مصطلح الفساد في القرآن الكريم

مصطلح ( الفساد ) في القرآن الكريم لا يدل علي ما هو متعارف عليه في أذهان عامة الناس ، م أنّ كلمة الفساد تعني عدم الالتزام الشرعي ، و بخاصة فيما يتعلق بموضوع الأحكام الشرعية ، التي تتعلق بالسلوك الشخصي للانسان ، كشرب الخمر و الزني و عدم أداء الفرائض وسوء الذخلاق و ما شابه.

إن المعني الذي يطرحه القرآن الكريم لهذا المصطلح ، أو سع بكثير مما هو متعارف عليه في أذهان عموم االناس.

لانسان و ظاهرة الفساد

إن الانطباع الأول الذي تبادر عند الملائكة حينما خلق الله آدم ، و أخبر هم أنه جاعل في الأرض خليفة ،كان استفهاماً استغرابياً عن إنشاء هذا المخلوق الجديد ، و ذلك قولهم :» أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء « .

فعل كانت الأرض مكاناً يسوده الاطمئنان و السلام و الهدوء ، لا فساد فيها و لا خراب ، و لا تجاوز و لا تعدًّ . حتي كان هذا المخلوق المكرّم عند الله هو مبدأ الفساد و سفك الدماء؟ حيث عرّفته الملائكة بهذين الذمرين المستهجنين ، و كان من الرد الرباني علي هذا الاستغراب الملائكي :» إني أعلم ما لا تعلمون « ، إشارة إلي سر في هذا المخلوق ، و حكمة في وجوده علي الارض و طبيعته و مسيرته و تكامله فيها ، و لعلّ في الجواب الالهي للملائكة اقراراً بهذا الجانب في الظاهرة الانسانية ، و كأن الفساد و سفك الدماء ملازمان لطبيعة الانسان ، بما تملكه من قدرة علي الاختيار و الارادة و التجاوز : » إنا هديناه السبيل إمّا شاكراً و إمّا كفوراً «.

 و في هذا المشهد القرآني الذي يقصّ علينا خلق الانسان ، و موقف الملائكة فيه ، يمكن أن نثبت عدة قضايا و أفكار و ملاحظات نجدها منتشرة في ثنايا آيات الله ، بشكل مباشر أو إشارات أو تأكيدات ، و بهذا نجد القرآن يفسر بعضه بعضاً ، و نجده نسيجاً واحداً يتحدث عن حقائق مترابطة و متكالمة في منظومة خاصة.

بعد هذه المقدمة التي جعلناها مدخلاً لبحثنا ، و خرجنا منها بحقبقة أن الفساد ظاهرة انسانية ، تحكمها قوانين الانسان فرداً و مجتمعاً ، و أن ما يقابل هذه الظاهرة هو الصلاح و الإصلاح ، و أن حركة التضاد الموجودة بين هاتين الظاهرتين هي من الهوامل التي تحكم مسيرة الأمم علي الأرض ، و من ثم تحكم مسيرة الانسان و نهاية الأرض :

» و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الارض يرثها عبادي الصالحون «.

المعني اللغوي للفساد

لعلّ من المفيد تناول المعني اللغوي للفساد من خلال معاجم اللغة ، لنقارن بينه و بين استعمال القرآن لهذا المصطلح.

قال اين منظور : »الفساد نقيض الصلاح و تفاسد القوم : تدابروا و قطعوا الأرحام و استفسد السلطان قائده إذا أساء إليه حتي استعصي عليه ، و المفسدة خلاف المصلحة ، و الاستفساد خلاف الاستصلاح« (1) .

و عن الراغب : » الفساد خروج الشيء عن الاعتدال ، قليلاً  كان الخروج عنه أو كثيراً «(2) ، و يضاده الصلاح ، و يستعمل ذلك فيي النفس و البدن و الأشياء الخارجة عن الاستفادة.

