مفاهيم اسلاميه

الجبر و التفويض و القضاء و القدر

السيد مرتضي العسكري

 

الجبر و التفويض و الاختيار

     أ- الجبر في اللغه

     جبره علي الأمر و أجبره: قهره عليه و أكرهه علي الإتيان به.

     ب ـ الجبر في مصطلح علماء العقائد الاسلاميه

     الجبر: إجبار الله تعالي عباده علي ما يفعلون، خيراً كان او شراً، حسناً كان او قبيحاً، دون ان يكون للعبد اراده و اختيار الرفض و الامتناع، و يري الجبريه الجبر مذهباً يري أصحابه أنّ ما يحدث للانسان قدر عليه أزلاً فهو مسيّر لا مخيّر، و هو قول الأشاعره.(1)

     ج ـ التفويض في اللغه

     فوض اليه الامر تفويضاً: جعل له التصرف فيه.

     د ـ التفويض في مصطلح علماء العقائد الاسلاميه

     هو أن الله تعالي فوّض أفعال العباد اليهم يفعلون ما يشاؤون، علي وجه الاستقلال، دون أن يكون لله سلطان علي افعالهم، (و هو قول المعتزله)(2).

     هـ الاختيار في اللغه

     خيّره: فوّض اليه الاختيار بين امرين او شيئين او اكثر.

     و ـ الاختيار في مصطلح علماء العقائد الاسلاميه

     إن الله سبحانه كلّف عباده بواسطه الانبياء و الرسل ببعض الافعال و نهاهم عن بعض آخر، بطاعته في ما امر به و نهي عنه بعد ان منحهم القوّه و الاراده علي الفعل و الترك و جعل لهم الاختيار في ما يفعلون دون ان يجبر احداً علي الفعل، و سيأتي الاستدلال عليه بحوله تعالي.

 

القضاء و القدر

     أ ـ معاني القضاء و القدر

     تستعمل مادّتا القضاء و القدر لعدّه معان.

     منها في ما يخصّ البحث من مادّه القضاء:

     أ ـ قضي او يقضي بين المتخاصمين، كقوله تعالي (إنّ ربك يقضي بينهم يوم القيامه فيما كانوا فيه يختلفون) (يونس/ 93) و (الجاثيه/ 17).

     ب ـ قضي الله الأمر: أنبأه به، كقوله تعالي في ما اخبر به لوطاً عن مصير قومه في سوره الحجر/ 66: (و قضينا اليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين).

     أي أنبأناه.

     ج ـ قضي الله الشيء و به: أوجبه، أمر به، كقوله تعالي في سوره الإسراء / 23: (و قضي ربك ألا تعبدوا الاّ اياه.

     د ـ قضي الله الأمر أو الشيء: تعلّقت ارادته به، قدّره، كقوله تعالي في سوره البقره/ 17: «و إذا قضي أمراً فإنما يقول له كن فيكون).

     أي اذا أراد أمراً.

     و قوله تعالي في سوره الأنعام/ 2: (و هو الذي خلقكم من طين ثمّ قضي اجلاً).

     أي قدر لكلّ انسان مدّه يحيا فيها.

     و منها فيما يخصّ البحث من ماده القدر:

     أ ـ قدر علي الشيء او العمل: استطلاع ان يفعله، يتغلّب عليه فهو قادر، و القدير: ذو القوّه، كقوله تعالي:

     1‌ـ في سوره يس:

     (أو ليس الذي خلق السماوات و الارض بقادر علي ان يخلق مثلهم) «الآيه 81».

     2ـ في سوره البقره:

     (و لو شاء الله لذهب بسمعهم و ابصارهم ان الله علي كل شيء قدير) (الآيه 20).

     أي ذو القدره علي فعل كلّ شيء علي قدر ما تقتضي الحكمه.

     ب‌ ـ قدر

     1ـ قدر الرزق عليه و يقدر: ضيّقه، كقوله تعالي في سوره سبأ:

     (قل إنّ ربي يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر) «الآيه 36».

