مصطلح
الفساد في
القرآن
الكريم
مصطلح
( الفساد ) في
القرآن
الكريم لا
يدل علي ما هو
متعارف عليه
في أذهان
عامة الناس ،
م أنّ كلمة
الفساد تعني
عدم
الالتزام
الشرعي ، و
بخاصة فيما
يتعلق
بموضوع
الأحكام
الشرعية ،
التي تتعلق
بالسلوك
الشخصي
للانسان ،
كشرب الخمر و
الزني و عدم
أداء
الفرائض
وسوء
الذخلاق و ما
شابه. إن
المعني الذي
يطرحه
القرآن
الكريم لهذا
المصطلح ، أو
سع بكثير مما
هو متعارف
عليه في
أذهان عموم
االناس. لانسان
و ظاهرة
الفساد إن
الانطباع
الأول الذي
تبادر عند
الملائكة
حينما خلق
الله آدم ، و
أخبر هم أنه
جاعل في
الأرض خليفة
،كان
استفهاماً
استغرابياً
عن إنشاء هذا
المخلوق
الجديد ، و
ذلك قولهم :»
أتجعل فيها
من يفسد فيها
و يسفك
الدماء « . فعل
كانت الأرض
مكاناً
يسوده
الاطمئنان و
السلام و
الهدوء ، لا
فساد فيها و
لا خراب ، و لا
تجاوز و لا
تعدًّ . حتي
كان هذا
المخلوق
المكرّم عند
الله هو مبدأ
الفساد و سفك
الدماء؟ حيث
عرّفته
الملائكة
بهذين
الذمرين
المستهجنين
، و كان من
الرد
الرباني علي
هذا
الاستغراب
الملائكي :»
إني أعلم ما
لا تعلمون « ،
إشارة إلي سر
في هذا
المخلوق ، و
حكمة في
وجوده علي
الارض و
طبيعته و
مسيرته و
تكامله فيها
، و لعلّ في
الجواب
الالهي
للملائكة
اقراراً
بهذا الجانب
في الظاهرة
الانسانية ،
و كأن الفساد
و سفك الدماء
ملازمان
لطبيعة
الانسان ،
بما تملكه من
قدرة علي
الاختيار و
الارادة و
التجاوز : »
إنا هديناه
السبيل إمّا
شاكراً و
إمّا كفوراً «. و
في هذا
المشهد
القرآني
الذي يقصّ
علينا خلق
الانسان ، و
موقف
الملائكة
فيه ، يمكن أن
نثبت عدة
قضايا و
أفكار و
ملاحظات
نجدها
منتشرة في
ثنايا آيات
الله ، بشكل
مباشر أو
إشارات أو
تأكيدات ، و
بهذا نجد
القرآن يفسر
بعضه بعضاً ،
و نجده
نسيجاً
واحداً
يتحدث عن
حقائق
مترابطة و
متكالمة في
منظومة خاصة. بعد
هذه المقدمة
التي
جعلناها
مدخلاً
لبحثنا ، و
خرجنا منها
بحقبقة أن
الفساد
ظاهرة
انسانية ،
تحكمها
قوانين
الانسان
فرداً و
مجتمعاً ، و
أن ما يقابل
هذه الظاهرة
هو الصلاح و
الإصلاح ، و
أن حركة
التضاد
الموجودة
بين هاتين
الظاهرتين
هي من
الهوامل
التي تحكم
مسيرة الأمم
علي الأرض ، و
من ثم تحكم
مسيرة
الانسان و
نهاية الأرض : »
و لقد كتبنا
في الزبور من
بعد الذكر أن
الارض يرثها
عبادي
الصالحون «. المعني
اللغوي
للفساد لعلّ
من المفيد
تناول
المعني
اللغوي
للفساد من
خلال معاجم
اللغة ،
لنقارن بينه
و بين
استعمال
القرآن لهذا
المصطلح. قال
اين منظور : »الفساد
نقيض الصلاح … و تفاسد
القوم :
تدابروا و
قطعوا
الأرحام … و استفسد
السلطان
قائده إذا
أساء إليه
حتي استعصي
عليه ، و
المفسدة
خلاف
المصلحة ، و
الاستفساد
خلاف
الاستصلاح« (1)
. و
عن الراغب : »
الفساد خروج