و إذا حللنا ما أورده علماء اللغة يمكن أن نخلص إلي أن الأشياء لها وظائف تؤديها ، و مهامّ تقوم بها ، و أدوار متوقعة منها ، و هذا هو صلاحها ، فعند وجود خلل أو نقص في أداء الشيء لهذه الوظيفة أو المهمة أو الدور ، يمكن أن نقول عنه دنه فسد ، و هذا الخلل ناتج من خروج الشيء نفسه عن وضعه المتعارف عليه ، فهو خلل أو خروج عن الاعتدال و الاستقامة من داخله ، أي إن لكل شيء مهمته المناسبة له ، ففساد الآلة بخرابها ، و الجسم بمرضه وضعفه ، و الثمرة بفقدان طعمها ، و الدولة بنكوصها عن أداء مهماتها ، و ذلك بعدم انسجام أعضاء مجتمعها ، و تنافر مجاميعه و فقدان الأمن و الوحدة الاجتماعية اللذين يحفظانن تماسكه.

 و الفساد أمر مرفوض و مستهجن بالوجدان ، و عند العقل العلمي بشكل عام ، فإن النفس لا تميل إليه و لا تسعي له ، كما هو حال كثير من القضايا التي يحسنها العقل أو يقبّحها ، بغض النظر عن مصاديقها ، و كذلك الحال في الصلاح الذي هو أمر مرغوب و مقبول و تميل له النفس ، و لذا نجد الانسان يرفض صفة الفساد في الأشياء و ينفر منها و يسعي إلي إصلاحها إن أمكنه.

الاستعمال القرآني للفساد

من خلال تناول القرآن الكريم لهذا المصطلح . إن القرآن الكريم لا يستعمل مصطلح الفساد بمعناه الشرعي الخاص فقط ، فقد نقله تارة عن لسان العصاة و الظالمين في وصفهم لحركة الأنبياء و الصالحين ،كما في وصف أتباع فرعون لدعوة موسي و حركته الاصلاحية بقولهم : » أتذر موسي و قومه ليفسدوا في الأرض « ، أو وصف فرعون لدعوة موسي بقوله : »ذروني أقتل موسي وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد « ، أو قول بلقيس في وصف عمل الملوك : » إنّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها و جعلوا أعزة أهلها أذلة «.

 و تارة يستعملها معبراً عن رأي السماء و الشريعة في وصف الطغاة أو الخارجين عن الشريعة ، أو في التحذير من عمل يؤدي إلي الفسساد ، كقوله تعالي : »تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض و لا فساداً« (3) ، قوله : » إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض و فساد كبير « (4) ، و قوله : » و إذا تولي سعي في الأرض ليفسد فيها «.

فيمكن القول : إن مصطلح الفساد في القرآن الكريم يصف حالة معينة عامة ، ينقل تارة عن لسان المتشرعة ، و تارة عن عامة الناس ، و تارة عن المناوئين للرسالة . و قد يكون لكل مدرسة و اتجاه فلسفي أو سياسي تحديد خاص لمضمون هذا المصطلح ، و تفسير لهذه الظواهر و تقييم خاص لها ، و فهم لطريقة علاجها و التعامل معها ، و قد يلاحظ الموضوع بزوايا مختلفة حسب توجه الناظر و تقييمه وفق فهمه و مصلحته.

الفساد في الأرض

 هناك شبه تلازم في القرآن الكريم بين مصطلح ( الفساد ) و بين كلمة ( الأرض ) ، و إذا قمنا بعلمية إحصائية بسيطة ، فسوف نجد أن الكتاب الحكيم استخدم كلمة ( الفساد ) و تصريفاتها بحدود خمسين مرة ، و في جميع هذه الاستخدامات كان يرد فيها اسم الأرض أو اشارة اليها ، ما عدا إحدي عشرة مرة لم يرد فيها ذكر الأرض : لأن الاستعمال كان في معرض وصف عمل المفسدين و عاقبته : » فانظر كيف كان عاقبة المفسدين « ، أو في معرض الدعاء :» قال ربي انصرني علي القوم المفسدين « ، أو في معرض بيان إحاطة العلم الالهي : » و ربك أعلم بالمفسدين « ، و تكرر هذا المقطع اكثر من مرة ، فيكون الاستعمال الاكثر تكراراً . و في مختلف صور استعمال كلمة الفساد جاءت مقترنة بكلمة الأرض ، و هو الغالب في الاستخدام القرآني ، و جاءت مرة مقترنة بذكر البر و البحر ، و مرة أضيفت السموات إلي الأرض . و بذلك يمكن القول : إن الاستعمال الغالب الذيي به يمكن أن يشكل مصطلحاً قرآنياً ذا معنيً خاص و مضمون محدود ، يمكن استكشافه من دراسة عموم الآيات و سياقها ، التي ورد فيها ذكر الفساد مقترناً بكلمة الأرض ، كما نلاحظ هذه المجموعة من الآيات : » و لا تبغ الفساد في الأرض «. » مفسدون في الأرض «. »و لا تعثوا في الأرض مفسدين « . » أو أن يظهر في الأرض الفساد «. » لتفسدن في الأرض مرتين « . » و لا تفسدوا في الأرض «. » ما جئنا لنفسد في الأرض «. » و يسعون في الأرض فسادا « . » كالمفسدين في الأرض «. » فساداً في الأرض « .» لفسدت الأرض «.