     2 ـ قدر الله الأمر بقدره: دبّره او اراد وقوعه كقوله تعالي في سوره المرسلات:

     (فقدرنا فنعم القادرون) «الآيه 23».

     ج ـ قدّر:

     1‌ـ قدّر الله الامر: قضي به او حكم بأن يكون، كقوله تعالي في شأن زوجه لوط، في سوره النمل/ 57: (فأنجيناه و أهله الاّ امرأته قدّرناها من الغابرين).

     أي حكمنا، او قضينا عليها بأن تكون من الهالكين.

     2 ـ قدّر في الأمر: تمهّل و تروّي في انجازه، كقوله تعالي في سوره سبأ/ 11 مخاطباً داود (ع): «و قدر في السرد».

     أي تمهّل و ترو في صنعه كي تحكم عمله.

     د ـ القدر

     1- القدر: المقدار و الكميه، كقوله تعالي في سوره الحجر/ 21: (و إن من شيء الاّ عندنا خزائنه و ما ننزّله الاّ بقدر معلوم).

     أي بمقدار و كميه معلومه.

     2 ـ قدر الشيء: زمانه او مكانه، كقوله تعالي في سوره المرسلات/ 20 ـ 22: (ألم نخلقكم من ماء مهين * فجعلناه في قرار مكين * الي قدر معلوم).

     أي الي زمان محدّد معلوم.

     3 ـ قدر الله: قضاؤه المحكم، او حكمه المبرم علي خلقه، كقوله تعالي في سوره الاحزاب/ 38: (سنه الله في الذين خلوا من قبل و كان امر الله قدراً مقدوراً).

     أي قضاءً محكماً مبرماً.

     لعل تعدّد معاني ما ينسب الي الله من مادتي القضاء و القدر، قد أدّي الي لبس معني ما ورد منهما في القرآن و الحديث، و اعتقاد بعض المسلمين بأنّ الانسان يسيّر في حياته، في كلّ ما يعمل من خير او شرّ وفق ما قضي الله عليه و قدّر قبل ان يخلق.

     و يطلق في الاخبار لفظ القدري علي الجبريّ و التفويضي كليهما(3)، و عليه فإن القدر اسم للشيء و ضدّه كالقرء، اسم للحيض و الطهر معاً.

     و لا نطيل البحث بايراد اقوال المعتقدين بذلك، و الاجابه عليها، و انما نكتفي بايراد الاحاديث التي نجد فيها جواباً لتكلم الاقوال توضيحياً و بياناً للأمر بحوله تعالي:

     ب ـ روايات من أئمه اهل البيت (ع) في القضاء و القدر

     أولاً: عن أول أئمه اهل البيت عليّ بن ابي طالب (ع). روي في توحيد الصدوق بسنده الي الامام الحسن (ع)، و في تاريخ ابن عساكر بسنده الي ابن عباس و اللفظ للاوّل قال:

     دخل رجل من اهل العراق علي امير المؤمنين (ع) فقال: أخبرنا عن خروجنا الي اهل الشام أبقضاء من الله و قدر؟ فقال له امير المؤمنين (ع): «أجل يا شيخ، فواً لله ما علوتهم تلعقه و لا هبطتم بطن وادٍ الاّ بقضاءٍ من الله قدر» فقال الشيخ: عند الله أحتسب عنائي(4) يا أمير المومنين، فقال: «مهلاً يا شيخ، لعلك تظن قضاءً حتماً و قدراً لازماً(5)، لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب و الأمر و النهي و الزّجر، و لقسط معني الوعيد و الوعد، و لم يكن علي مسيءٍ لائمه و لا لمحسن محمده، و لكان المحسن اولي باللاّئمه من المذنب و المذنب اولي بالاحسان من المحسن(6)، تلك مقاله عبده الاوثان و خصماء لرحمن و قدريّه هذه الامه و مجوسها. يا شيخ ان الله عز و جل كلّف تخييراً، و نهي تحذيراً و أعطي علي القليل كثيراً، و لم يعص مغلوباً، و لم يطع مكرها، و لم يخلق السماوات و الارض و ما بينهما باطلاً، (ذلك ظنّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار)(7).

