القضاء و القدر

مفهوم القضاء و القدر

     إنّ لفظه «القدر» بمعني المقدار‌، و «التقدير» يعني قياس الشيء و جعله علي مقدار، وضع كلّ شيء بحّد معيّن. و لفظه «القضاء» بمعني الإتمام و الفراغ من الشيء، أو الأداء و الحكم، (و هو نوع الإتمام الاعتباريّ). و أحياناً تستعمل كلتا الكلمتين بمعني مترادف حيث يستعملان في معني «المصير».

     و المراد من التقدير الإلهيّ، أنّ الله تعالي جعل لكلّ حادث مقداراً و حدوداً كميّه و كيفيّه و زمانيّه و مكانيّه معيّنه، في تحقّقه بفعل العلل و العوامل التدريجيّه، و المراد من القضاء الإلهي، إيصال الحادث إلي مرحلته النهائيّه و الحتميّه بعد توفرّ المقدّمات و الأسباب و الشروط لذلك الحادث.

     و علي ضوء هذا التفسير، تكون مرحله التقدير متقدّمه علي مرحله القضاء حيث تكون للتقدير مراحل تدريجيّه مشتمله علي مقدّمات بعيده و متوسطه و قربيه المتدرّجه من النطفه إلي العقله فالمضغه، إلي أن تكون جنيناً متكاملاً، تعتبر هي المراحل المختلفه لتقديره، حيث يشمل المشخصّات الزمانيّه و المكانيّه أيضاً، و سقوط هذا الجنين في مرحله من هذه المراحل يعدّ تغيّراً في التقدير. و أمّا مرحله القضاء فهي دفعيّه و ليست تدريجيه، و مرتبطه بتوفّر كلّ الأسباب و الشروط، و هي أيضاً حتميّه لاتقبل التغيّر «اذا قضي امراً فإنما يقول له كن فيكون»1. و لكن ـ و كما اشرنا اليه ـ يستعمل (القضاء و القدر) كلفظين مترادفين احياناً و من هنا يقسم للحتمي و غير الحتمي. و بهذا اللحاظ تعرضت بعض الروايات و الادعيه لتغيير القضاء. و ان الصدقه و البر بالوالدين و صله الرحم و الدعاء من عوامل تغيير القضاء.

 

القضاء و القدر العلمّي و العيّني

     يستعمل التقدير و القضاء الإلهيّ أحياناً، بمعني علم الله بتوفّر المقدّمات و الأسباب و الشروط المؤثّره في تحقّق الظواهر و كذلك علمه بالوقوع الحتميّ لها، و يطلق علي ذلك «القضاء و القدر العلمي»، و أحياناً يستعمل بمعني انتساب المسيره التدريجيّه للظواهر، و كذلك انتساب تحقّقها العيني، الي الله تعالي، و يطلق عليه «القضاء و القدر العيني».

     و وفقاً لما يستفاد من الايات و الروايات، فإنّ العلم الإلهيّ بكلّ الظواهر بالصوره التي تتحقّق بها في العالم الخارجيّ تماماً، مودع في مخلوق شريف رفيع، يسمّي «اللوح المحفوظ». و كلّ من يمكنه الاتّصال بهذا اللوح، بإذن الله، سيكون عالما بالظواهر الماضيه و المستقبليّه. و هناك ألواح اخر، أقلٌّ رتبهً و مقاماً من اللوح المحفوظ، اودعت فيها الظواهر بصوره مشروطه و غير قابله للتغيّر. و ربما تكون هذه الآيه الشريفه ناظرهً إلي هذين النوعين من المصير «يمحو الله ما يشاء و يثبت، و عنده امّ الكتاب»2 و تغيٌّر التقديرات المشروطه و غير الحتميّه يعبّر عنه في الروايات بـ«البداء».