الشيء عن
الاعتدال ،
قليلاً
كان الخروج
عنه أو
كثيراً «(2) ،
و يضاده
الصلاح ، و
يستعمل ذلك
فيي النفس و
البدن و
الأشياء
الخارجة عن
الاستفادة. و
إذا حللنا ما
أورده علماء
اللغة يمكن
أن نخلص إلي
أن الأشياء
لها وظائف
تؤديها ، و
مهامّ تقوم
بها ، و أدوار
متوقعة منها
، و هذا هو
صلاحها ،
فعند وجود
خلل أو نقص في
أداء الشيء
لهذه
الوظيفة أو
المهمة أو
الدور ، يمكن
أن نقول عنه
دنه فسد ، و
هذا الخلل
ناتج من خروج
الشيء نفسه
عن وضعه
المتعارف
عليه ، فهو
خلل أو خروج
عن الاعتدال
و الاستقامة
من داخله ، أي
إن لكل شيء
مهمته
المناسبة له
، ففساد
الآلة
بخرابها ، و
الجسم بمرضه
وضعفه ، و
الثمرة
بفقدان
طعمها ، و
الدولة
بنكوصها عن
أداء
مهماتها ، و
ذلك بعدم
انسجام
أعضاء
مجتمعها ، و
تنافر
مجاميعه و
فقدان الأمن
و الوحدة
الاجتماعية
اللذين
يحفظانن
تماسكه. و
الفساد أمر
مرفوض و
مستهجن
بالوجدان ، و
عند العقل
العلمي بشكل
عام ، فإن
النفس لا
تميل إليه و
لا تسعي له ،
كما هو حال
كثير من
القضايا
التي يحسنها
العقل أو
يقبّحها ،
بغض النظر عن
مصاديقها ، و
كذلك الحال
في الصلاح
الذي هو أمر
مرغوب و
مقبول و تميل
له النفس ، و
لذا نجد
الانسان
يرفض صفة
الفساد في
الأشياء و
ينفر منها و
يسعي إلي
إصلاحها إن
أمكنه. الاستعمال
القرآني
للفساد من
خلال تناول
القرآن
الكريم لهذا
المصطلح . إن
القرآن
الكريم لا
يستعمل
مصطلح
الفساد
بمعناه
الشرعي
الخاص فقط ،
فقد نقله
تارة عن لسان
العصاة و
الظالمين في
وصفهم لحركة
الأنبياء و
الصالحين
،كما في وصف
أتباع فرعون
لدعوة موسي و
حركته
الاصلاحية
بقولهم : »
أتذر موسي و
قومه
ليفسدوا في
الأرض « ، أو
وصف فرعون
لدعوة موسي
بقوله : »ذروني
أقتل موسي
وليدع ربه
إني أخاف أن
يبدل دينكم
أو أن يظهر في
الأرض
الفساد « ، أو
قول بلقيس في
وصف عمل
الملوك : » إنّ
الملوك إذا
دخلوا قرية
أفسدوها و
جعلوا أعزة
أهلها أذلة «. و
تارة
يستعملها
معبراً عن
رأي السماء و
الشريعة في
وصف الطغاة
أو الخارجين
عن الشريعة ،
أو في
التحذير من
عمل يؤدي إلي
الفسساد ،
كقوله تعالي :
»تلك الدار
الآخرة
نجعلها
للذين لا
يريدون
علواً في
الأرض و لا
فساداً« (3) ،
قوله : » إلا
تفعلوه تكن
فتنة في
الأرض و فساد
كبير « (4) ، و
قوله : » و إذا
تولي سعي في
الأرض ليفسد
فيها «. فيمكن
القول : إن
مصطلح
الفساد في
القرآن
الكريم يصف
حالة معينة
عامة ، ينقل
تارة عن لسان
المتشرعة ، و
تارة عن عامة
الناس ، و
تارة عن
المناوئين
للرسالة . و قد
يكون لكل
مدرسة و
اتجاه فلسفي
أو سياسي
تحديد خاص
لمضمون هذا
المصطلح ، و
تفسير لهذه
الظواهر و
تقييم خاص
لها ، و فهم
لطريقة
علاجها و
التعامل
معها ، و قد
يلاحظ
الموضوع
بزوايا
مختلفة حسب
توجه الناظر
و تقييمه وفق
فهمه و
