نَظْرَه في مَبَاني ولايَهِ الفَقيْهِ

 

الولايه و السياسه

          قد يقال احياناً إن الولايه لا تنسجم مع الحكومه و السياسه؛ لإن الولايه بمعني القوامه ثابته دائماً بالنسبه إلي الشخص لا بالنسبه إلي المجتمع و نظام اداره البلد.

          اجل، الولايه التي تعني القيام علي المحجور التي وردت في كتاب الحجر في الفقه، و كذلك الولايه بالنسبه لتجهيز الميت الصلاه عليه و دفنه، و ولايه ولي الدم، كل هذه لا تنسجم مع حكم المجتمع و لا علاقه لها بالولايه في الآيه: (إنما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاه و يؤتون الزكاه و هم راكعون) (1)؛ لآن هذه الولايه تعني الحكومه و الاداره، و إذا كانت الآيه تعني ولايه الله و النبي «صلي الله عليه و اله» و أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فهذه الولايه تخاطب المؤمنين و العلماء و أولي الالباب، لا المجانين.

          فإذا كانت الولايه بمعني الاشراف سواء في النظام التكويني أو التشريعي، فهي أولاً و بالذات ثابته لله تعالي: (فالله هو الولي) ، كما جاء في سورع الرعد المباركه: (و ما لهم من دونه و ال) (2)؛ لأنّ الولايه و الاشراف التكويني أمر خاص بالله تبارك و تعالي، فإذا هذّد المجتمع خطر أؤ عذب فلا يمكن لإحد أن يدفعه أو يرفعه إلّا الله: لأن الوالي التكويني حقيقه هو الله. أما الآيه: (و الله هو الولي) (3)، ففيها حصر للولايه المطلقه في الذات القدسيه الالهيه تكويناً و تشريعاً: (إن الحكم إلّا لله) (4)، و ثانياً و بالعرض للأنبياء و الاولياء و الأئمه، ثم الفقهاء العدول الذين هم مظاهر لهذه الولايه.

          فإذا قيل إنه لا يوجد شيء اسمه الولايه بمعني الاشراف فهو قول باطل، و لو قيل إن الولايه بمعني القيام علي المحجورين غير ثابته بشأن المجتمع، فهو قول حق؛ لأن القائلين بولايه الفقيه لا يقولون أن الولايه المنصوص عليها في الدستور للفقيه بشأن الأمه السلاميه هي من نوع ولايه كتاب الحجرأ و الولايه علي تجهيز الميت أو الولايه علي القصاص و الحدود والديات؛ لأن هذه كلها لا علاقه لها بالاشراف علي المجتمع الاسلامي، بل المراد من: (إنما وليكم الله و رسوله) الولايه علي المجتمع، و ولايه الفقيه مظهر من مظاهر تلك الولايه التي تدير شؤون المجتمع الاسلامي، وفقاً لموازين الاحكام و الحِكم و المصالح العقليه و النقليه.

 

دور الامه في انتخاب الولي الفقيه

          يُقال احياناُ إن ولايه الفقيه هي لغز في الجمهوريه السلاميه لا حلّ له، يلزم بوجوده عدمه، بمعني أنه إذا كانت ولايه الفقيه موجوده فهي غير موجده، و إذا كانت غير موجوده فهي موجوده؛ لإن الامه في الجمهوريه الاسلاميه تختار القائد بنفسها، سواء كان ذلك بصوره مباشره أو غير مباشره، فإذا كان للامه حق الانتخاب فهي غير محجوره و ليست بحاجه إلي الوالي؛ و إذا كان الفقيه ولي الأمه فذلك يسلب منها حق الانتخاب، و من ثم أصبح الجمع بين ولايه الفقيه و القبول برأي الناس لغزاُ محيّراً لم يتوصل إلي فك رموزه احد؛ إذ معناه أن الامه طلبت برأيها أن يُسلب عنها الرأي.