نخلص من هذا الاستعراض أن ذكر الأرض إشارة إلي عموم وسعة ما يشمله موضوع الفساد ، فظاهرة الفساد التي يشير إليها القرآن الكريم ليست ظاهرة فردية أو شخصية ، أو محدودة بمجتمع ضيق أو حالة معينة خاصة ، بل هي ظاهرة تعم المجتمع الانساني بغاليته ، فالمواضيع التي يطلق عليها القرآن الكريم مصطلح الفساد ، تشمل الظواهر الانسانية العامة و الواسعة التي يصح اطلاق ( الفساد في الأرض ) عليها.

و قد نجد أن القرآن الكريم ينتقد أو يحذّر من بعض الظواهر ويطلق عليها لفظ الفساد ، و هي لا تتصف بتلك السعة و الشمولية ، لكن عمق خطرها و أثرها السيء إلي فساد المجتمع كله ، أو الحضارة السائدة ، بحيث يمكن أن تدخل تحت عنوان الفساد في الأرض.

الفساد و الكفر

مما سبق يمكن أن نقول : إن موضوع الفساد غير موضوع الكفر ، فالكفر مجاله الظلم و الخطأ في المعتقد ، و الجحود بالله وكفران نعمته ، أمّا الفساد فموضوعه عمل الانسان و فعله و نتاجه و علاقاته و روابطه.

إن مما لا شك فيه أن المعتقد سواء كان الإيمان أو الكفر يلقي ظلاله علي السلوك و العمل ، و مجمل حياة الانسان و ارتباطاته المختلفة ، سواء مع الطبيعة أو مع الانسان ، إلاّ أن ظاهرة الفساد كما تشير اكثر الآيات القرآنية تتعلق بسلوك الانسان و تجاوزاته كظاهرة اجتماعية.

الفساد و الظلم

يستعمل القرآن الكريم مصطلح ( الظلم ) في موارد كثيرة و استعمالات متعددة ، فمصطلح ( الظلم ) يشمل القرآن الكريم ظلم الانسان نفسه بالكفر و الجحود و المعصية ، و ظلمه أخاه بتعديه علي حقوقه ، ظلم الحاكم للمجتمع بقهره و استعباده ، و ظلم مجتمع لمجتمع بالعدوان عليه ، و ظلم مجتمع أو قوم لنبي بتكذيبه و محاربة دعوته. و يبدو أن الفساد قد يشترك مع بعض أشكال الظلم الذي يكون موضوعه المجنمع ، فيزعزع استقراره و تماسكه وانسجامه ككل. و سوف نتناول هذا الموضوع بشيء من التفصيل عند بحث مصطلح الظلم في القرآن الكريم.

الفساد و الإصلاح

لعلّ ما يقابل مصطلح ( الفساد) في القرآن الكريم هو مصطلح ( الإصلاح ) ، و قد اقترن كثير من الآيات التي تذكر الفساد في الأرض بموضوع الاصلاح ، حيث ذكر في اكثر من مورد » بعد إصلاحها « ، أو » ينهون عن الفساد في الأرض « ، أو » يفسدون في الأرض و لا يصلحون « و ما شابه من الموارد.

