ليس اللَّه جسماً

 

     في الحديث: »ليس منّا من زعم أن اللَّه جسم و نحن منه براء في الدنيا و الآخره... إن الجسم محدث و اللَّه محدثه و مجسّمه«1.

 

أ- في ظلال الحديث:

     يوضح لنا هذا الحديث الشريف أن من يدّعي بأن اللَّه تعالى جسم هو على غير الموقف الصحيح و الاعتقاد السليم و بذلك لا يتصل بآل البيت (ع) بأيه جهه من الجهات لأنهم (ع) كافحوا هذه الفكره الباطله و العقيده المنحرفه و جاهدوا جهاداً شديداً في سبيل القضاء على هذا الاتجاه الفاسد و لنتعرف معاً ماذا يراد بالتجسيم في البحث العقائدي.

     يطلق التجسيم على أحد المعاني التاليه:

     1. التشبيه: و هو الاعتقاد بأن الله تعالى صوره تشبه صوره الإنسان.

     2. التجسيد: و هو الاعتقاد بأن الله سبحانه جسد أي يشتمل على الأبعاد الثلاثه من الطول و العرض و العمق و على قول ما يشتمل على الأبعاد الأربعه بإضافه البعد الزماني إلى الأبعاد الثلاثه المكانيه.

     3. التحيّز: و هو الاعتقاد بأن الله عزّ و جلّ متحيّز أي في مكان. و قد جاء البرهان على بطلان ذلك إضافه لما ذكر في الحديث المتقدم. في أدله عديده نتعرض لبعضها فيما يأتي.

 

ب منشأ القول بالتجسيم:

     إن أولئك الذين قالوا بهذه الخرافه ركنوا إلى ظواهر بعض الآيات و الروايات و أخذوا بها من دون تأويلها مع ما يستلزم الأخذ بظاهرها من القول الباطل على الخالق سبحانه و نسبه افتقاره إلى غيره، مع أن الواجب عليهم تأويلها بحمل ألفاظها التي يظهر منها التجسيم على معنى مجازي يلتقي و طبيعه سياق النص و قرائنه المساعده على ذلك، و بشكل يتمشى و أصل التوحيد كما فعل أئمتنا (ع) و الذين تربوا في مدرستهم و نهجوا نهجهم، ينزّهون الله تعالى عن ما قاله غيرهم تنزيهاً كبيراً.

     و من تلك الآيات:

     قوله عزّ و جلّ: »قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي«1.

     و قوله تعالى: «و الأرض جميعاً قبضته يوم القيامه و السموات مطويّات بيمينه«2.

     و قوله سبحانه: »و جاء ربك و الملك صفاً صفاً«3.

     و قوله عزّ من قائل: »كل شي‏ء هالك إلا وجهه«4.

     و قوله عزّ و جلّ: »الرحمن على العرش استوى«5.

     و جميع الآيات المتقدمه لها تأويل صحيح و لنأخذ مثالاً واحداً و هو الآيه الأخيره »على العرش استوى« فمعناها أنه تعالى استولى و اقتدر و ملك، و ليس المعنى أنه تمكن على العرش جالساً، أو جلس بهيئه خاصه على كرسي عرشه، و يؤيد المعنى الصحيح ما جاء في اللغه:

     (استوى البلد للأمير) و (استوت المملكه للملك الفلاني) بمعنى أن الأمير أو الملك استولى و اقتدر على البلد و المملكه و لا يراد الجلوس، و أما الاقتدار الإلهي فهو غير مسبوق بعجز و لا الملحوق به أبداً.

     يقول الشاعر:

     قد استوى بشر على العراق من غير سيفٍ و دمٍ مهراق‏

     و لولا أن الأمر كما ذكرنا، لم يكن ذلك تمدحاً و تعظيماً، لأن كلاً يصح أن يجلس على سريره أو كرسي ملكه.

     يقول السيد الطباطبائي رحمهم الله: »يشتبه المراد منه على السامع أول ما يسمعه، فإذا رجع إلى مثل قوله تعالى: »ليس كمثله شي‏ء«1 استقر الذهن على أن المراد من قوله تعالى: »الرحمن على العرش استوى«2 التسلّط على الملك و الإحاطه على الخلق دون التمكن و الاعتماد على المكان المستلزم للتجسيم المستحيل على الله سبحانه«3.

 

ج الدليل على نفي التجسيم و التشبيه:

     مضافاً إلى ما تقدم من قوله عزّ و جلّ »ليس كمثله شي‏ء« بحيث لو كان الله تعالى جسماً لكان مثله شي‏ء بل أشياء كما لا يخفى.