          مصدر هذه الاشكاليه هو حصر الولايه فيما جاء في كتاب الحجر، لكن الشبهه تجد طريقها إلي احل إذا اعتبرنا أن الولايه تعني الاشراف علي العقلاء، كما جاء في الآيه: (إنما وليكم الله)، و الآيه: (النبي اولي بالمؤمنين)، و واقعه الغدير فهل كانت ولايه امير المؤمنين «عليه السلام» في حديث الغدير ولايه قيام علي المحجورين أم اشرافاً علي اولي الالباب؟ فالوالي لا يعني القيّم علي المحجورين و إنما يعني المسؤول عن امور العقلاء في المجتمع، و قد يكون هذا الوالي أو الحاكم معروفاً لدي الامه أو مجهولاً، فإذا كان مجهولاً رجعت الامه إلي اهل الخبره منهم جليّه الأمر؛ و هذا نظير ما نقرأ من أن النبي «صلي الله عليه و اله» ابتدأ الناس بالسؤال في يوم الغدير قائلاً: «ألستُ أولي بكم من انفسكم؟ قالوا: بلي، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه» (5)، و وافقت الامه علي ذلك، فهل يصحّ أن نقول عن هذا الحدث إنه يلزم العدم من وجوده و الوجود من عدمه؟ فلو كانت الولايه محصوره في معني القيام علي المجانين، لما أمكن الجمع بين الولايه و رأي الامه؛ لأن الجمع بينهما يعني أن ولايه الوالي ستثبت برأي المحجور الذي لا يملك مثل هذا الحق.

          و النبي «صلي الله عليه و اله» هو الذي طرح مفهوم الجمهوريه الاسلاميه و الرجوع إلي آراء الامه، و اعتبر السلاميه النظام قائمه علي اساس الوحي، و جماهيريته علي اساس قبول الشعب، و قال: (فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون) (6) فإذا كنتم تعقلون فعليكم أن تسمعوا لي بعد أن قضيت فيكم اربعين عاماً اختُبرت فيها و عُرفت بالأمين. و تبين الفقره الاولي من الآيه (فقد لبثت فيكم عمراً) كون النظام الاسلامي نظاماً جمهورياً قائماً علي أساس قبول الناس، بمعني أن الله تبارك و تعالي هيّأ كل الامور من وحي و رساله و نبوه و ولايه، و لم يبق إلّا قبولكم بهذا الامر، و ببيان آخر إن الدين الاسلامي مهيّاً دون آيه نقيصه من النبوه و الرساله و الولايه و القياده، و لا حاجه إلي أن تنتخبوا القائد، إنما عليكم أن تقبلوا بهذا كله و تعملوا به.

          و مثل هذا الامر لا يحمل في طياته أيه تناقضات، بمعني أن هذا الدين هيّأ العناصر المرتبطه بالقوانين و تفسيرها، و أعدّ من يبين و يعلّم الكتاب و الحكمه و يزكي النفوس و يلآجري الحدود، و هم أهل البيت «عليه السلام»، و ما علي الناس إلّا القبول، و هذا القبول يتسم بطابع التوليه لا التوكيل، و لا يولِّد أي تناقض، و الغرض أن كل المناصب الإلهيه في مقام الثبوت، ثابته للمعصومين «عليه السلام»؛ أما الاثبات العملي لها فيعتمد علي رأي الأمه، و هذا التفسير للولايه لا يتطرق إليه توهم التناقض.