السؤال الذي يطرح هنا هو إلي أي صلاح تشير هذه الآية : » و لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها « ؟ حيث يفهم أن هناك حالة صلاح ، و ما يعني من استقرار و سلام و توازن و عدالة و اتساق في الموازين ، و أن هناك علمية افساد و خراب لهذا الصلاح و الاتساق و التوازن.

قد يكون الإصلاح الذي تشير إليه الآية الكريمة هو الصلاح الطبيعي و الفطري  و التكويني الذي خلق الله عليه الممكنات : » الذي أحسن كل شيء خلقه « ، و » الذي خلق فهدي « ، أي الإشارة إلي واقع الصلاح الذي يعم نظام الخلق و الكون.

و الاحتمال الآخر الذي يمكن ذكره في واقع الاصلاح هنا ، هو الاشارة إلي دور الذنبياء في حفظ الاعتدال و الاستقامة في المجتمعات الانسانية ، فقد كانوا u سبباً في حفظ الوجود الانساني و كيانه الاجتماعي و استمرار النظام الكوني.

و يمكن أن تكون الاشارة إلي الأمرين معاً ، الصلاح الفطري و التكويني ،و الإصلاح الإرشادي التبليغي  بفعل الرسل و الانبياء و الأولياء و المصلحين ، الذين لو لا هم لساخت الأرض بمن فيها.

من الفساد في الأرض : التهديد للتماسك المجتمع

 إن هناك حاجات رئيسية و حقوقاً أساسية يضمنها هذا الاجتماع ، و لو لاها لا يمكن لهذا التجمع أن يستمر نحو أهدافه ،و هي حاجات طبيعية تفرضها حالة الانسان الطبيعة ، من غذاء ، وسكن ، و أمن ، بغض النظر عن هويته الفكرية و السياسية ، و تصاغ الأنظمة و القوانينن و الأعراف و المواثيق و العهود لتحفظ أمن المجتمعع وسلامته داخلياً و خارجياً من جيرانه ، و كذلك لتأمين وضع اقتصادي يضمن سبل المعيشة المناسبة و تطورها ، لأفراد المجتمع مأويً أو سكناً مناسباً ، و يؤمن لهم و لأولادهم حياة كريمة محترمة . جميع هذه القضايا و ما يشابهها تدخل في ضمن الأمور الحسبية ، التي تعد من بركات المجتمع الانساني و عوامل وجود المجتمعات ، و لها الأثر في حفظ استمرار المجتمع ، و لذا فهذه الحاجات و الضمانات ( الأمنية و الاقتصادية و الاجتماعية ) تعد حقوقاً أساسية في كل مجتمع ، و أي تهديد لهذه الحاجات أو خلل في تلبيتها أو كفايتها ، و ذلك من خلال إضعاف عوام وجوده ، و شلّ روابطه التي تحفظ استمراره و استقراره ، و إحداث خلل بالمواثيق و الاتفاقات و العهود بين أفراده ، يعّد تعدّياً علي تلك الحقوق .

القرآن الكريم يسمي التهديد لهذه الحاجات الأساسية ، و الإخلال بهذه المواثيق و الروابط التي تحفظ تماسك

المجتمع ، و التي تشكل البنية التحتية لأي مجتمع مدني ، بالافساد في الأرض ، وهي عملية مستهجنة و يقدّر عموم أفراد المجتمع خطرها و آثارها المدمرة ، ولذا اعتبر الحفاظ علي هذه الوحدة الاجتماعية المستندة لهذا العامل أمراً مطلوباً من الجميع ؛ لأنها تمس حياتهم جميعاً . و يتعرّض القرآن بشكل مفصّل تحت عنوان الإفساد في الأرض إلي ضمانات الأمن الاجتماعي ،و خصوصاً  الداخلي منه ، و كذلك يتعرض إلي الحاجات الاقتصادية و سلامتها ، كما يتعرض إلي المواثيق و العهود و الروابط التي تحفظ المجتمع ، و إلي خطر تجاوز العهود و انحلال الروابط.