مصلحته. الفساد
في الأرض هناك
شبه تلازم في
القرآن
الكريم بين
مصطلح (
الفساد ) و بين
كلمة ( الأرض )
، و إذا قمنا
بعلمية
إحصائية
بسيطة ، فسوف
نجد أن
الكتاب
الحكيم
استخدم كلمة (
الفساد ) و
تصريفاتها
بحدود خمسين
مرة ، و في
جميع هذه
الاستخدامات
كان يرد فيها
اسم الأرض أو
اشارة اليها
، ما عدا إحدي
عشرة مرة لم
يرد فيها ذكر
الأرض : لأن
الاستعمال
كان في معرض
وصف عمل
المفسدين و
عاقبته : »
فانظر كيف
كان عاقبة
المفسدين « ،
أو في معرض
الدعاء :» قال
ربي انصرني
علي القوم
المفسدين « ،
أو في معرض
بيان إحاطة
العلم
الالهي : » و
ربك أعلم
بالمفسدين « ،
و تكرر هذا
المقطع اكثر
من مرة ،
فيكون
الاستعمال
الاكثر
تكراراً . و في
مختلف صور
استعمال
كلمة الفساد
جاءت مقترنة
بكلمة الأرض
، و هو الغالب
في
الاستخدام
القرآني ، و
جاءت مرة
مقترنة بذكر
البر و البحر
، و مرة أضيفت
السموات إلي
الأرض . و بذلك
يمكن القول :
إن
الاستعمال
الغالب
الذيي به
يمكن أن يشكل
مصطلحاً
قرآنياً ذا
معنيً خاص و
مضمون محدود
، يمكن
استكشافه من
دراسة عموم
الآيات و
سياقها ،
التي ورد
فيها ذكر
الفساد
مقترناً
بكلمة الأرض
، كما نلاحظ
هذه
المجموعة من
الآيات : » و لا
تبغ الفساد
في الأرض «. »
مفسدون في
الأرض «. »و لا
تعثوا في
الأرض
مفسدين « . » أو
أن يظهر في
الأرض
الفساد «. »
لتفسدن في
الأرض مرتين «
. » و لا تفسدوا
في الأرض «. » ما
جئنا لنفسد
في الأرض «. » و
يسعون في
الأرض فسادا «
. » كالمفسدين
في الأرض «. »
فساداً في
الأرض « .»
لفسدت الأرض «. نخلص
من هذا
الاستعراض
أن ذكر الأرض
إشارة إلي
عموم وسعة ما
يشمله موضوع
الفساد ،
فظاهرة
الفساد التي
يشير إليها
القرآن
الكريم ليست
ظاهرة فردية
أو شخصية ، أو
محدودة
بمجتمع ضيق
أو حالة
معينة خاصة ،
بل هي ظاهرة
تعم المجتمع
الانساني
بغاليته ،
فالمواضيع
التي يطلق
عليها
القرآن
الكريم
مصطلح
الفساد ،
تشمل
الظواهر
الانسانية
العامة و
الواسعة
التي يصح
اطلاق (
الفساد في
الأرض ) عليها. و
قد نجد أن
القرآن
الكريم
ينتقد أو
يحذّر من بعض
الظواهر
ويطلق عليها
لفظ الفساد ،
و هي لا تتصف
بتلك السعة و
الشمولية ،
لكن عمق
خطرها و
أثرها السيء
إلي فساد
المجتمع كله
، أو الحضارة
السائدة ،
بحيث يمكن أن
تدخل تحت
عنوان
الفساد في
الأرض. الفساد
و الكفر مما
سبق يمكن أن
نقول : إن
موضوع
الفساد غير
موضوع الكفر
، فالكفر
مجاله الظلم
و الخطأ في
المعتقد ، و
الجحود
بالله
وكفران
نعمته ، أمّا
الفساد
فموضوعه عمل
الانسان و
فعله و نتاجه
و علاقاته و
روابطه. إن
مما لا شك فيه
أن المعتقد
سواء كان
الإيمان أو
الكفر يلقي
ظلاله علي
السلوك و
العمل ، و
مجمل حياة
الانسان و
ارتباطاته
المختلفة ،
سواء مع
الطبيعة أو
مع الانسان ،
إلاّ أن
ظاهرة