 

تحريف المناصب و ضروره مراجعه الخبراء

          بما أن المناصب الحقيقه كمال، وجدت في قبالها مناصب مزوره كثيره ابتداءً بالربوبيه حتي الايمان، و مثالاً علي ذلك نذكره عدّه أمثله ليتضح أن في قبال كل حق يوجد باطل مدع للحق أيضاً، ففي مجال الربوبيه سعي البعض في البدء إلي محاربه فكرتها أساساً، في حين أن الله تعالي هو ربّ العالمين و لا ربّ سواه، إلّا إنهم عندما لاحظوا أن البشر بحاجه إلي ربّ، قالوا إن الربّ موجود في العالم لكنه ليس هو الله، وادعوا هذه الربوبيه لانفسهم كما قال فرعون: (أنا ربكم الاعلي) (7)، و (ما عملت لكم من إله غيري) (8). إنه لم يتحدث بهذا الكلام أول الامر، لكن بعد أن أعيته الحيله في ازاله فكره الربوبيه، ادّعاها لنفسه.

          و بعد الربوبيه ننتهي إلي النبوه، و هي أيضاً لم تسلم من مقارعه اقطاب الظلم و الكفر، و حينما فشلوا اذعنوا بأن النبوه حق، و أن النبي يبعثه الله تعالي لهدايه الناس، لكنهم وضعوها في غير موضوعها،  و لهذا نري أن عدد المتنبئين لم يكن أقل من عدد الانبياء، فكلما بُعث بالحق نبي ظهر بوجهه عدد من المتنبئين. و حينما سُئل بعض زعماء الجاهليه عن السبب في رفضهم النبي «صلي الله عليه و اله» ، رغم ما اتي به من معاجز، و ايمانهم بمسيلمه الكذاب، قالوا لأن مسيلمه ينتمي إلي قبيلتهم.

          و كذا الامر بالنسبه للخلافه و الامامه، فقد قالوا في البدء إن النبي «صلي الله عليه و اله» لم يعين بعده ولياً و اماماً للامه، لكنهم سرعان ما تداركوا هذا الامر، بعد أن ادركوا أن النبي لا يمكن أن يكون قد بيّن كل شيء و أغفل أهم فقره في الدين و هي القياده، فاختلقوا فضائل كثيره للآخرين و وضعوا للناس أحاديث لإثبات خلاقه البعض.

          و بعد مسأله الخلافه و الإمامه ينتهي الدور إلي العلماء، فقد شنّ الطغاه حرباً لا هواده فيها علي المفكرّين و علماء الدين، فلما رأوا أن المجتمع يذعن لهذه الفئه و يواليها، و أن رجال الدين ثله جماهيريه أصليه، صنعوا إزاء علماء البلاط لكي يصدروا الفتاوي التي تحقق للحكام رغباتهم.

          و عندما نصل الي عامه الناس، و نلاحظ مسار الايمان فيما بينهم، نجد أن المنافقين قد بذلوا اول الامر كل ما في وسعهم لمحاربته، و بعد أن عرفوا قيمته في المجتمع الاسلامي تظاهرا به: (و إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنّا و إذا خلوا إلي شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون) (9).

          فيما مر نلاحظ وجود تيار محرّف و مزوّر امام كل تيار أصيل من الربوبيه حتي الايمان، فكيف تميّز الامه بين الحق و الباطل لدي اختلاطهما و تزوير المناصب؟ هنا تتضح اهميه رأي الامه حيث يدفعها إلي التفكير و اختيار الحق، و يصبح من الضروري الرجوع إلي اهل الخبره و تشكيل مجلس خبراء، و هذا لا يعني سلب الرأي عن الامه، و إنما يعني ممارستها لحق التوليه، و ليس هناك من تناقض بين رأي الناس و ولايه الفقيه، ليقال إن ولايه الفقيه إن وجدت فهي غير موجوده و إن كانت غير موجوده فهي موجوده، و إذا كان الفقيه ولياً فما للامه حقُّ رأي، و إذا كان لها هذا الحق فهو ليس بولي. كل هذه الاشكاليات و الشبهات تبرز بسبب حصر الولايه في المعني الذي جاء في كتاب الحجر.

