قِرَاءَهٌ
في
الأَصْلَاحِ
وَ الأِصلاح
الدّيني
يروق
للبعض (1)
أن يرقي منبر
النقد و
التقويم لا
لتطوير
فكره، و
الوقوف علي
نقاط الضعف و
مواطن الخل
فيها
لمعالجتها،
و التغلب
عليها عن
طريق إبداء
نظر متين و
رأي حكيم
للوصول إلي
الأمثل و
الأحسن،
ولكن لإثاره
جمله من
المبهمات و
الإشكالات،
و إغراق
الموضوع
بعبارات و
مصطلحات
أبعد ما تكون
عن هدف عمليه
النقد، و هو
معالجه
الفكره و
تطويرها و
تقويمها. و هذا ما
وقع فيه
البعض عند
طرح بعض
القضايا علي
مائده النقد
و النقاش،
خصوصاً
عندما تكون
تلك القضايا
مدار بحث و
جدال شهدته
ساحات
المنازلات
الفكريه في
الآونه
الاخيره. و نحن هنا
نحاول أن
نسلّط الضوء
علي بعض ما
ينشر بين
الفينه و
الأخري حول
مسأله
الإصلاح و
التجديد في
الفكر
الديني،
لاستكشاف
الموقف
الحقيقي و
السليم، دون
الاستغراق
في طرح
الشعارات و
الكلمات
الرنانه و
المصطلحات
الحديثه،
حرصاً علي
سلامه
الفكره، و
إيماناً
بضروره
إفشاء روح
النقد
البناء، دون
الوقوع في
مزالق
التحديث و
الخلط
المفاهيمي. و من خلال
ما طرح حول
هذا
الموضوع،
أمكننا
مناقشه و
تلخيص
الإشكالات و
المآخذ في
خمسه محاور
رئيسيه، هي
كالتالي: أولاً:
اعتبار
معالجه
مسأله
الإصلاح في
المؤسسات
الدينيه
إصلاحاً
دينياً، و قد
وقع في هذا
الخلط كثير
من الكتاب،
مما أدّي إلي
خطأ مفاهيمي
فادح. و
الفارق بين
الأمرين
بيّن و واضح؛
فالإصلاح
الديني هو
عمليه تغيير
للأسس و
المنطلقات،
و التصورات
التي يحملها
دين من
الأديان عن
الكون و
الحياه، و
علاقات
الناس و
ادوار هم و
غير تلك، و
بعباره أخري
هو عمليه هدم
و بناء و
ترميم – وفق
ما يقتضيه
الإصلاح –
لتلك
الأمور، مما
قد يعرّض
جوهر الفكره
إلي المسخ أو
النسخ و
التغيير و
التحريف. أما
إصلاح
المؤسسات
الدينيه فهو
عمليه
تخليصها من
الفساد
الإداري، و
حالات
الفوضي و
الضياع التي
تهدد دورها و
الغايه
المرجوه من
وجودها، و
تحولها إلي
شركات
انتفاعيه
تعيش
الإحباط و
التخلف و
الرجعيه،
لذا نحن نتفق
مع الدعوات
إلي إصلاح
المؤسسات
الدينيه، أو
إلي نقد
التفسير
الديني الذي
يبرر وجود
تلك
المؤسسات، و
لكن بشرط عدم
التعدي في
النقد إلي
المس بنفس
المقدسات
الدينيه
المسلَّمه،
التي يقرّها
و يثبتها نص
القرآن
الصريح أو
السنه
النبويه
القطعيه
السند، لا
لأننا نؤمن
بدكتاتوريه
في عالم
الفكر، و
إنما لأن لكل
حوار بنّاء
أسساً و
مقومات
ينطلق منها
ليعالج ما
استعصي أو
أشكل عليه،
أو لم يتقبله
الذوق
العقلي. أما
عندما نعمد
إلي نسف تلك
الأسس و
إنكار تلك
المقدمات،
فعندما لن
يكون هناك
سبيل لحوار
بنّاء مفيد،
و إنما
لهذيان
فكري، و جدال
عقيم لا يولد
إلّا ضياعاً
و تشتتاً لا
يرجي بعده
سبيل؛ إذ
يكمن ادعاء
تصحيح
التفسير
بالحدود
التي وضعها
الشارع
المقدس؛
لأنه – أي
التفسير –
نتاج بشري.
و لتقريب
المعني أكثر
نذكر
نموذجاً من
الخلط و
التشويش
الذي وقع فيه
بعض دعاه
التجديد و
الإصلاح،
عندما
أرادوا
تحليل واحده
من ثوابت
العقيده
الاسلاميه و
هي العصمه، و
مما قالوا
فيها أنها
نتاج خليط
غير متجانس
بين
التاريخي و
الفقهي و
الكلامي، و
أنها صنيعه
قوي
الاستبداد
السياسي و
الديني.