     إذن فالإيمان بالقضاء و القدر العلميّ، لايثير اشكالا أكثر مما ذكر في موضوع العلم الإلهي الأزليّ، و قد بحثنا شبهه الجبريه في موضوع العلم الإلهي، و اتّضح لنا ضعفها و خواؤها.

     و لكن الاشكال الاكثر صعوبه يأتي في مجال الاعتقاد بالقضاء و القدر العينيّ، و خاصهً في مجال الإيمان بالمصير الحتميّ، علينا معالجته و الاجابه عنه و إن علم الجواب الإجماليّ عنه في موضوع التوحيد بمعني التأثير المستقلّ.

 

العلاقه بين القضاء و القدر، و اختيار الإنسان

     عّلمنا فيما سبق، أنّ الاعتقاد بالقضاء و القدر العينيّ الإلهيّ، يقتضي الاعتقاد بأنّ وجود الظواهر من بدايه وجودها حتيّ مراحل نموّها و ازدهارها، إلي نهايه عمرها، بل من حين توفّر المقدّمات البعيده لها، كلّها خاضعه للتدبير الإلهيّ الحيكم، و علينا أن نؤمن أيضاً بأنّ توفر الشروط لوجودها و وصولها إلي المرحله النهائيّه، مستند الي الإراده الإلهيّه3.

     و بعباره اخري: فكما أنّ وجود كل ظاهره، منتسب للإذن و المشيّه التكوينيّه لله، و بدون إذنه لايمكن لأيّ موجود أن يفتح عينيه علي عالم الوجود، كذلك فإنّ وجود تكوّن كلّ شيء مستند إلي التقدير و القضاء الإلهيّين و بدونهما لايمكن لأيّ موجود الوصول إلي شكله و حدوده المعيّنه، و لايصل الي نهايه عمره. و توضيح هذه الارتباطات و العلاقات يمثّل في واقعه التعليم التدريجيّ للتوحيد بمعني الاستقلال في التأثير، الذي هو من أرفع مراتب التوحيد. فإنّ للتأكيد علي مثل هذه العلاقات و التنبيه عليها دوره الكبير في بناء شخصيه الإنسان كما أشرنا إليه سابقاً.

     و أمّا إسناد الظواهر الي الإذن، بل حتّي للمشيّه الإلهيّه، فهو أيسر فهماً و أقرب إلي الأذهان، خلافاً لإسناد مرحلتها النهائيّه و تعينها الحتميّ للقضاء الإلهيّ. فانه لاجل صعوبه استيعابه و فهمه لذلك بحث فيه أكثر، و ذلك لأنّه يصعب التوفيق بين هذا الإيمان، و الإيمان باختيار الإنسان في رسم مصيره و تحديده، لذلك رأينا بعض المتكلمين (الأشاعره) الذين تقبّلوا شمول القضاء الإلهيّ لأفعال الإنسان، قد اتّجهوا الي القول بالجبر، بينما نري جماعه اخري (المعتزله) الذين لم يمكنهم القول بالجبر و آثاره الخطيره و السيّئه، قد أنكروا شمول القضاء الإلهيّ لأفعال الإنسان الاختياريّه، و كلّ جماعه أوّلت الآيات القرآنيّه و الروايات المخالفه لرأيها بما يتلاءم و اتّجاهها و رأيها، كما ذكر ذلك كلّه في الكتب الكلاميّه الموسّعه، و في الرسائل المخصّصه للبحث حول الجبر و التفويض.

     و المحور الرئيسي للاعتراض: أنّ فعل الإنسان إذا كان اختياريّاً إذا كان اختياريّاً حقّاً و مستنداّ لإرادته، فكيف يمكن القول باستناد لإراده الله و قضائه؟ و إذا كان مستنداً للقضاء الإلهيّ فكيف يمكن القول بأنّه خاضع لإراده الانسان و اختياره؟

     و لأجل الجواب عن هذا الاعتراض و التوفيق بين استناد الفعل لإراده الإنسان و اختياره، و استناده لإراده الله و قضائه، يلزم علينا أن نبحث حول انواع استناد المعلول الواحد لعلل متعدّده، حتي لنا نوع استناد الفعل الاختياري للانسان و لله تعالي.