 

رد علي شبهه

          قد يثار هنا هذا السؤال: لم امتاز النبي «صلي الله عليه واله» عن غيره في قضيه النكاح، اذا كان الوالي لا يختلف عن المسلمين بأيه خصوصيه؟

          في الدين سلسله من الاحكام الخاصه بالرسول لكونه رسولاً، و هذه الحكام لا تشمل الفقيه، و إنما هي مجموعه احكام ترخيصيه أو الزاميه من اجل المصالح العامه و العليا، فصلاه الليل مثلاً واجبه علي النبي «صلي الله عليه و اله» مستحبه للآخرين، و دخول من في فمه رائحه البصل أؤ الثوم الي المسجد أو إلي سائر المراكز الاجتماعيه و الدينيه مكروه، و لكن حكمه بالنسبه إلي النبي «صلي الله عليه و اله» اشد من الكراهه علي حد تعبير البعض، أي إنه حكم الزامي لا يحق له به دخول تلك الأماكن برائحه الثوم أو البصل، و الدين هو الذي يحدد هذه المباحات أو المضيّقات تحقيقاً للمصالح العليا التي يشخّصها.

 

التناقض بين ولايه الفقيه و الانتخاب

          يقال إن ولايه الفقيه تتناقض و لا تنسجم مع الديمقراطيه و الحريه و الانتخابات و تشكيل مجلس الخبراء و ما شابه، و لذا فإن النظام القائم علي ولايه الفقيه نظام الباطل، و حينئذ فإنّ أي اتفاق يعقد معه (داخلياً او خارجياء فهو باطل شرعاً، و يمكن لثاني طرفي العقد أن يستوفي حقوقه متي ما شاء.

          و يستدل اصحاب هذا القول بأمرين:

          الأول: أن الولايه – نظراً إلي أنها تعني القيام علي المحجورين – تتناقض مع آراء الناس و انتخاب مجلس الخبراء و امثال ذلك، بمعني أن الناس سواء انتخبوا الفقيه مباشره ، أو انتخبوا الخبراء الذين ينتخبون ولياً للناس، فأن هذا يعني أنهم عقلاء لهم حق الرأي، و حينئذ فليسو بحاجه إلي الولي، و من جانب آخر إذا كان الفقيه ولياً علي الناس فليس لهم حق الرأي، و هذا التناقض يبين أن النظام القائم علي اساس ولايه الفقيه نظام متناقض.

          الثاني: أن أيّ شرط يباين و يخالف نص العقد في المعاملات يفسد العقد، ولتوضيح ذلك نقول: إن مضمون العقود و محتوي الاتفاقيات علي اربعه انواع: ملكيه عين، و ملكيه منفعه، و ملكيه انتفاع، و حق استمتاع.

          فالنوع الأول: مثل البيع و الشراء و المصالحه التي لها حكم البيع و الشراء ، و محتوي هذا العقد أن البائع يملك الثمن و المشتري يملك المُثَمن، فمحتوي عقد البيع ملكيه العين.

          و في الاجاره يكون محتوي العقد هو ملكيه المنفعه لا العين، فعندما يُستأجر محلّ للتجاره أو للسكن فهذا معناه أن يبقي اصل الملك للمؤجر، بينما يملك المستأجر منفعه ذلك المحل.

          و من النوع الثلاث أن يكون العقد المبرم عقد عاريه، فإذا اعار المعير للمستعير صحناً باللفظ أو بالفعل، فلمستعبر حق الانتفاع، و يمكن أن يستفيد منه دون أن يكون مالكاً للمنفعه كما يملكها المستأجر، فالمستعير يملك الانتفاع لا المنفعه.

          و في النكاح يصبح بعقد النكاح مالكاً لحق التمتع و الاستمتاع، و هو النوع الرابع من العقود.