     قال: فنهض الشيخ و هو يقول:

أنت الإمام الذي نرجو بطاعته      يوم النجاه من الرحمن غفراناً

أوضحت من دينا ما كان ملتبسا      جزاك ربك عنا فيه احساناً

فليس معذره في فعل فاحشه      قد كنت راكبها فسقاً و عصياناً(8)

     ثانياً: عن السادس من أئمه أهل البيت (ع)، الامام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق (ع):

     «إنّ الناس في القدر علي ثلاثه اوجهٍ: رجل يزعم ان الله عز و جل اجبر الناس علي المعاصي، فهذا قد ظلم الله في حكمه فهو كافر. و رجل يزعم ان الامر مفوّض اليهم، فهذا قد اوهن الله في سلطانه فهو كافر.

     و رجل يزعم ان الامر مفوًض اليهم، فهذا قد اوهن الله في سلطانه فهو كافر.

     و رجل يزعم ان الله كلف العباد ما يطيقون و لم يكلفهم ما لا يطيقون و اذا احسن حمد الله و اذا اساء استغفر الله فهذا مسلم بالغ»(9).

     ثالثاً: و عن الثامن من أئمه اهل البيت الامام ابي الحسن الرضا (ع) قال:

     أ ـ «إن الله عز و جل لم يطع باكراه، و لم يعص بغلبه، و لم يهمل العباد في ملكه، هو المالك لما ملّكهم، و القادر علي ما اقدرهم عليه، فإن أئتمرالعباد بطاعته لم يكن الله منها صادّاً، و لا منها مانعاً، و إن أئتمروا بمعصيته فشاء ان يتحول بينهم و بين ذلك فعل، و إن لم يحل و فعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه»(10).

     يعني أنّ الانسان الذي أطاع الله لم يكن مجبراً الطاعه. و الانسان الذي عصاه لم يغلب مشيئه الله، بل الله شاء ان يكون العبد مختاراً في فعله.

     ب ـ قال: «قال الله تبارك و تعالي:

     يا ابن آدم بمشيئتي كنت انت الذي تشاء لنفسك ما تشاء و بقوتي أديّت اليّ فرائضي، و بنعمتي قويت علي معصيتي، جعلتك سميعاً بصيراً قوياً، ما اصابك من حسنه فمن الله و ما اصابك من سيئه فمن نفسك»(11).

     و في روايه: «عملت بالمعاصي بقوتي التي جعلتها فيك»(12).

     و عن الامام أبي عبدالله الصادق (ع) قال:

     أ ـ «لا جبر و لا تفويض و لكن امر بين امرين». قال: قلت: و ما امر بين امرين؟ قال: «مثل ذلك رجل رأيته علي معصيه، فليس حيث لم يقبل منك فتركته كنت انت الذي امرته بالمعصيه»(13).

     ب ـ «ما استطعت أن تلوم العبد عليه فهو منه و مالم تستطع ان تلوم العبد عليه فهو من فعل الله.

     يقول الله للعبد: لم عصيت؟ لم فسقت؟ لم شربت الخمر؟ لم زينت، فهذا فعل العبد. و لا يقول له: لم مرضت؟ لم قصرت؟ لم ابيضضت؟ لم اسوددت؟ لأنه من فعل الله تعالي»(14).

 

شرح الروايات

     إنّ للجبر و التفويض جانبين:

     أ ـ ما كان منهما من صفات الله.

     ب ـ ما كان منهما من صفات الانسان.