الفساد كما
تشير اكثر
الآيات
القرآنية
تتعلق بسلوك
الانسان و
تجاوزاته
كظاهرة
اجتماعية. الفساد
و الظلم يستعمل
القرآن
الكريم
مصطلح ( الظلم
) في موارد
كثيرة و
استعمالات
متعددة ،
فمصطلح (
الظلم ) يشمل
القرآن
الكريم ظلم
الانسان
نفسه بالكفر
و الجحود و
المعصية ، و
ظلمه أخاه
بتعديه علي
حقوقه ، ظلم
الحاكم
للمجتمع
بقهره و
استعباده ، و
ظلم مجتمع
لمجتمع
بالعدوان
عليه ، و ظلم
مجتمع أو قوم
لنبي
بتكذيبه و
محاربة
دعوته. و يبدو
أن الفساد قد
يشترك مع بعض
أشكال الظلم
الذي يكون
موضوعه
المجنمع ،
فيزعزع
استقراره و
تماسكه
وانسجامه
ككل. و سوف
نتناول هذا
الموضوع
بشيء من
التفصيل عند
بحث مصطلح
الظلم في
القرآن
الكريم. الفساد
و الإصلاح لعلّ
ما يقابل
مصطلح (
الفساد) في
القرآن
الكريم هو
مصطلح (
الإصلاح ) ، و
قد اقترن
كثير من
الآيات التي
تذكر الفساد
في الأرض
بموضوع
الاصلاح ،
حيث ذكر في
اكثر من مورد
» بعد إصلاحها
« ، أو » ينهون
عن الفساد في
الأرض « ، أو »
يفسدون في
الأرض و لا
يصلحون « و ما
شابه من
الموارد. السؤال
الذي يطرح
هنا هو إلي أي
صلاح تشير
هذه الآية : » و
لا تفسدوا في
الأرض بعد
إصلاحها « ؟
حيث يفهم أن
هناك حالة
صلاح ، و ما
يعني من
استقرار و
سلام و توازن
و عدالة و
اتساق في
الموازين ، و
أن هناك
علمية افساد
و خراب لهذا
الصلاح و
الاتساق و
التوازن. قد
يكون
الإصلاح
الذي تشير
إليه الآية
الكريمة هو
الصلاح
الطبيعي و
الفطري
و التكويني
الذي خلق
الله عليه
الممكنات : »
الذي أحسن كل
شيء خلقه « ، و »
الذي خلق
فهدي « ، أي
الإشارة إلي
واقع الصلاح
الذي يعم
نظام الخلق و
الكون. و
الاحتمال
الآخر الذي
يمكن ذكره في
واقع
الاصلاح هنا
، هو الاشارة
إلي دور
الذنبياء في
حفظ
الاعتدال و
الاستقامة
في
المجتمعات
الانسانية ،
فقد كانوا u
سبباً في حفظ
الوجود
الانساني و
كيانه
الاجتماعي و
استمرار
النظام
الكوني. و
يمكن أن تكون
الاشارة إلي
الأمرين
معاً ،
الصلاح
الفطري و
التكويني ،و
الإصلاح
الإرشادي
التبليغي
بفعل الرسل
و الانبياء و
الأولياء و
المصلحين ،
الذين لو لا
هم لساخت
الأرض بمن
فيها. من
الفساد في
الأرض :
التهديد
للتماسك
المجتمع إن
هناك حاجات
رئيسية و
حقوقاً
أساسية
يضمنها هذا
الاجتماع ، و
لو لاها لا
يمكن لهذا
التجمع أن
يستمر نحو
أهدافه ،و هي
حاجات
طبيعية
تفرضها حالة
الانسان
الطبيعة ، من
غذاء ، وسكن ،
و أمن ، بغض
النظر عن
هويته
الفكرية و
السياسية ، و
تصاغ
الأنظمة و
القوانينن و
الأعراف و
المواثيق و
العهود
لتحفظ أمن
المجتمعع
وسلامته
داخلياً و
خارجياً من
جيرانه ، و
كذلك لتأمين
وضع اقتصادي
يضمن سبل
المعيشة
المناسبة و
تطورها ،
لأفراد
المجتمع
مأويً أو
سكناً
مناسباً ، و
يؤمن لهم و
لأولادهم
حياة كريمة
محترمة . جميع