          و هنا نسأل: هل الشرط الحرام الذي لا يخالف مقتضي العقد يُفسد العقد؟

          قال البعض إن الشرط الحرام لا يفسد العقد حتي و إن كان مخالفاً لكتاب الله و فاسداً. و لاكن يختلف اثنان في أن الشرط المخالف لنص العقد (لا لاطلاق العقد أو للموازمه) فاسد مفسد للعقد، مثال ذلك أ، يبيع احدهم للآخر منزلاً بشرط ألّا يصبح المشتري مالكاً للمنزل، أو بشرط ألّا يصبح البائع مالكاً للثمن، فهذا الشرط المخالف لمقتضي العقد فاسد و مفسد للعقد، أو أن يؤجر شخص لآخر منزلاً أو متجراً بشرط ألّا يصبح المستأجر مالكاً للمنفعه، أو بشرط ألّا يصبح المؤجر مالكاً للاجره، أو أن يُعارصحن بشرط ألّا يكون للمستعير حق الانتفاع، أو يشرط في عقد النكاح ألّا يحق للزوج الاستمتاع بالزوجه؛ فهذه كلها شروط فاسده مفسده لمخالفتها مقتضي العقد.

          والذي يُشكل علي ولايه الفقيه من هذا الباب، إنما يريد أن يقول إن الأمه تلتزم – عندما تنتخب الفقيه مباشره أو بصوره غير مباشره – بتعهد متقابل مع الفقيه الجامع للشرائط، و تصوّت علي ألّا يكون لها حق الرأي، و تتعاقد معه علي ألّا تتدخل في العقود و الاتفاقيات؛ لأنها تنتخب الوليّ، الولايه تعني امساك الولي بجميع الصلاحيات، و أن تكون الأمه مولّيً عليها و محجوره لا يحق لها أن تبدي رأيها.

          إذن مثل هذه الانتخابات فاسده و مفسده، لأنها تخالف نص العقد و الالتزام المتقابل، و من ثم تكون الانتخابات التي اقيمت حتي الآن فاسده مفسده، و الحكومه التي جاءت بها باطله، و يبطل معها أي عقد للبيع و الشراء أبرمته مع جهات داخليه أو خارجيه.

 

الرد علي الشبهه

          صحيح أن الشرط المخالف لمقتضي العقد فاسد و مفسد، ولكن ثمه ملاحظتان لابد من اخذهما بالاعتبار:

          الاولي: أن الولايه التي تعني الاشراف تختلف عن الولايه في كتاب الحجر، فمن يتحدث في قضايا الحكومه الاسلاميه و السياسه الاسلاميه و ولايه الفقيه، يجب أن يصرف كل نظره عن الولايه علي الصبيان و الاموات و ماشابه، و يفكر فقط بقوله تعالي: (إنما وليكم الله) و ما تحمله هذه الآيه من معنيً هو ثابت للأنبياء بالاصلاه، و من ثمّ للائمه المعصومين، و لخواص نوابهم بالعرض، امثال مسلم بن عقيل و مالك الاشتر، ثم لعامتهم مثل الامام الراحل «قدس سره».

          الثانيه: يوافق المؤيدون و المعارضون لولايه الفقيه الجامع للشرائط علي نموذجين لولايته:

          الأول: حينما يوافق الناس علي مرجعيه احد مراجع التقليد، فهل يختارونه وكيلاً لهم أم ولياً في الفتوي؟

          الحق أن الدين هو الذي عيَّن الفقيه الجامع للشرائط في هذا المنصب، سواء رجع الناس إليه أم لا، ولكن تحقق الجانب العملي في المنصب يرتبط بقبول الناس، فقد تري فقيهاً جامعاً للشرائط يجوز تقليده، بيد أنه لم يطرح نفسه لتقلّد هذا المنصب، أو أن الناس تجهله لسبب أو آخر، و من ثم لا تدخل مرجعيته حيّز الفعل و العمل، في حين تري اقبالاً من الناس علي فقيه آخر يحمل نفس المواصفات العلميه.