     فما كان منهما من صفات الله فينبغي أخذه منه بوساطه الأنبياء و أوصياء الانبياء عن الانبياء و ما كان من صفات الانسان فان قولنا: أفعل هذا او لا أفعله دليل علي أنّا نفعل ما نفعله باختيارنا، و قد عرفنا مما سبق انّ سير الانسان في حياته لا يشابه سير الذرّه و الكواكب و المجّرات المسخّرات بأمر الله في كل حركاتها و ما يصدر منها من آثار.

     و لم يفوّض الله اليه امر نفسه و كلّ ما سخّر له ليفعل ما يشاء كما يحب، و كما تهوي نفسه، بل ان الله ارشده بوساطه انبيائه كيف يؤمن يقلبه بالحق، و هداه الي الصالح النافع في ما يفعله بجوارحه، و الضار منه، فاذا اتبع اخذ الله بيده و سار به عشر خطوات ثم جزاه بآثار عمله في الدنيا و الآخره سبعمائه مره اضعاف عمله، و الله يضاعف لمن يشاء بحكمته و وفق سنته.

     و قلنا في المثل الذي ضربناه في ما سبق، بأنّ الله ادخل الانسان المومن و الكافر في هذا العالم في معطم له من نوع (سلف سرويس‌)، كما قال سبحانه في سوره الاسراء/ 20:

     (كلاّ نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربّك و ما كان عطاء ربّك محظوراً).

     فلولا إمداد الله عبيده بكل ما يملكون من طاقات فكريه و جسديه و ما سخر لهم في هذا العالم لما استطاع المؤمن ان يعمل عملاً صالحاً، و لا الضّال الكافر ان يعمل عملاً ضارّاً فاسداً، و لو سلبهم لحظه واحده ايّ جزء مما منحهم من الرؤيه و العقل و الصحه و .. و.. لما استطاعوا ان يفعلوا شيئاً، اذاً فان الانسان يفعل ما يفعل بما منحه الله بمحض اختياره، و بناءً علي ما بيّنّاه، أنّ الانسان لم يفوّض اليه الامر في هذا العالم، و لم يجبر علي فعل بل هو امر بين الامرين. و هذه هي مشيئه الله و سنته في أمر افعال العباد و لن تجد لسنّه الله تبديلاً.

 

أسئله و أجوبه

     و في هذا المقام ترد الاسئله الاربعه الآتيه:

     السؤال الاول و الثاني: كيف يكون الانسان مختاراً في ما يصدر منه من فعل، مع تسلّط الشيطان عليه من حيث لا يراه، و اغوائه بما يوسوس الي قبله و يدعوه الي فعل الشرّ؟!

     و كذلك شأن الانسان الذي يعيش في المحيط الفاسد الذي لا يري فيه غير الشرّ و الفساد أمراً؟!

     السؤال الثالث: ماذا يستطيع ان يفعل الانسان الذي لم تبلغه دعوه الأنبياء في بعض الغابات؟

     السوال الرابع: ما ذنب ولد الزّنا، و ما جبل عليه من حبّ فعل الشرّ بسبب فعل والديه؟!

     و الجواب عن السؤالين الأوّل و الثاني: ان الله تبارك و تعالي أتّم الحجّه علي الانسان بما اودع فيه من غريزه البحث عن سبب وجود كلّ ما آراه و التي توصله الي معرفه مسبّب الاسباب، و لذلك قال سبحانه و تعالي في سوره الأعراف/ 172: «أن تقولوا يوم القيامه إنّا كنّا عن هذا غافلين)، فكما ان الانسان لن يغفل عن غريزه الجوع في حال من الاحوال حتي يملأ جوفه بالطعام، كذلك لن يغفل عن غريزه طلب المعرفه حتي يعرف مسبب الاسباب.

     و الجواب عن السؤال الثالث نقول: قال الله سبحانه:

     (لا يكلّف الله نفساً الا وسعها) «البقره/ 286».