     هناك آيات كثيره داله على سعه وجوده و أنه في كل مكان و مع كل شي‏ء، يحيط بكل شي‏ء و لا يخلو منه شي‏ء يقول عزّ من قائل: »و هو معكم أينما كنتم«4 و كيف يجتمع ذلك مع كونه جسماً فإنه حينئذ يكون في مكان دون آخر؟! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

     و لما جاء في خطبه لمولانا أبي عبد الله الحسين‏(ع): »أيها الناس اتقوا هؤلاء المارقه الذين يشبّهون الله بأنفسهم، يضاهون قول الذين كفروا من أهل الكتاب، بل هو الله ليس كمثله شي‏ء، و هو السميع البصير، لا تدركه الأبصار و هو اللطيف الخبير«5.

 

د- مكافحه أمير المؤمنين (ع) القول بالتجسيم:

     روى المبرد في الكامل: »قال قائل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات و الأرض؟ فقال علي (ع): أين، سؤال عن مكان، و كان الله و لا مكان«6.

     و قال البغدادي: قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: »إن الله تعالى خلق العرش إظهاراً لقدرته، لا مكاناً لذاته«.

     و قال أيضاً: »قد كان و لا مكان و هو الآن على ما كان«7.

     و قد بلغ بعلي (ع) من الأمر أنه كان يراقب العوام و السوقه في محاضراتهم و ما يصدر منهم فدخل يوماً سوق اللحامين و قال (ع): »يا معشر اللحامين، من نفخ منكم في اللحم فليس منّا. فإذا هو برجل موليه ظهره، فقال اللحام: كلا و الذي احتجب بالسبع. فضربه على ظهره، ثم قال (ع): يا لحّام، و من الذي احتجب بالسبع؟ قال: ربّ العالمين يا أمير المؤمنين، فقال (ع): أخطأت، ثكلتك أمك، إن الله ليس بينه و بين خلقه حجاب، لأنه معهم أينما كانوا. فقال الرجل ما كفاره ما قلت يا أمير المؤمنين؟ قال (ع): أن تعلم أن الله معك حيث كنت. قال: أُطعم المساكين؟ قال (ع): لا إنما حلفت بغير ربك«1.

     و هذه المعيه التي ذكرها علي (ع) قد وردت في آيات الذكر الحكيم، منها ما سبق و منها قوله تعالى: »يستخفون من الناس و لا يستخفون من الله و هو معهم.«2.

     و قال (ع): »و من أشار إليه فقد حدّه، و من حدّه فقد عدّه، و من قال »فيم؟« فقد ضمَّنه. و من قال »علام؟« فقد أخلى منه. كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كل شي‏ء لا بمقارنه، و غير كل شي‏ء بمزايله«3.

     و قال (ع): »الحمد للّه الذي لا تدركه الشواهد، و لا تحويه المشاهد، و لا تراه النواظر، و لا تحجبه السواتر«4.

     و قال (ع): »ما وحَّده من كيَّفه، و لا حقيقته أصاب من مثَّله، و لا إياه عنى من شبهه، و لا حمده من أشار إليه و توهمه«5.

     وقال (ع): »قد علم السرائر، و خبر الضمائر، له الإحاطه بكل شي‏ء، و الغلبه لكل شي‏ء و القوه على كل شي‏ء«6.

     إلى غير ذلك من خطبه و كلمه في التنزيه و نفي الشبيه. و من أراد الإسهاب في ذلك و الوقوف على مكافحه أئمه أهل البيت (ع) لعقيده التشبيه و التكييف و التجسيم، فعليه مراجعه الأحاديث المرويه عنهم في الجوامع الحديثيه.

     س: هل يجوز العمل بوظيفه في حكومه غير إسلاميه؟

     ج: يدور مدار جواز الوظيفه في نفسها.

     س: شخص يعمل في إداره المرور في دوله عربيه و هو مسؤول عن توقيع ملفات المخالفات لقوانين المرور لادخالهم السجن فإذا وقَّعها يدخل هذا المخالف إلى السجن، فهل هذا العمل جائز؟ و ما حكم الراتب الذي يأخذه إزاء عمله من الدوله؟

     ج: مقررات نظام المجتمع و لو كانت من دوله غير إسلاميه تجب مراعاتها على كل حال، و أخذ الراتب في قبال عمل حلال لا بأس به.