أليس من
الواضح جداً
أن أصحاب
الاعتقاد
بالعصمه،
بما تمثل من
حاجه بشريه
إلي القدوه و
النموذج و
المثال
الرفيع
المنزّه،
كانوا هم علي
الدوام و في
معظم حقب
التاريخ
ضحيه ذلك
الاستبداد و
لقمته
السائغه؟ ،
ثم كيف لنا
الوصول إلي
النصوص
الصحيحه – و
هي التي يركز
عليها دعاه
الإصلاح
باعتبار
العتماد
عليها في
التغيير – و
حَمَله هذه
النصوص و
مبلغوها لا
يتمتعون
بالعصمه
التي تؤمن من
وقوعهم في
السهو أو
الغلط أو
الاشتباه و
النسيان؟، و
هل يمكن
الحديث عن
نصوص صحيحه
إذا انتفت
العصمه؟.
أو عندما
يتحدثون عن
الشوري
باعتبارها
من مظاهر
العداله و
الحريه،
اللتين
يتبجح بهما
دعاه
الإصلاح،
فلا ندري عن
أي شوري
يتحدثون. إذا
كان المقصود
ما أراده
القرآن
الكريم في
سوره الشوري
بقوله: (و
الذين
استجابوا
لربهم و
أقاموا
الصلاه و
أمرهم شوري
بينهم و مما
رزقناهم
ينفقون) (2)،
و ما قبلها و
ما بعدها من
الآيات
الكريمه،
فهو مدح
لسلوك
المؤمنين،
لا منح
صلاحيه
التشريع أو
النصب أو
العزل؛
لأنها من
مهمات
الرسول «صلي
الله عليه و
اله»
المسدَّد و
الملهَم، و
لا يمكن
إيكالها إلي
غيره؛ لأنها
تؤدي إلي
نتائج
مصيريه علي
مستوي
الأمه، ثم إن
سياق الآيات
السابقه لها
و تفسيرها
الموضوعي،
لا يساعدان
علي هذا
المعني
المهم و
الخطير في
حياه أي
جماعه بشريه.
و كان دعاه
الإصلاح و
التغيير
كثيراً ما
يتحدثون عن
الواقع
باعتباره
حاكماً
مسلطاًعلي
الأفكار و
العقائد،
فهلا نظرنا
إلي واقع
الشوري في
صدر
الاسلام، و
ما آلت إليه
من تكريس
نخبوي طامح
لا يقوم علي
أساس كفاءه و
استحقاق
وجداره،
بقدر ما يقوم
علي مصادرات
و ترتيبات و
اتفاقات
مسبقه، أدّت
فيما بعد إلي
اختزال
الأمه إلي
سته أشخاص،
مما أدي
إلغاء تام
لمعني
الشوري،
مبقياً علي
شكلها و
لفظها فقط،
هذا إذا
سلمنا أن
المقصود
منها هو
الأخذ بآراء
الأمه من
خلال أهل
عقدها و
حلها، في
مسائل
مصيريه
تتوقف عليها
سلامه
المسيره و
قداسه
اهدافها. أما
التشاور
فيما عدا ذلك
من أمور
الحياه و
المعاش، فهو
مشاركه
للرجال في
عقولها، و
أمر محبب
للفطره
الانسانيه،
و لا يعترضه
أو يعارضه
أحد في حدود
ما نعتقد. ثانياً:
الفصل بين
الدين و
رجاله، و ذلك
«لأنهم أقل
الطبقات
الاجتماعيه
ثقافه و
علماً، و
شعوراً
بالمسؤوليه
تجاه قضايا
المصير و
الهويه و
الانتماء و
التاريخ و
الأرض»، و هذا
تعميم ظالم و
غير منصف، و
قد لا نحتاج
إلي كبير جهد
لكي نبطل هذه
الدعوه؛
فرجال الدين
هم جمهور من
جمله جماهير
المجتمع في
كل مكان، و
فيهم الصالح
و الطالح و
العالم و
الجاهل، كما
في جمهور
الأطباء و
المحامين و
الكتاب و
الفنانين، و
وجود شواذ في
قاعدهٍ ما لا
يلغي
القاعده من
أساسها
ليؤسس
لنقيضها، و
لو وجد
الإنصاف و
الموضوعيه
عند أي محقق
أو مدقق،
لدعياه إلي
القول – إذا
استثنينا
المصداق
الرئيسي
المتمثل
بعلماء
الدين
الربانيين
المتخصصين –
بأن من رجال
الدين
المسلمين
شعراء و
خطباء و
أطباء و
فلكيين و
زعماء و قاده
سياسيين،
كان لهم
الدور
الأبرز في
حركات
التحرر و
النهضه و
مواجهه
الاستعمار و
التبعيه، و
إننا غنيً عن
ذكر بعض
أسمائهم و
مناقبهم؛ إذ
إن تاريخنا
الاسلامي
زاهر و حافل
ببطولاتهم و
أمجادهم منذ
الصدر الأول
للاسلام إلي
يومنا هذا.