     أما السؤال الرابع، فجوابه: إنّ ولد الزنا ـ ايضاً ـ ليس مجبوراً علي فعل الشرّ، و كل ما في الأمر ان الحاله النفسيه للوالدين في حال ارتكابها الزّنا و ما يريان من نفسها بأنّهما باشرا بفعلها خيانه المجتمع، و ان المجتمع يتقذّر من فعلها و يحتقرهما و يعاديهما لو اطّلع علي فعلهما، و أنهما عند ارتكابهما الرذيله في حاله معاداه للنزيهين من تلك الفعله في المجتمع و الذين هم ابرار المجتمع و أخياره و المتمسكون بفضائل الاخلاق و المعروفون بكل ذلك في المجتمع.

     و عليه فإن تلك الحاله النفسيه العدائيه منهما للمجتمع و أبراره تؤثّر علي النطفه حين انعقادها و تنتقل بالوراثه الي ما يتكون من تلك النطفه، فانه يجبل علي حيّ الشر و العداء للخيّرين و المعروفين بالفضيله في المجتمع.

     و من الامثله علي ذلك زياد بن أبيه و ولده ابن زياد في ما ارتكباه زمان إمارتهما في العراق(15)، و خاصه ما فعله ابن زياد بعد استشهاد الامام الحسين (ع)، مع جسده الشريف و أجساد المستشهدين معه من آل الرسول (ص) و أنصارهم: من التمثيل بهم، و حمله رؤوسهم من بلد الي بلد، وسوقه بنات الرسول (ص) سبايا الي الكوفه و سائر ما عاملهم بها، في حينّ أنّه لم يبق بعد استشهاد الامام الحسين (ع) أيّ مقاوم لحكمهم و لم يكن أي مبّرر له عندئد في كل ما فعل من ظلم و استهانه بمقامهم في المجتمع، عدا حبّه في كسر شوكه اشرف بيت في العرب و افضله و توهينهم، و حبّه للشّر و عدائه الجبلي الفطري للأكرمين في المجتمع.

     و بناء علي ذلك يكون حبّ الشّر و الرغبه في ايذاء الخيّرين و المعروفين بالفضيله في المجتمع فطريّ في ولد الزّنا، علي عكس ولد الزواج الحلال و الذي ليس من فطرته حبّ الشّر و الرغبه في ايذاء الخيّرين في المجتمع، و لكنّها مع كلّ ذلك ليسا مجبورين علي القيام بكلّ ما يفعلانه. و يتركانه من خير و شرّ، و إنّما مثلهما في ما جبلا عليه مثل شابّ مكتمل الرجوله في الجسد و ما يتمتّع به من حيويه دافعه و شهوه عارمه للجنس، مع شيخ هرم ناف علي التسعين و تهدّمت قواه، يعاني الفتور و فقدان القوي الجسديه، منصرف عن الشهوه الجنسيه و في عدم تمكّن الأخير من ارتكاب الزّنا و توفّر القوي الجنسيه في الاول؛ فإنّ الشابّ القويّ مكتمل الرجوله ـ ايضاً ـ غير مجبور علي ارتكاب الزّنا في ما اذا ارتكب ذلك ليكون معذوراً في ارتكابه الرذيله، و أمّا اذا تيسّر له ارتكاب الزنا و خاف مقام ربه و نهي النفس عن الهوي فإنّ الجنًه هي المأوي(16)، علي عكس الشيخ الهرم، فإنّه لا يثاب علي تركه الزّنا، لأنه يترك الزنا مع قدرته عليه.

     و هكذا كلّما تعمّقنا في دراسه اي جانب من جوانب حياه الانسان، وجدناه مختاراً في ما يصدر منه من فعل، عدا ما يصدر منه عن غفله و عدم تنبّه.