     س: هل القاضي المنصوب من قبل السلطان الجائر له شرعيه في حكمه لتجب إطاعته؟

     ج: لا يجوز لغير المجتهد الجامع للشرائط إذا لم يكن منصوباً من قبل من يجوز له النصب تصدّي أمر القضاء و فصل الخصومات بين الناس و لا لهم المراجعه إليه إلاّ عند الضروره و لا ينفذ حكمه1.

     أ- الاعتقاد بأن الله تعالى جسم اعتقاد فاسد و باطل يستلزم نسبه النقص و الافتقار إليه تعالى أن ذلك علواً كبيراً.

     ب- التشبيه هو الاعتقاد بأن الله تعالى يشبه الإنسان، و التحيّز هو الاعتقاد بأنه سبحانه موجود في مكان و يخلو من مكان أي متحيّز و كلاهما غير صحيح.

     ج- من أدله القرآن على نفي التجسيم و التشبيه قوله عز من قائل: »ليس كمثله شي‏ء« و على عدم التحيّز قوله سبحانه: »و هو معكم أينما كنتم«.

     د- من أقوال أمير المؤمنين (ع) في مكافحه التجسيم: »ما وحّده من كيّفه و لا حقيقته أصاب من مثَّله و لا إياه عنى من شبّهه.«

     قال تعالى: »يعلم ما يلج في الأرض و ما يخرج منها و ما ينزل من السماء و ما يعرج فيها و هو معكم أينما كنتم و الله بما تعملون بصير«1.

     عن أمير المؤمنين (ع): »الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد و لا تحويه المشاهد و لا تراه النواظر، و لا تحجبه السواتر«2.

 

جواب بهلول!

     إن البهلول أتى إلى المسجد يوماً و سمع أن رجلاً عالماً يقرر للناس علومه، فقال في جملة كلامه: إن جعفر بن محمد تكلم في مسائل ما يعجبني كلامه، منها:

     أنه يقول: إن الله سبحانه موجود لكنه لا يرى لا في الدنيا و لا في الآخره، و هل يكون موجود لا يرى؟ ما هذا التناقض.

     الثانيه: أنه قال: إن الشيطان يعذّب في النار، مع أن الشيطان خلق من النار فكيف الشي‏ء يعذب بما خلق منه؟

     الثالثه: أنه يقول: أفعال العباد مستنده إليهم، مع أن الآيات داله على أنه تعالى فاعل كل شي‏ء.

     فلما سمعه البهلول أخذ مدره و ضرب بها رأسه وشجه، فصار الدم يسيل على وجهه و لحيته.

     فبادر إلى هارون يشكو من البهلول.

     فلما أحضر البهلول و سئل عن السبب قال لهارون: إن هذا الرجل غلّط جعفر بن محمد (ع) في ثلاث مسائل:

     الأولى: إن هذا الرجل يزعم أن الأفعال كلها لا فاعل لها إلا اللّه فهذه الشجه من اللّه سبحانه و ما تقصيري أنا؟

     الثانيه: إنه يقول: كل شي‏ء موجود لابد و أن يرى، فإذا كان الوجع موجوداً في رأسه فلماذا لا يرى.

     الثالثه: إنه مخلوق من التراب و هذه المدره أيضاً من التراب و هو يزعم الجنس لا يتعذب بجنسه فكيف تألم من هذه المدره؟

     فأعجب هارون كلامه! و خلّصه من شجه الرجل.

 

الهوامش:

     1. الفصول المهمه في أصول الأئمه للحر العاملي، ص 147.

     1. سوره الأعراف، الآيه/ 12.

     2. سوره الزمر، الآيه/ 67.

     3. سوره الفجر، الآيه/ 22.

    4. سوره القصص، الآيه/ 88.

     5. سوره طه، الآيه/ 5.

     1. سوره الشورى، الآيه/ 11.

     2. سوره طه، الآيه/ 5.

     3. تفسير الميزان، ج 3، ص 21.

     4. سوره الحديد، الآيه/ 4.

     5. تحف العقول، ص 175.

     6. الكامل، ج 2، ص 59.

     7. الفرق بين الفرق، ص 200.

     1. الغارات، ج 1، ص 112.

     2. سوره النساء، الآيه/ 108.

     3. نهج البلاغه، الخطبه الأولى، طبعه مصر.

     4. نهج البلاغه، الخطبه 180، طبعه مصر.

     5. نهج البلاغه، الخطبه 181، طبعه مصر.

     6. نهج البلاغه، الخطبه 82، طبعه مصر.

     1. أجوبه الاستفتاءات، ج 2، ص 98.

     1. سوره الحديد، الآيه/(2.4) نهج البلاغه، الخطبه 180، طبعه مصر.