 

أنواع تأثير العلل المتعدّده

     يمكن أن يتصوّر تأثير العلل المتعدّده في وجود ظاهره مّا، بعدّه صور:

     1. أن تؤثّر العلل المتعدّده معاً، و كلّ منها مجاوره للاخري، و تساهم جميعاً في وجود الظاهره، كاجتماع البذر و الماء و الحراره و غيرها، حيث تؤثر في انفلاق البذر و خروج النبات.

     2. أن تتناوب العلل في التأثير، بحيث يمكن تلك الظاهره، علي عدد تلك العلل، و كلّ قسم منها معلول لواحده من العلل و العوامل، التي تؤثر أثرها خلال وقتها و نوبتها، كما لو كانت هناك عدّه محرّكات للطائره، تؤدّي بالتناوب عمليه استمراريّه حركه الطائره.

     3. أنّ يكون تأثير كلّ واحد منها مترتّباً علي الآخر، كما في تصادم كرات رياضيّه متعدّده، كل منها بالاخر فكلّ واحده هي السبب في حركه الاخري، و كما في الاصطدامات الحلقيه المسلسله حيث تسقط الحلقه اللاحقه من حلقات السلسله بتأثير السابقه علي التعاقب، و مثال آخر له، ما نلاحظ من تأثير إراده الإنسان في حركه اليد، و تأثير اليد في حركه القلم، و تأثير القلم في وجود الكتابه.

     4. التأثير المترتّب علي علل و عوامل متعدّده طوليه، بحيث يكون وجود كلّ منها مرتبطاً الآخر، خلافا للقسم الثالث حيث لو يكن وجود القلم مرتبطاً بوجود اليد، أو وجود اليد مرتبطاً بإراده الإنسان.

     و في هذه الصور جميعاً يمكن أن تجتمع علل متعدّده علي معلول واحد، بل يجب اجتماعها. و تأثير الإراده الإلهيّه و إراده الإنسان في الفعل الاختياريّ من القسم الأخير، إذ أنّ وجود الإنسان و إرادته مرتبطان بالإراده الإلهيّه.

     و أما الصوره التي لايمكن فيها أن تجتمع علّتان علي معلول واحد، فهي الصوره التي تجتمع فيها علّتان موجدتان، أو علّتان يمتنع الجمع بينهما في التأثير في عرض و مستوي واحد و علي البدل كما لو فرضنا صدور إراده واحده من فاعلين مريدين، أو استناد ظاهره واحده إلي مجموعتين من العلل (علتين تامتين).

 

مناقشه شبهه

     تبيّن ممّا ذكرناه من توضيحات، أنّ استناد وجود الأفعال الاختياريّه الإنسانيّه إلي الله تعالي، لاينافي استنادها للإنسان نفسه، لأنّ أحدهما في طول الآخر، و لاتزاحم بينهما.

     و بعباره اخري: استناد الفعل للفاعل الإنسان في مستوي، بينما استناد وجوده لله تعالي فهو في مستوي آخر أسمي من ذلك المستوي. فانه في ذلك المستوي يكون وجود الإنسان نفسه، و وجود الماده التي يحقّق فعله فيها، و وجود الآلات التي يستخدمها في القيام بفعله، كلّها مستنده الي الله تعالي.