          و السؤال هنا: هل يعتبر الفقيه الذي اختير للمرجعيه من قبل الامه وكيلاً عنها، أم الله تبارك و تعالي هو الذي وضعه في هذا المنصب؟ غايه الامر أن الأمه رجعت إليه بعد أن وجدت فيه الكفاء و الصلاحيه المطلوبه، و هو من ثم ليس وكيلاً عن الناس؛ لأن الوكيل لا يصبح وكيلاً مالم تمنحه الامه حقاً من خلال انشاء عقد الوكاله معه، فثبوت الوكاله مشروط بالتوكيل من قبل الموكلين. أما ثبوت المرجعيه لشخص فليس مشروطاً برجوع الناس إليه، و ليس الأمه هي التي تمنحه هذه السمه.

          الثانيه: القضاء الذي يمارسه الفقيه الجامع للشرائط في عصر الغيبه، حيث إن هناك إجماعاً علي ثبوت حق القضا’ له شرعاً؛ فهل يعتبر الفقيه في هذا المنصب وكيلاً للناس، أم الدين الاسلامي هو الذي نصبه للقضاء؟

          لا شك أنه قاضً و أن الناس لم يمنحوه أيّه سمه، و إنما يدخل قضاؤه حيز الفعل من خلال ترافع الناس إليه و القبول بحكمه.

          هذان المنوذجان ليسا من نوع الوكاله، بل يمثلان جانباً من الولايه، بمعني أن الفقيه الجامع للشرائط الذي يمثل مرجعاً للتقليد هو ولي الفتوي، و ليس وكيلاً للناس في الافتاء، و يجب علي المجموعه التي تقلده أن تطيعه، و هكذا الامر بالنسبه للفقيه الجامع للشرائط الذي يتولي منصب القضاء. غايه الامر أن الافتاء إخبار بالحكم، و القضاء إنشاء للحكم.

          إذن فدور الامه هو الرجوع إلي المناصب التي أعطاها الذين للفقهاء بعد تشخيصها و القبول بها، فإذا كان الفقيه الجامع للشرائط معروفاً علي المستوي العالمي، كالشيخ الانصاري «قدس سره»، انتفت الحاجه للسؤال عن البيّنه و الشاهدين العادلين، و يستطيع المقلِّد أن يرجع إليه مباشره، و إذا تساوت مستويات عدد من العماء، أو كان احدهم أعلم من غيره ولكنه غير معروف بذلك، فعلي الناس أن تسأل اهل الخبره عن الاعلم أو عن عدد المتساوين.

          إذن حينما يرجع الانسان إلي فقيه جامع للشرائط في الفتوي أو في القضاء، فهو في الحقيقه انما يقبل بمرجعيته و ليس يمنحه المرجعيه، و يكون الفقيه وكيلاً عنه في الافتاء أو في القضاء.

          إن اقبال الناس علي الفقيه في ذينك المجالين ليس وكاله بل هو قبول بالولايه؛ فمثلاً إذا وافقت الامه علي مرجعيه احد الفقهاء – بشرط أن تسكت في قبال فتاواه الفقهيه – فهل يُعتبر هذا الشرط مخالفاً لمقتضي هذه المعاهده؟ و إذا وافق الناس علي قضاء فقيه جامع للشرائط، و نصّوا علي اعتمادهم لقضائه وسلطته القضائيه – بشرط أن يلتزموا الصمت حيال الاحكام الصاده عنه – فهل هذا الشرط مخالف لمقتضي مثل هذه المعاهده؟ و إذا انتخب الناس عدداً من الخبراء ليطلعوهم علي مرجع صالح للتقليد، يذعنون بمرجعيته و يسكتون امام فتواه، فهل يعتبر هذا مخالفهً للمعاهده؟