 

الهوامش

     1) راجع تعريف الاشاعره في الملل و النحل للشهرستاني بهامش الفصل في الملل و الأهواء؛ و النحل لابن حزم 1:119 ـ 153. 2) راجع تعريف المعتزله في الملل و النحل للشهرستاني بهامش الفصل في الملل و الاهؤاء؛ و النحل لابن حزم 1: 55 ـ 57. 3) البحار 5:5. 4) أي إن كان خروجنا و جهادنا بقضائه تعالي و قدره لم نستحق اجراً، فرجائي ان يكون عنائي عندالله محسوباً في عداد أعمال من يتفضّل عليهم بفضله يوم القيامه. 5) بالمعني الذي زعمته الجبريه. 6) لأنّهما في أصل الفعل سيّان، اذ ليس بقدرتها و ارادتها، مع أن المحسن يمدحه الناس و هو يري ذلك حقاً له و ليس كذلك فليستحق اللائمه دون المذنب، و المذنب يذمّه الناس و هو يري ذلك حقاً عليه و ليس كذلك فليستحق الاحسان كي ينجبر تحمّله لأذي الناس دون المحسن. 7) كما في سوره ص: 27.

     8) توحيد الصدوق، 380؛ و ترجمه الامام علي (ع) في تأريخ ابن عساكر 3: 231 تحقيقي الشيخ المحمودي. 9) توحيد الصدوق: 360 ـ 361. 10) توحيد الصدوق 361. 11) توحيد الصدوق 328 ـ 340، 344، 362؛ و الكافي 1: 160. 12) التوحيد: 362. 13‌) الكافي 1: 160؛ التوحيد: 362. 14) الطرائف. 15) راجع بحث استلحاق زياد في المجلّد الاول من كتاب عبدالله بن المجلّد الثالث من معالم المدرستين.  16) إشاره الي قوله تعالي في سوره النازعات/ 40: (و أمّا من خاف مقام ربّه و نهي النفس عن الهوي فإنّ الجنه هي المأوي).

 

الوحده العددان 188-189

 

الاسلام و الصحه

لمحات من تاريخ البيمارستانات في البلاد الاسلاميه

د. مهدي ناطق پور

 

     تحدثنا عن عدد من البيمارستانات المهمه التي كانت تمارس نشاطها الصحي و التعليمي في ايران في قرون الاسلام الاولي. و في هذا سنتطرق الي عدد آخر من البيمارستانات التي اشتهرت في البلاد الاسلاميه و كان لها دور مميز في عصرنا.

     اولاً. بيمارستان الرشيد: و قد انشئت ببغداد في عصر هارون الرشيد. خامس الخلفاء العباسيين. و يري بعض المؤرخين أن «ماسويه خوزي» احد الاطباء المعروفين في مستشفي جندي شاپور(1)، كان يتولي رئاسه مستشفي الرشيد. فيما يعتقد بعضهم الآخر بأن الطبيب «جبرئيل بن بختيشوع»(2) هو الذي كان يدير المستشفي. و علي ايه حال، كانت مستشفي الرشيد تدار بصوره عامه من قبل خريجي مستشفي جندي شاپور، الذين كانوا معظهم من الايرانيين.

     ثانياً. بيمارستان البرامكه: انشئت هذه المستشفي في بغداد بهمه البرامكه الذين كانوا من اصول ايرانيه. و يقيد المؤرخون بأن المستشفي كانت تدار بالطريقه نفسها التي كانت تدار بها مستشفي جندي شاپور، و كان يتولي ادارتها و رئاستها عالم هندي اسمه «ابن دهن الهندي»، الذي كان مترجماً حاذقاً و قد قام بترجمه متون جندي شابور من اللغه العربيه الي اللغه الهنديه.(3) و يظهر ان بيمارستان الرشيد و بيمارستان البرامكه كانتا من اوائل البيمارستانات التي أنشئت في بغداد، و اعتبرتا انموذجاً يقتدي به بالنسبه للبيمارستانات التي انشئت في بغداد فيما بعد(4).