و هناك جانب آخر من حفظ المجتمع و استمراره وتكامله يرتبط بنوع المثل الأعلي لذلك المجتمع ، و الروح الثقافية التي تبلور شخصية و وجود هذا الكيان الاجتماعي  ، و اثر ذلك علي استمرار المجتمع و تكامله ، و الخلل في نوعية المثل الأعلي الذي يشكل هوية كل مجتمع و التي تنعكس آثاره علي تماسكه ، فنوعع المنهج و النظام السياسي السائد ، و مدي ارتباطه بالله و سيادته و مولويته علي كل جوانب الحياة ، تفاعل المجتمع معها بالطاعة و القرب و الحركة التكاملية باتجاه الله وصفاته ، ينعكس ذلك علي آثار هذا القرب من الحق علي سعادة هذا المجتمع و رقيه و تماسكه (*) :» و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا «.

إن علمية الهداية و الإرشاد التي يقوم بها الأنبياء و الأولياء و الصصالحون ، و التي تستهدف نقل المجتمع من حالة إلي حالة أرقي و أكثر كمالاً ، قد تؤدي في آثارها إلي تغيرات في الروابط الاجتماعية و المواقع و الأدوار ، مما تنعكسس آثارها علي الاتفاقات و الإعراف و القيمم السائدة و التي كان لها أثر في استمرار المجتمع وبقائه ، فتبدو و كأنها تهدد وحدة الكيان السائد فعلاً ، و لذا يحاول الفراعنة علي طول التاريخ أن يموهوا علي الأمة و يخلطوا بين العامل الأول ( الحاجات الأساسية و تلبيتها ) ، و العامل الثاني ( نوعية المثل الأعلي ) ، من أجل كسب عامة الناس و بسطائهم لدعم مواقع الفراغة و أصحاب المصالح و الملأ المرتبطين بهذا النظام و مؤسساته ، كي تستمر الحالة السائدة. و يصفون عملية الهداية بأنها تهديد للمجتمع ، و مس بحاجاته المختلفة و وحدته و روابطه ، و يرون أن الأنبياء و الأولياء و ذتباعهم يفرّقون بين الأب وابنه ، و أنهم إرهابيون بثبرون الفتن و المشاكل.

و إذا لا حظنا اتهامات فرعون لموسي ، و هي اتهامات كل الفراعنة ـ بغض النظر عن الزمان و المكان ـ للرسل و أصحابهم و أتباعهم نجد أنها كانت تمثل في جوهرها عملية خلط و تمويه بين العامل الأول و العامل الثاني : إذ

حاول أن يدرج العامل الثاني ضمن الأول الذي هو تهديد وحدة المجتمع و استقراره  ( الفساد في الأرض ) : » و قال فرعون ذروني أقتل موسي وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينك أو أن يظهر في الأرض الفساد « . » و قال الملأ من قوم فرعون أتذر موسي و قومه ليفسدوا في الأرض و يذرك و آلهتك «.

نوع الأنظمة السياسية و الفساد في الأرض

القرآن الكريم يشير إلي مسألة النظام السياسي بالخصوص و ذثره في تمزيق المجتمع و تفتيت و حدته و تهديد كيانه ، التي هي بمجموعها عملية إفساد للمجتمع و إفساد في الأرض .

و القرآن الكريم تارة يطرح مسألة الحاكم ، تارة طبيعة الحكم ، و يشير بالخصوص إلي ظاهرة الطغيان ، و الاسراف ، والتعالي و التكبّر و احتقار الآخرين ، التي تبدو عادة من الحكام ضمن الأنظمة السياسية المستبدة ، التيي تكون فيها أجهزة الحكم و السلطة و قدرتها في خدمة شخص الحاكم لا الأمة ، و تسحق فيها مصالح الأمامة و كرامتها لتحقيق مصالح شخص الحاكم و كرامته ، و تعتبر نزوات الحاكم قرارات ، و شهواته مصالح أمة ، بل تصبح الأمة بكل جهودها و قيمه أسيرة ما يضفيه الحاكم عليها من وجود و قيم.

القرآن يطرح قضية فرعون و هامان نموذجاً للأنظمة المستبدة التي أفسدت في الأرض :

» لا أراكم إلاّ أري « . » أنّ فرعون لعالٍ في الأرض و أنه لمن المسرفين «. » إنّ فرعون علافي الأرض و جعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبّح أبناءهم و يستحيي نساء هم إنه كان من المفسدين «.