     إذن فتأثير إراده الإنسان التي هي من قبيل «الجزء الأخير للعلّه التامّه» في فعله، لاينافي استناد جميع أجزاء العلّه التامّه الي الله تعالي، فإنّه تعالي هو الذي يملك بيد قدرته وجود العالم و الإنسان و كلّ شؤونه و أحواله الوجوديّه، و هو الذي يفيض الوجود عليها باستمرار، و لاتستغني عنه تعالي في أيّ زمان و حال، و ليست لها أيّه استقلاليه عنه و بناءاً علي ذلك فالافعال الاختياريه للانسان غير مستغنيه عنه تعالي أيضا، و لايمكن لها أن تخرج عن حدود إرادته. و كل صفاتها و مميّزاتها و حدودها و مشخّصاتها أيضاً مرتبطه بالتقدير و القضاء الإلهيّ، و ليس كما ذكر، بأنّ هذه الأفعال إمّا أن تكون مستندهً لإراده الإنسان، أو مستندهً لإراده الله. و ذلك لان هاتين الإرادتين ليستا في عرض و مستوي واحد، و لايمتنع الجمع بينهما، و لايؤثّرات في تحقّق الأفعال علي البدليّه، بل إنّ إراده الإنسان كأصل وجوده نفسه، مرتبطهٌ بالإراده الإلهيّه، و وجود الإراده الإلهيه ضروريٌ لتحقّقها. «و ما تشاءون إلاّ أن يشاء الله ربُّ العالمين»4.

 

معطيات الاعتقاد بالقضاء و القدر

     إنّ الاعتقاد بالقضاء و القدر الإلهيّ، كما أنّه يعتبر مرحلهً رفيعه من معرفه الله، و يؤديّ إلي تكامل الأنسان عقليّاً، فكذلك له آثار و معطيات عمليّه كثيره، أشرنا إلي بعضها و نذكر هنا بعضاً آخر منها:

     إنّ من يؤمن بأنّ حدوث الحوادث خاضع لإراده الله الحكيمه، و مستند الي التقدير و القضاء الإلهيّ؛ لايخشي الأحداث المؤلمه، و لاينهار أمامها، و لايتملّكه الجزع و اليأس، فإنّه حين يعتقد بأنّ هذه الأحداث تمثّل جانباً من نظام العالم الحكيم، و تتحقّق وفق مصالح و حكم؛ يستقبلها بأحضان مفتوحه، ليتوصّل و الرضا و التسليم و غيرها.

     و كذلك لاتشده و لاتخدعه ملذّات الحياه و أفراحها، و لايصيبه الغرور و الخيلاء، بها، و لايتّخذ النعم الإلهيّه سلّماً للتفاخر و الاستعلاء.

     إنّ هذه المعطيات القيّمه هي التي تشير إليها الآيه الشريفه: «ما أصاب من مصيبه في الأرض و لا في أنفسكم إلاّ في كتاب من قبل أن نبرأها إنّ ذلك علي الله يسير  * لكيلا تأسوا علي ما فاتكم و لاتفرحوا بما آتاكم و الله لايحبّ كلَّ مختال فخور»5.

     و علينا أن نؤكد علي تجنُّب اثار و مضاعفات التفسير المنحرف لمسأله القضاء و القدر و التوحيد في التأثير المستقلّ، فإنّ التفسير الخاطئ يؤدّي إلي الكسل و البطاله و المذلّه و قبول الظلم و الجور، و التهرّب من المسؤوليّه، و يلزم علينا أن نعلم أنّ السعاده ذو الشقاء الإبديّ للإنسان إنّما هو نتيجه أفعاله الاختياريّه نفسه «لها ما كسبت و عليها ما اكتسب»6 «و أن ليس للإنسان إلاّ ما سعي»7.

 

الهوامش:

1. آل عمران: 47، و تراجع الآيات التاليه ايضا، البقره: 117، مريم: 53، غافر: 68.

2. الرعد: 39.

3. إن انطباق كل من الإراده و القضاء الإلهيين علي الآخر (بحسب المورد) يتضح من تطبيق الآيه 47 من آل عمران علي الآيه 82 من سوره يس «إنما أمره أراد شيئا أن يقول له كن فيكون».

4. التكوير: 29.

5. الحديد: 22 و 23.

6. البقره: الآيه الاخيره.

7. النجم: 39.