نظرية الوجود عند الامام علي عليه السلام

انشأ الخلق انشاء. و ابتداة ابتداء. بلاروية اجالها. ولا تجربة استفادها. ولا حركة احدثها . ولا همامة نفس اضطرب فيها. احال الأشياء لأوقاتها. ولأم بين مختلفاتها. و غرز غرائزها و الزمها اشباحها عالما بها قبل ابتدائها محيطا بحدودها و انتهائها. عارفا بقرائنها و احنائها.

ثم انشأ سبحانه فتق الأجواء و شق الرجاء وسكائك الهواء. فاجرى فيها ماء متلاطما تياره، مترا كما زخاره. حمله على متن الريح العاصفة، والزعزع القاصفة. فأمرها برده، و سلطها على شده، وقرنها الى حده. الهواء من تحتها فتيق، والماء من فوقها دفيق. ثم انشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبها و ادام مربها. و اعصف مجراها، و ابعد منشاها. فأمرها بتصفيق الماء الزخار، وأثارة موج البحار. فمخضته مخض السقاء، و عصفت به عصفها بالفضاء. ترد اوله الى آخره، و ساجيه الى مائره. حتى عب عبابه، و رمى بالزبد وركامه فرفعه فى هواء منفتق، وجو منفهق. فسوى منه سبع سموات جعل سفلاهن موجا مكفوفا و علياهن سقفا محفوظا. وسمكا مرفوعا . بغير عمد يدعمها. ولا دسار ينظمها. ثم زينها بزينة الكواكب، وضياء الثواقب. و اجرى فيها سراجا مستطيرا، وقمرا منيرا فى فلك دائر، و سقف سائر، و رقيم مائر.

ثم فتق ما بين السموات العلا. فملأهن اطوارا من ملائكته. منهم سجود لا يركعون، و ركوع لا ينتصبون، وصافون لا يتزايلون و مسبحون لا يسأمون. لا يغشاهم نوم العين. ولا سهو العقول . ولا فترة الأبدان. لا غفلة النسيان. و منهم امناء على وحيه، و ألسنة الى رسله، مختلفون بقضائه و امره. و منهم الحفظة لعباده و السدنة لأبواب جنانه. و منهم الثابتة فى الأرضين السفلى اقدامهم، والمارقة من السماء العليا اعناقهم، و الخارجة من الأقطار اركانهم، و المناسبة لقوائم العرش اكتافهم. ناكسة دونه ابصارهم. متلفعون تحته باجنحتهم. مضروبة و بين من دونهم حجب العزة و استار القدرة. لا يتوهمون ربهم بالتصوير. ولا يجرون عليه صفات المصنوعين. ولا يحدونه بالاماكن. لايشيرون اليه بالنظائر.

نهج البلاغه خطبه 1