» من الذميين فهو مخطيء؛ لأن هؤلاء لو دفعوا الجزيه و استرفوا باقي الشروط، و أدوا ما عليهم من تكاليف، فلا يعدون أجانب. و قد بادر فقهاء العامه إلي تحديد التكاليف الموجهه إلي أهل الذمه، كالاحتراز من الطعن أو إساءه الأدب بالنسبه إلي القرآن الكريم، و الرسول الأكرم (ص)، و الدين الإسلامي، و الاحتراز من دعم أعداء الإسلام، و إلحاق الضرر بحياه المسلمين أو أموالهم، و الاحتراز من الإتيان بالأعمال المنافيه للعفه مع النساء المسلمات، و الاحتراز من شرب الخمر علناً، و بناء الأبنيه الأعلي من بيوت المسلمين 15.

     و أما المستأمن فهو الأجنبي الذي يكسب حق الإقامه المؤقته في البلد الإسلامي من خلال عقد الأمان. و علي هذا الأساس، فالأمان المؤقت هو بمنزله جواز السفر أو وثيقه الدخول التي يمنح الأجنبي بموجبها حق الدخول و الإقامه المؤقته مع ضمان حمايته و الدفاع عنه. و المستند الأساس لعقد الأمان هو الآيه القائله: (و إن أحدٌ من المشركين استجارك فاجره حتي يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه)16.

     إن هذه الآيه تؤسًس لفكره «الأمان» أو «ضمان حمايه النفس» و بين الفقهاء‌ خلاف حول مدلول هذه الآيه. و قد يستفاد من صيغه  الأمر الوارده في الآيه أن قبول المستأمن من وظايف الحكم  الإسلامي، إلا ان هذا الاستنتاج في غير محله؛ لأن الآيات الداله علي وجوب الجهاد التحريض عليه، قد أدت إلي تكوين ذهنيه مفادها عدم جواز إعطاء الأمان للمشركين و السعي لجهادهم و قتالهم، و قد نزلت آيه الأمان في هذه الظروف. و يري الكثير من الأصوليين أن الأمر الوارد عقب الخطر يدل علي الترخيص فقط17، إلا أن نقول  كالعلامه [الحلي‌] و آخرين: إن الأمر الوارد بعد الخطر كالأمر و النهي الابتدائيين لا يمنع من انعقاد الظهور للأمر. و من هنا، فإن الشيخ الطوسي، و صاحب الجوهر، و حتي العلامه نفسه عدوا عقد الأمان من العقود الجائره، و لم يشيروا  إلي كونه من تكاليف و وظائف الحاكم الإسلامي18.

     نعم، يمكن القول إنه لو قصد المشرك أن يستمع إلي كلمه الحق (حتي يسمع كلام الله)، فيلزم حينئذ علي الحكم الإسلامي أن يمنحه الأمان. و قد ورد عن النبي (ص) ما مفاده التاييد الصريح لهذا الأمر: «المؤمنون تتكأفا دماؤهم و يسعي بذمتهم أدناهم»19.

     و يقبل الفقهاء بشكل عام بقاعده أن كل مسلم بالغ و عاقل يحق له أن منح الأمان لأحد أفراد معسكر العدو، و إعلان متاركه القتال معه، بل يستطيع أيضاً أن يبادر إلي انعقاد عقد الأمان، و ترك الخصومه مع مجموعه كبيره من أفراد العدو و يلزم علي الجميع الالتزام بذلك. و قد أخبرت أم هاني النبي (ص) أنها منحت الأمان لمجموعه من أفراد عشيرتها، فقال النبي (ص): «أجرنا من أجرت يا أم هاني؟ إنما يجير علي المسلمين أدناهم».

     و أجارت زينب بنت رسول الله (ص) العاص بن الربيع فأمضاه رسول الله(ص)، إلي غير ذلك،20. و عقد الأمان، و إن كان محدوداً زميناً، إلا أنه يساوي الأمن الحقيقي. و تترتب عليه حصانه المستامن و حمايته خلال فتره إقامته في الدوله. و سوف تكون حياته و أسرته و أمواله في حمايه‌ القانون، و ذلك مقابل التقيد بالقوانين الإسلاميه، و عدم التعدي علي حقوق المسلمين. و قد ورد في كتابات بعض المفكرين المسلمين أن عقد الأمان في الفقه الإسلامي يتطابق مع فكره اللجوء في القانون الدولي، إلا أنه رغم بعض وجوه الشبه بين الاثنين لا نستطيع أن نقول بوجود المطابقه التامه بينمها.

     لقد عرفت اتفاقيه جنيف لعام 1915 اللاجيء بما يلي:

     «يطلق اللاجيء علي (كل) من يخاف لسبب وجيه من التعرض للتعذيب نتيجه الأسباب المتصله  بالعرق، أو الدين، أو القوميه المعنيه، أو لا يستطيع أن يحتمي تحت قانون ذلك البلد للخوف الآنف الذكر، أو يفتقد الجنسيه و بعد تلك الوقائع يعيش خارج محل إقامته الأصليه، أو لا يتمكن من الرجوع إلي بلده الأصلي مخافه الملاحقه».

    و قد استثنت الاتفاقيه ‌المذكوره مجموعه من الأفراد هم:

     1. مرتكبي جرائم الحرب.

     2. مرتكبي الجنايه خارج البلد الأصلي، و الذي يشمله قانون الجزاء العام.

     3. مرتكبي الأفعال المخالفه لأسس و مقاصد الأمم المتحده.

     و تتضمن الماده (12) من نداء حقوق الإنسان الإسلاميه ما يلي:

     «يحق لكل إنسان طبقاً للشريعه أن يختار محل إقامته أو سفره دا&