     ثالثاً. بيمارستان بدر: التي انشئها احد المقربين من المعتضد، الخليفه العباسي و يدعي بدر. و كان يتولي مسؤوليات عديده، كما اصبح والياً في بعض الاقاليم الاسلاميه. و قد وصفه المورخون بأنه كان رجلاً كريم النفس عالي الهمه. هذا و كانت مستشفي بدر تدار بفضل النفقات التي يتم تحصيلها من بعض الموقوفات(5).

     رابعاً. بيمارستان مقتدريه: و كانت قد انشئت عام 306 هجـ، تزامناً مع خلافه المقتدر، الخليفه العباسي، في احدي الضواحي الغربيه مدينه بغداد. و كان بناؤها علي يد سنان بن ثابت بن قره، و قد خصص لها مبلغ مئتي دينار شهرياً لتلبيه نفقاتها(6). و كان بعض اطباء مستشفي جندي شابور المعروفين بمن فيهم يوسف الواسطي و جبرئيل بن عبدالله بن بختيشوع، يمارسون الطبابه و التدريس في مستشفي المقتدريه.

     خامساً. بيمارستان عضديه: افتتحت هذه المستشفي ببغداد عام 372 هجـ في عصر عضد الدوله بن بويه الديلمي، و كانت تعتبر من اكبر البيمارستانات الاسلاميه. اذ كان يعمل فيها اكثر من 24 طبيباً بمختلف الاختصاصات بما فيها طب العيون و الجراحه. و من بين الخير الجرائحي؛ الجراح المعروف في عصره. كذلك كان من بين العالمين في هذه المستشفي كل من ابي الحسن علي بن ابراهيم بن بكس؛ ونظيف القس الرومي و هو من مترجمي الكتب الطبيه المعروفين في عصره؛ و ابي الحسسن بن تفاح الجراح الشهير، و ابي الصلت طبيب العظام المعروف.

     و كانت مستشفي العضديه تعتبر غنيه جداً من ناحيه الادويه و الوسائل الطبيه التي كانت متوافره في ذلك العصر. و كان قد خصص لها مبالغ طائله لانجاز مهمتها علي احسن ما يرام.

     كما كانت المستشفي تعتبر لفتره طويله واحداً من مراكز تدريس العلوم الطبيعه و الموسسات العلاجيه الكبري في الاراضي الممتده من الشام و بين النهرين و آسيا الوسطي. و استمرت المستشفي في مواصله نشاطها حتي القرن السادس الهجري(7).

     سادساً. بيمارستان انطاكيه: يذكر موفق الدين ابي اذر احمد بن ابراهيم، في كتاب «كنوز الذهب في تاريخ حلب»، بأن مختار بن الحسن بن بطلان هو الذي اسس بيمارستان انطاكيه. و هو بغدادي الاصل، الاّ انه كان قد سافر الي مصر ليلتقي علي بن رضوان، الطبيب المصري الشهير. و قد دارت بينه و بين ابن رضوان مناظرات و حوارات جمعت فيما بعد في كتاب، ثم غادر مصر بعد فتره الي القسطنطينيه، و منها انتقل الي انطاكيه لينشيء فيها المستشفي. هذا و قد توفي ابن بطلان في انطاكيه عام 461 هجـ، و ترك العديد من الكتب منها «تقويم الصحه»، و «المدخل الي الطب‌»، و «دعوه الاطباء».

     سابعاً. بيمارستان نوري الكبيره: اذ تعد من عجائب البيمارستانات الاسلاميه في القرنين السادس و السابع الهجريين. و قد تم بناؤها بأمر من نور الدين محمود بن زنكي عام 549 هجـ.

     يذكر ابن ابي اصيبعه في «عيون الانباء» بعد ان شيّد الملك العادل نور الدين محود ابن زنكي البيمارستان الكبيره، أو كل مهمه الاشراف علي شؤونها الصحيه و العلاجيه الي ابي المجد بن ابي الحكم الباهلي، و عيّن له راتباً شهرياً، اذ كان يتولي علاج المرضي بنفسه. حيث كان يتجول بين المرضي و يتفقد