هذه الآية تشير إلي أثر الأنظمة المستبدة و الفردية في تمزيق المجتمع » جعل أهلها شيعاً « ، و عدم تماسكه و شيوع الاختلافات الواسعة فيه ، و إلي منهج هذه الأنظمة الظالمة و المفسدة في الاعتماد علي طائفة في ضرب الطائفة الأخري ؛ كي يبقي الحاكم فوق الجميع ، فهناك فيي مجتمع الفراعنة الملأ ، أعون الظلمة المتحكمون ، و الطائفة الأوسع التي يقع عليها الحيف و الظلم و التجاوز و الإرهاب و الطغيان ، و لعلّ هذا من أوضح عمليات الإفساد و التخريب التي تقوم بها الأنظمة و الحكام المفسدون الفاسقون.

القرآن الكريم أشار إلي حقيقة اجتماعية و سياسية مهمة ، و لفت الأذهان و الانظار إلي أثر الأنظمة السياسية الظالمة في تخريب وحدة المجتمعات و سقوطها ، و ضعف روابطها و تمزيقها. القرآن الكريم يقول صراحة إن سبب فساد المجتمعات بالمعني الذي اشرنا إليه ، هو الأنظمة السياسية المستبدة و طغيان الحكام : » الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد « . » إن يأجوج و مأجوج مفسدون في الارض « . » و إذا تولي سعي في  الأرض ليفسد فيها و يهلك الحرث و النسل «.

و يجعل الخلاص من الحكام الفاسقين طريقاً إلي سعادة المجتمع و استقراره ، و إن الحكام الظلمة هم سبب خراب العباد و البلاد.

نماذج قرآنية للفساد في الأرض

الجنسية المثلية :

يذكر القرآن الكريم مصداقاً للفساد في الأرض ضمن دعوات قوم لوط وقوم شعيب ، فالقرآن يعتبر أن قوم لوط من مصاديق الإفساد فيي الأرض ، و هذا العمل الشائن يؤدي بالاضافة إلي الأمراض المختلفة ، إلي تهديد النسل و استمرار الوجود البشري بما لا يحتاج إلي بيان.

و الموضوع يطرح فيي عنوانه الكبير تحت عنوان » المشكلة الجنسية « التي أصبحت في حضارة اليوم معلماً بارزاً و سيئاً و خطيراً ، و لا سيما في الحضارة العربية التي تحكم العالم اليوم ، و الجنسية المثلية التي يريد الغرب أن يقننها كظاهرة انسانية مقبولة ، يعتبرها القرآن من مصاديق و نماذج » الإفساد في الأرض « ، و آثار هذه الظاهرة و خرابها الآن يعم كل الأرض بما أفرزته من أمراض عجيبة ، و لعلّ هذه المشكلة و شيوعها و تعقدّها تعتبر معلماً مهماً في حساب درجة الإفساد في الأرض ، و ما تعشيه حضارة الغرب التي تريد أن تلقي بظلالها السيئة علي كل العالم ، نموذج جلي لانهيار المجتمع و فساده و تفككه. و الإحصائيات العديدة لآثار هذه الظاهرة السيئة تملء الصحف.

الغش و غياب الأمانة السوفية :

من المصاديق التي يتعرض لها القرآن الكريم نموذج غياب الأمانة في الأسواق ، كظاهرة الغش في الانتاج ( سوء الانتاج ) ، و السرقة في البيع و عدم الصدق في العقود. إن المعاملة الاقتصادية من بيع و شراء و إيجار و مضاربة و ماشابه من ألوان التعامل السوقي ، التي هي عقود بين طرفين أو أكثر ، إذا حكمها الصدق في التعامل ، و عدم التجاوز علي حقوق الآخرين ، و التزام كل طرف بما يقضيه العقد ، فإن التعامل الاقتصادي و التجاري سوف يكون ناشطاً و فاعلاً و بعيداً عن الخداع و الاعتداء و الغبن و التدليس ، و ما شابه من ألوان التعامل غير الأمين ، مما يعود علي السوق بمزيد من الأموال و القدرة المالية و زيادة الانتاج ، و التداول في نوعية الانتاج الجيّد و التنافس في هذا الأداء و ينعكس ذلك علي شيوع قيم الثقة و الصدق في المجتمع ، مقابل قيم الجشع و الظلم و الاعتداء و عدم الثقة بين أفراد المجتمع ، و هي من المسائل المهمة فيي حفظ المجتمع و استقراره ، في مقابل قيم الظلم و الغش التي تؤدي إلي زعزعة الروابط الاجتماعية و تماسك المجتمع ، ويهدد استقراره ، و هو أوضح صور الفساد في الأرض.