هذه القضايا
و ما يشابهها
تدخل في ضمن
الأمور
الحسبية ،
التي تعد من
بركات
المجتمع
الانساني و
عوامل وجود
المجتمعات ،
و لها الأثر
في حفظ
استمرار
المجتمع ، و
لذا فهذه
الحاجات و
الضمانات (
الأمنية و
الاقتصادية
و
الاجتماعية )
تعد حقوقاً
أساسية في كل
مجتمع ، و أي
تهديد لهذه
الحاجات أو
خلل في
تلبيتها أو
كفايتها ، و
ذلك من خلال
إضعاف عوام
وجوده ، و شلّ
روابطه التي
تحفظ
استمراره و
استقراره ، و
إحداث خلل
بالمواثيق و
الاتفاقات و
العهود بين
أفراده ،
يعّد
تعدّياً علي
تلك الحقوق . القرآن
الكريم يسمي
التهديد
لهذه
الحاجات
الأساسية ، و
الإخلال
بهذه
المواثيق و
الروابط
التي تحفظ
تماسك المجتمع
، و التي تشكل
البنية
التحتية لأي
مجتمع مدني ،
بالافساد في
الأرض ، وهي
عملية
مستهجنة و
يقدّر عموم
أفراد
المجتمع
خطرها و
آثارها
المدمرة ،
ولذا اعتبر
الحفاظ علي
هذه الوحدة
الاجتماعية
المستندة
لهذا العامل
أمراً
مطلوباً من
الجميع ؛
لأنها تمس
حياتهم
جميعاً . و
يتعرّض
القرآن بشكل
مفصّل تحت
عنوان
الإفساد في
الأرض إلي
ضمانات
الأمن
الاجتماعي
،و خصوصاً
الداخلي
منه ، و كذلك
يتعرض إلي
الحاجات
الاقتصادية
و سلامتها ،
كما يتعرض
إلي
المواثيق و
العهود و
الروابط
التي تحفظ
المجتمع ، و
إلي خطر
تجاوز
العهود و
انحلال
الروابط. و
هناك جانب
آخر من حفظ
المجتمع و
استمراره
وتكامله
يرتبط بنوع
المثل
الأعلي لذلك
المجتمع ، و
الروح
الثقافية
التي تبلور
شخصية و وجود
هذا الكيان
الاجتماعي ، و اثر ذلك
علي استمرار
المجتمع و
تكامله ، و
الخلل في
نوعية المثل
الأعلي الذي
يشكل هوية كل
مجتمع و التي
تنعكس آثاره
علي تماسكه ،
فنوعع
المنهج و
النظام
السياسي
السائد ، و
مدي ارتباطه
بالله و
سيادته و
مولويته علي
كل جوانب
الحياة ،
تفاعل
المجتمع
معها
بالطاعة و
القرب و
الحركة
التكاملية
باتجاه الله
وصفاته ،
ينعكس ذلك
علي آثار هذا
القرب من
الحق علي
سعادة هذا
المجتمع و
رقيه و
تماسكه (*)
:» و الذين
جاهدوا فينا
لنهدينهم
سبلنا «. إن
علمية
الهداية و
الإرشاد
التي يقوم
بها
الأنبياء و
الأولياء و
الصصالحون ،
و التي
تستهدف نقل
المجتمع من
حالة إلي
حالة أرقي و
أكثر كمالاً
، قد تؤدي في
آثارها إلي
تغيرات في
الروابط
الاجتماعية
و المواقع و
الأدوار ،
مما تنعكسس
آثارها علي
الاتفاقات و
الإعراف و
القيمم
السائدة و
التي كان لها
أثر في
استمرار
المجتمع
وبقائه ،
فتبدو و
كأنها تهدد
وحدة الكيان
السائد
فعلاً ، و لذا
يحاول
الفراعنة
علي طول
التاريخ أن
يموهوا علي
الأمة و
يخلطوا بين
العامل
الأول (
الحاجات
الأساسية و
تلبيتها ) ، و
العامل
الثاني (
نوعية المثل
الأعلي ) ، من
أجل كسب عامة
الناس و
بسطائهم
لدعم مواقع
الفراغة و
أصحاب
المصالح و
الملأ
المرتبطين
بهذا النظام
و مؤسساته ،