فبأي منطق و
بأي عقل
يُتهم رجال
الدين بأنهم
أقل الطبقات
الاجتماعيه
شأنا؟! (ألا
ساء ما
يحكمون). ثالثاً:
الدعوه إلي
الفصل
الزماني و
المكاني في
الأحكام
الشرعيه، و
الركون إلي
الواقعيه في
تبيين
الأحكام،
هذا يعني أن
لكل أمه
أحكاماً و
رساله خاصه
بها، و
رجالاً
يختلفون عن
رجال الأمم
الأخري،
تصديقاً
لقوله تعالي: (و
ما أرسلنا من
رسول إلّا
بلسان قومه
ليبين لهم) (3).
إن هذه
الدعوه ليست
الأولي من
نوعها و إن
أسواق البعض
من الكتاب
المسلمين
أدعياء
الحداثه
رائجه بمثل
هذه الدعاوي
و الأفكار، و
هي ردّ فعل
علي واقع
الهزيمه و
التخلف الذي
يعيشه
الكثير من
البلدان
الاسلاميه،
و تفتقر إل
يتشخيص
المشكله،
فالفصل
الزماني و
المكاني لا
يمكن أن يتخذ
منهجاً و
قاعدهً لا
يتخلّفان؛
لأن أحداً لا
يقبل مقوله
رفض الموروث
أو دفنه في
الماضي،
لأنه عاش في
زمان و مكان
يختلفان
الآن عن
زماننا و
مكاننا،
فالحاضر هو
لحظه
استكمال
للماضي، و
المستقبل هو
استمرار
دفعي للماضي.
أما إذا كان
المقصود هو
أن تؤخذ بعين
العتبار،
عند تبيين
الأحكام،
مدخليه
الزمان و
المكان
فيها، فهذه
المسأله
مطروحه الآن
في معاهدنا
الاسلاميه و
حوزاتنا
العلميه، لا
سيما عند
مدرسه أهل
البيت «عليه
السلام»، تحت
عنوان تقسيم
الأحكام
الشرعيه إلي
ثابت و
متغير، و قد
أشار إلي هذه
النظريه
العديد من
افقهاء،
نذكر من
بينهم
العلامه
السيد محمد
حسين
الطباطبائي،
فقد كتب في
بحثه عن
الولايه و
القياده في
الاسلام: «تنقسم
الأحكام
الاسلاميه –
كما اتضح –
إلي قسمين، و
بعباره أخري
يطبق في
المجتمع
الاسلامي
نوعان من
الأحكام:
النوع
الأول هي
الأحكام
الإلهيه و
قوانين
الشريعه، و
هذه عناصر
ثابته و
أحكام غير
قابله
للتبدل و
التغيير. لقد
نزلت هذه
الأحكام
وحياً
إلهياً إلي
النبي
الاكرم
لتكسب عنوان
الدين
الأبدي غير
القابل
للنسخ، و هي
واجبه علي
البشر
أبداً، و
ستبقي كذلك
إلي الأبد.
النوع
الثاني هي
الأحكام
التي تنبثق
من مركز
الولايه،
فتوضع و
تنفّذ بحسب
مصلحه كل عصر.
طبيعي قد
اتضح أن هذا
اللون من
الأحكام
يستتبع في
بقائه و
زواله
مقتضيات
العصر و
متطلباته، و
هي تتغير
جزماً مع
التقدم
الحضاري، و
ما يطرأ من
تغيير في
المصالح و
المفاسد. أجل
الذي لا
يتغير كما
سيأتي هو أصل
الولايه
بذاته؛ لأنه
من الأحكام
الإلهيه و من
عناصر
الشريعه ، و
بالتالي هو
لا يخضع
للنسخ و
التغيير» (4).