          المعارضون – إذن – يوافقون علي المنوذجين المذكورين لولايه الفقيه، إلّا إنهم يثيرون الشبهات حول الولايه علي المجتمع و تدبير اموره، و يقولون إن هذا النوع من انتخاب الفقيه يعني سلب الرأي عن الأمه، و هو شرط يخالف مقتضي العقد، فنرد و نقول: إذا اصبح الفقيه الجامع للشرائط والياً علي المجتمع العاقل، الذي يتقبل ولايته اعتماداً علي الآيه الكريمه: (إنما وليكم الله) ، التي تثبت الولايه للمعصوم، ثم لنائبه الخاص، ثم لنائبه العام، علي أن يحكما طبقاً للكتاب و السنه، فهل يعني هذا أن أيه معامله يعقدها الفقيه ستكون فضوليه؟ و أن جميع عقوده باطله؟

          الحق أن الناس آمنوا بالدين و لا رأي لهم أمامه، ولكونهم عقلاء يقولون: لا كلام لنا امام كلام الله، و لا اجتهاد لنا مقابل النص.

          فإيمان الانسان بالدين و قبوله به إنما يعنيان القبول بالحق، و حينما يعتبر المرء الدين حقاً، فهذا يعني أن احكامه أيضاً ستكون حقاً، و لا يسمح هذا الانسان لأهوائه أ، تقف بوجه الحق، و لا  لاجتهاده أن يقف امام النص.

          و في الغدير هل بايع المؤمنين الذين وافقوا علي ولايه أمير المؤمنين «عليه السلام»، علياً «عليه السلام» وكيلاً أم ولياً لهم؟ ، فقد قال تعالي: (بلّغ ما أُنزل إليك من ربك) (10)، و النبي «صلي الله عليه و اله»  بلَّغ ما عليه و قال: «من كنتل مولاه فهذا علي مولاه»، و الامه بدورها وافقت علي ذلك و بايعت قائله: «بخ بخ لك يا امير المؤمنين»، فهل جعلته وكيلاً لها دون أن يكون له «عليه السلام» هذا المنصب لولا مبايعه الناس، أم قبلته ولياً لها؟

          فإذا كان علي بن أبي طالب وكيلاً للامه، فهذا يعني أنه لا حق له ما لم تبايعه. أما إذا كان معيناً من قبل الله تعالي فله حق الاشراف، و الامه شخَّصت أن هذا الامر حق و وافقت عليه.

          بناء علي ذلك يكون أي عقد يبرمه الوالي الاسلامي أو من ينوب عنه، إنما يتم علي اساس موافقه الامه و رضاها؛ لإنها اعطت رأيها للدين باعتباره دين حق، ثم اعطت رأيهاه مره أخري ليطبق الدين من هو خبير عالم مؤمن به، و هذا يعني أنها وافقت علي المسؤوليه المناطه به، و ليست هي التي و كّلته علي هذه المهمه، و مثل هذا الشرط لا يتناقض و مقتضي العقد ابداً. نستنتج من ذلك:

          أولاً: أن الوكاله تختلف عن الولايه.

          ثانياً: أن للولايه عده أقسام.

ثالثاً: أن الولايه المطروحه في مسأله الحكم ليست من سنخ الولايه المذكوره في كتاب الحجر، و إنما هي من سنخ الولايه المطروقه في الآيه: (إنما وليكم الله).

          رابعاً: أن هذه الولايه إما أن تكون بالاصاله أو بالنيابه؛ فإذا قيل إن الفقيه الجامع للشرائط وكيل الامام صح القول، و إذا قيل إنه وكيل و نائب معيّن من قبل ولي العصر صح ايضاً، و الخطأ أن يقال إنه وكيل عن الناس، أو إنهم هم الذين وضعوه في هذا الموضوع.

          و الفرق بين هذه الامور هو أن الامام المعصوم «عليه السلام»، و لا سيما ولي العصر ارواحنا فداه، يستطيع أن يمارس مهمتين، فهو يستطيع أن يوكل احداً نيابه عنه في أداء مهمه معينه؛ بمعني أنه من الممكن أن يجعل الامام وكيلاً عنه أؤ نائباً، كما أن الامام المعصوم «عليه السلام» يستطيع أن يجعل ال&#