 

فقدان الأمن :

إن الشعور بالحماية و الأمن و الشعور بالاطوئنان من الحاجات الاساسية في أي مجتمع ، و فقدانها بأي صورة تحول المجتمع إلي مجموعة كيانات متشرنقة حول نفسها ، تسعي لحماية نفسها و الدفاع عن مصالحها.

إن شيوع ظاهرة الاعتداء و التجاوز و القتل تجعل المجتمع في رعب دائم ، و خوف علي الحاضر و المستقبل ، مما يجعل الحياة بدون أمل ، و غير قابلة للتطور.

نقض العهود و المواثيق و العقود :

القرآن الكريم يعطي للعهود و العقود احكاماً خاصة ، تكشف عن حرص القرآن الكريم علي إنفاذ القود ، و الايفاء بها و الالتزام بمضمونها و تحمّل آثارها و تبعاتها.

العقود والعهود ظاهرة اجتماعية ملازمة للانسان ، يحفظ بها الانسان وجوده ، و يحنمي بها لتدبير معاشه و أمنه و وجوده ، و لذا فالاسلام أعطاها و موقعية خاصة.

العقود و العهود تارة تكون بين الأفراد لشؤون شخصية و فردية ، و تارة تكون بين أمم ودول و تخص مصالحها و آثارها مجموع الأمة ككل و ليس فرداً فرداً ، و ثالثة تكون بين الأمة كقانون و عرف و عقد اجتماعي يلزم الجميع به. و يسمي القرآن كذلك العلاقة بين الانسان و الله ، و الرابطة التي تحكم التزام الفرد به سبحانه بالعهد و الميثاق.

أما ما يتعلق بموضوع بحثنا و هو ( الفساد في الأرض ) ، و ارتباطه مع موضوع نقض العقود و العهود ، سواء كانت فردية أو أممية أو اجتماعية ، فيمكن القول إن القرآن الكريم قد قرن في مواضع كثيرة في الكتاب العزيز بين الفساد و بين نقض العهود ، بغض النظر عن نوعية هذا الاقتران ، هل هو من باب التلازم أو التضمن ، و علي أي شكل كان. المهم في الموضوع أن نجد في نقض العهود و العقود فساداً في الارض.

و معني الفساد الذي أشرنا إليه في مضامينه هو حالة الخراب و التفكك و ضعف الارتباط التي تسود المجتمع ، و التجاوز علي حقوق الآخرين ، التي من مجموعها نجد فيها نقضاً لعهد و عقد، سواء كان هذا النقضض مع الله أو مع الأمة أو بين الناس أو بين الافراد.

من هنا يمكن القول إن نقض العهود و العقود بأي شكل كان هو فساد في الأرض ، و خراب لذلك المجتمع أو المؤسسة أو الدولة ، و يمكن لنا أن نستشف مستقبل و مصير أي تجمع من خلال هذه الظاهرة المريضة ( عدم الايفاء بالعقود ) لنحكم علي نهايته و مآله .

إن القرآن الكريم يعطي لليهود صفة نقض العهد ، وصفة الإفساد ، و في ذلك اشارة إلي سجية اليهود كأمة في تعاملها مع باقي الأمم و نقضهم للمواثيق ، و ما يستلزم ذلك من اعتداء  و تعدي و حروب فيكونون بذلك اهل لصفة الفساد و الإفساد في الأرض.

و في مقابل ذلك نجد أن القرآن الكريم يفرض علي المجتمع المسلم و الدولة الالتزام بالعهود التي تبرمها مع الآخرين ، و حتي في الأحكام الفردية تؤكد الشريعة علي الالت