كي تستمر
الحالة
السائدة. و
يصفون عملية
الهداية
بأنها تهديد
للمجتمع ، و
مس بحاجاته
المختلفة و
وحدته و
روابطه ، و
يرون أن
الأنبياء و
الأولياء و
ذتباعهم
يفرّقون بين
الأب وابنه ،
و أنهم
إرهابيون
بثبرون
الفتن و
المشاكل. و
إذا لا حظنا
اتهامات
فرعون لموسي
، و هي
اتهامات كل
الفراعنة ـ
بغض النظر عن
الزمان و
المكان ـ
للرسل و
أصحابهم و
أتباعهم نجد
أنها كانت
تمثل في
جوهرها
عملية خلط و
تمويه بين
العامل
الأول و
العامل
الثاني : إذ حاول
أن يدرج
العامل
الثاني ضمن
الأول الذي
هو تهديد
وحدة
المجتمع و
استقراره
( الفساد في
الأرض ) : » و قال
فرعون ذروني
أقتل موسي
وليدع ربه
إني أخاف أن
يبدل دينك أو
أن يظهر في
الأرض
الفساد « . » و
قال الملأ من
قوم فرعون
أتذر موسي و
قومه
ليفسدوا في
الأرض و يذرك
و آلهتك «. نوع
الأنظمة
السياسية و
الفساد في
الأرض القرآن
الكريم يشير
إلي مسألة
النظام
السياسي
بالخصوص و
ذثره في
تمزيق
المجتمع و
تفتيت و حدته
و تهديد
كيانه ، التي
هي بمجموعها
عملية إفساد
للمجتمع و
إفساد في
الأرض . و
القرآن
الكريم تارة
يطرح مسألة
الحاكم ،
تارة طبيعة
الحكم ، و
يشير
بالخصوص إلي
ظاهرة
الطغيان ، و
الاسراف ،
والتعالي و
التكبّر و
احتقار
الآخرين ،
التي تبدو
عادة من
الحكام ضمن
الأنظمة
السياسية
المستبدة ،
التيي تكون
فيها أجهزة
الحكم و
السلطة و
قدرتها في
خدمة شخص
الحاكم لا
الأمة ، و
تسحق فيها
مصالح
الأمامة و
كرامتها
لتحقيق
مصالح شخص
الحاكم و
كرامته ، و
تعتبر نزوات
الحاكم
قرارات ، و
شهواته
مصالح أمة ،
بل تصبح
الأمة بكل
جهودها و
قيمه أسيرة
ما يضفيه
الحاكم
عليها من
وجود و قيم. القرآن
يطرح قضية
فرعون و
هامان
نموذجاً
للأنظمة
المستبدة
التي أفسدت
في الأرض : »
لا أراكم
إلاّ أري « . »
أنّ فرعون
لعالٍ في
الأرض و أنه
لمن
المسرفين «. »
إنّ فرعون
علافي الأرض
و جعل أهلها
شيعاً
يستضعف
طائفة منهم
يذبّح
أبناءهم و
يستحيي نساء
هم إنه كان من
المفسدين «. هذه
الآية تشير
إلي أثر
الأنظمة
المستبدة و
الفردية في
تمزيق
المجتمع » جعل
أهلها شيعاً «
، و عدم
تماسكه و
شيوع
الاختلافات
الواسعة فيه
، و إلي منهج
هذه الأنظمة
الظالمة و
المفسدة في
الاعتماد
علي طائفة في
ضرب الطائفة
الأخري ؛ كي
يبقي الحاكم
فوق الجميع ،
فهناك فيي
مجتمع
الفراعنة
الملأ ، أعون
الظلمة
المتحكمون ،
و الطائفة
الأوسع التي
يقع عليها
الحيف و
الظلم و
التجاوز و
الإرهاب و
الطغيان ، و
لعلّ هذا من
أوضح عمليات
الإفساد و
التخريب
التي تقوم
بها الأنظمة
و الحكام
المفسدون
الفاسقون. القرآن
الكريم أشار
إلي حقيقة
اجتماعية و
سياسية مهمة
، و لفت
الأذهان و
الانظار إلي
أثر الأنظمة
السياسية
الظالمة في
تخريب وحدة
المجتمعات و
سقوطها ، و
ضعف روابطها
و تمزيقها.