لذلك يمكن
القول إن
تجربه
الحكومه
الاسلاميه
المعاصره
ترتكز علي
هذه النظريه
و تستفيد
منها. أما
الاستدلال
بالآيه
الكريمه: (و ما
أرسلنا من
رسول إلّا
بلسان قومه
ليبين لهم) (5) ،
فلا يصلح أن
يكون
تأييداً
للكيانات و
القوميات
داخل الكيان
الاسلامي
الكبير، و لا
للقيادات
المحليه
بديلاً عن
قياده و
خلافه و
إمامه عامه،
بل إن مغزاها
هو أن علي
الرسول «صلي
الله عليه و
اله»، لكي
ينجح في
تبليغ
رسالته، أن
يستخدم
اللغه التي
هي لغه و لسان
القوم
المبلَّغين،
لا أن يكون من
عرقهم أو
قبيلتهم أو
ضمن حدودهم
السياسيه
المصطنعه. رابعاً:
التضخيم و
المبالغه في
وصف الحالات
السلبيه
التي تعتري
المعاهد
الدراسيه و
الحوزات
الاسلاميه،
و تعميم بعض
الظواهر
الشاذه، و
تجاهل الدور
الهام الذي
لعبته
الحوزات و
المدارس
الدينيه عبر
العصور، و
ذلك
بإبقائها
علي باب
الاجتهاد
مفتوحاً،
خصوصاً عند
أتباع مدرسه
أهل البيت «عليه
السلام»، و
اعتبارها
العقل
مصدراً
رابعاً من
مصادر
التشريع بعد
القرآ، و
السنه و
الإجماع.
إن هذه
الدور الذي
يساهم
مساهمه
فعّاله في
إبقاء
الشريعه حيه
تواكب الحدث
و تعايش
الزمن، ما
كان لولا
الحوزات و
عقول
أصحابها. و لا
مبرر لهذا
التحامل و
التطاول تحت
ستار عناوين
و مبررات
إصلاحيه؛
لأن الإصلاح
و الحرص عليه
يبدأ بعمليه
طرح
للأفكار، و
الترويج لها
و تبيينها
داخل الجسم
المعالج، و
في أروقته و
مكامن
حاجته، و هذا
ما يقوم به
الحريصون
حقاً علي
مستقبل
المؤسسات
الدينيه و
الحوزات
العلميه، و
ذلك من خلال
إعدادهم
لمناهج
دراسيه
جديده، و
طرحهم لكتب و
متون علميه
منقحه و
مشذبه، و
تحويلهم
نظام الحوزه
الدراسي من
نظام حر
تسوده
الفوضي
أحياناً،
إلي نظام
إداري منضبط
تسود فيه
أجواء
أكاديميه و
علميه. خامساً:
إن هذا
الفهم
للأخلاق لا
يستدعي
بالضروره
وجود كتاب
يحويها، بل
إن الفقه
بمسائله
يتضمن
أخلاقاً و
التزاماً
بحدود و
طاعات، و
العقائد
بمسائلها
تركز
الأخلاق و
تجذرها، و
القرآن
بمضامينه
يضرب لنا
الأمثله و
المناذج، و
يطرح لنا
القدوه و
الأسواد عن
النبي «صلي
الله عليه و
اله» و عترته «عليهم
السلام» و
أصحابه
الذين
اتبعوه
بإحسان؛
لحثنا علي
التشبه بهم و
السير علي
خطاهم، و
العبادات
تزكي القلوب
و تنهاها عن
الفحشاء
والمنكر؛
لتفيض أبداً
بأخلاق
ساميه رفيعه.
إن كل هذه
العلوم
موجوده في
الحوزه، و
لها رجالها و
حلقاتها و
روادها، فهل
المطلوب أن
تقام دروس في
كتب الأخلاق
لنقول بعدها
بوجود أخلاق
في الحوزه؟
إن وجود
أمراض
أخلاقيه في
الحوزه
كالغيبه و
الحسد و
غيرها، يؤكد
مره أخري أن
مجتمع
الحوزه هو
جزء لا يتجزأ
من المجتمع
البشري، و أن
أهله هم
أبناء عامه
الناس، يبدر
منهم ما يبدر
من أولئك،
فلا يمكن
القول بأن
هناك حزاماً
سحرياً يحيط
بالكيان
العلمي
للحوزه، و
يحوّل في مده
قصيره كل من
دخله إلي
ملاك لا يعصي
الله ما أمره.
نعم، يتوقع
الكل
امتيازاً
لأهل العلم
عن غيرهم، و
لك هذا منوط
بالعمل لا
بنفس العلم.
قال الله
تعالي: (مثل
الذين
حُمّلوا
التوراه ثم
لم يحملوها
كمثل الحمار
يحمل
أسفاراً) (7).
و أخيراً
إذا كانت
الحوزه
تفتقر إلي
الأخلاق و
إلي القيم و
المثل، فمن
أين يتخرج
هؤلاء
الربانيون و
الصالحون و
الشهداء،
الذين يروون
الأمه
بعلمهم و
تقواهم و
دمائهم علي
امتداد
تاريخها؟!. 1-
إشاره إلي ما
نشر في
أسبوعيه
المغترب
التي تصدر في
كندا في
أعدادها 123 – 126. 2-
الشوري: 38. 3-
إبراهيم: 4. 4-
بحوث
اسلاميه 180:1 – 181،
مؤسسه
الاعلام
الاسلا مي. 5-
إبراهيم:4. 6-
الانشقاق:6. الجمعه: 5. |