القرآن
الكريم يقول
صراحة إن سبب
فساد
المجتمعات
بالمعني
الذي اشرنا
إليه ، هو
الأنظمة
السياسية
المستبدة و
طغيان
الحكام : »
الذين طغوا
في البلاد
فأكثروا
فيها الفساد «
. » إن يأجوج و
مأجوج
مفسدون في
الارض « . » و إذا
تولي سعي في
الأرض
ليفسد فيها و
يهلك الحرث و
النسل «. و
يجعل الخلاص
من الحكام
الفاسقين
طريقاً إلي
سعادة
المجتمع و
استقراره ، و
إن الحكام
الظلمة هم
سبب خراب
العباد و
البلاد. نماذج
قرآنية
للفساد في
الأرض الجنسية
المثلية : يذكر
القرآن
الكريم
مصداقاً
للفساد في
الأرض ضمن
دعوات قوم
لوط وقوم
شعيب ،
فالقرآن
يعتبر أن قوم
لوط من
مصاديق
الإفساد فيي
الأرض ، و هذا
العمل
الشائن يؤدي
بالاضافة
إلي الأمراض
المختلفة ،
إلي تهديد
النسل و
استمرار
الوجود
البشري بما
لا يحتاج إلي
بيان. و
الموضوع
يطرح فيي
عنوانه
الكبير تحت
عنوان »
المشكلة
الجنسية «
التي أصبحت
في حضارة
اليوم
معلماً
بارزاً و
سيئاً و
خطيراً ، و لا
سيما في
الحضارة
العربية
التي تحكم
العالم
اليوم ، و
الجنسية
المثلية
التي يريد
الغرب أن
يقننها
كظاهرة
انسانية
مقبولة ،
يعتبرها
القرآن من
مصاديق و
نماذج »
الإفساد في
الأرض « ، و
آثار هذه
الظاهرة و
خرابها الآن
يعم كل الأرض
بما أفرزته
من أمراض
عجيبة ، و
لعلّ هذه
المشكلة و
شيوعها و
تعقدّها
تعتبر
معلماً
مهماً في
حساب درجة
الإفساد في
الأرض ، و ما
تعشيه حضارة
الغرب التي
تريد أن تلقي
بظلالها
السيئة علي
كل العالم ،
نموذج جلي
لانهيار
المجتمع و
فساده و
تفككه. و
الإحصائيات
العديدة
لآثار هذه
الظاهرة
السيئة تملء
الصحف. الغش
و غياب
الأمانة
السوفية : من
المصاديق
التي يتعرض
لها القرآن
الكريم
نموذج غياب
الأمانة في
الأسواق ،
كظاهرة الغش
في الانتاج (
سوء الانتاج )
، و السرقة في
البيع و عدم
الصدق في
العقود. إن
المعاملة
الاقتصادية
من بيع و شراء
و إيجار و
مضاربة و
ماشابه من
ألوان
التعامل
السوقي ،
التي هي عقود
بين طرفين أو
أكثر ، إذا
حكمها الصدق
في التعامل ،
و عدم
التجاوز علي
حقوق
الآخرين ، و
التزام كل
طرف بما
يقضيه العقد
، فإن
التعامل
الاقتصادي و
التجاري سوف
يكون ناشطاً
و فاعلاً و
بعيداً عن
الخداع و
الاعتداء و
الغبن و
التدليس ، و
ما شابه من
ألوان
التعامل غير
الأمين ، مما
يعود علي
السوق بمزيد
من الأموال و
القدرة
المالية و
زيادة
الانتاج ، و
التداول في
نوعية
الانتاج
الجيّد و
التنافس في
هذا الأداء و
ينعكس ذلك
علي شيوع قيم
الثقة و
الصدق في
المجتمع ،
مقابل قيم
الجشع و
الظلم و
الاعتداء و
عدم الثقة
بين أفراد
المجتمع ، و
هي من
المسائل
المهمة فيي
حفظ المجتمع
و استقراره ،
في مقابل قيم
الظلم و الغش
التي تؤدي
إلي زعزعة
الروابط
الاجتماعية
و تماسك
المجتمع ،
ويهدد
استقراره ، و
هو أوضح صور
الفساد في
الأرض. فقدان
الأمن : إن
الشعور
بالحماية و
الأمن و
الشعور
بالاطوئنان
من الحاجات
الاساسية في
أي مجتمع ، و
فقدانها بأي
صورة تحول
المجتمع إلي
مجموعة
كيانات
متشرنقة حول
نفسها ، تسعي
لحماية
نفسها و
الدفاع عن
مصالحها. إن
شيوع ظاهرة
الاعتداء و
التجاوز و
القتل تجعل
المجتمع في
رعب دائم ، و
خوف علي
الحاضر و
المستقبل ،
مما يجعل
الحياة بدون
أمل ، و غير
قابلة
للتطور. نقض
العهود و
المواثيق و
العقود : القرآن
الكريم يعطي
للعهود و
العقود
احكاماً
خاصة ، تكشف
عن حرص
القرآن
الكريم علي
إنفاذ القود
، و الايفاء
بها و
الالتزام
بمضمونها و
تحمّل
آثارها و
تبعاتها. العقود
والعهود
ظاهرة
اجتماعية
ملازمة
للانسان ،
يحفظ بها
الانسان
وجوده ، و
يحنمي بها
لتدبير
معاشه و أمنه
و وجوده ، و
لذا
فالاسلام
أعطاها و
موقعية خاصة. العقود
و العهود
تارة تكون
بين الأفراد
لشؤون شخصية
و فردية ، و
تارة تكون
بين أمم ودول
و تخص
مصالحها و
آثارها
مجموع الأمة
ككل و ليس
فرداً فرداً
، و ثالثة
تكون بين
الأمة
كقانون و عرف
و عقد
اجتماعي
يلزم الجميع
به. و يسمي
القرآن كذلك
العلاقة بين
الانسان و
الله ، و
الرابطة
التي تحكم
التزام
الفرد به
سبحانه
بالعهد و
الميثاق. أما
ما يتعلق
بموضوع
بحثنا و هو (
الفساد في
الأرض ) ، و
ارتباطه مع
موضوع نقض
العقود و
العهود ،
سواء كانت
فردية أو
أممية أو
اجتماعية ،
فيمكن القول
إن القرآن
الكريم قد
قرن في مواضع
كثيرة في
الكتاب
العزيز بين
الفساد و بين
نقض العهود ،
بغض النظر عن
نوعية هذا
الاقتران ،
هل هو من باب
التلازم أو
التضمن ، و
علي أي شكل
كان. المهم في
الموضوع أن
نجد في نقض
العهود و
العقود
فساداً في
الارض. و
معني الفساد
الذي أشرنا
إليه في
مضامينه هو
حالة الخراب
و التفكك و
ضعف
الارتباط
التي تسود
المجتمع ، و
التجاوز علي
حقوق
الآخرين ،
التي من
مجموعها نجد
فيها نقضاً
لعهد و عقد،
سواء كان هذا
النقضض مع
الله أو مع
الأمة أو بين
الناس أو بين
الافراد. من
هنا يمكن
القول إن نقض
العهود و
العقود بأي
شكل كان هو
فساد في
الأرض ، و
خراب لذلك
المجتمع أو
المؤسسة أو
الدولة ، و
يمكن لنا أن
نستشف
مستقبل و
مصير أي تجمع
من خلال هذه
الظاهرة
المريضة ( عدم
الايفاء
بالعقود )
لنحكم علي
نهايته و
مآله . إن
القرآن
الكريم يعطي
لليهود صفة
نقض العهد ،
وصفة
الإفساد ، و
في ذلك اشارة
إلي سجية
اليهود كأمة
في تعاملها
مع باقي
الأمم و
نقضهم
للمواثيق ، و
ما يستلزم
ذلك من
اعتداء
و تعدي و
حروب
فيكونون
بذلك اهل
لصفة الفساد
و الإفساد في
الأرض. و في مقابل ذلك نجد أن القرآن الكريم يفرض علي المجتمع المسلم و الدولة الالتزام بالعهود التي تبرمها مع الآخرين ، و حتي في الأحكام الفردية تؤكد الشريعة علي الالت |