نقطة حبر

كان علي (ع) مسكوناً بلغته العلوية، معجوناً بمضمونه الروحي، يتدثر علي الليل ويروح يصوغ معادلاته، والناس نيام، ليل الكوفة أنفاس عميقة، ثقيلة، وعلي يساهر النجوم والنخيل، ويقلّب الدنيا بين أصابعه يروزها على مهلٍ مصغياً لأنفاس صمتها القدسي المجلجل بالوقار، يبقى علي ساهماً في شروده على سجادة الصلاة حتى تنضج المعادلة الأساس "أن ليس في هذا الوجود غير الله". هو الجمال هو الحب، هو الكمال.

يضيء قناديل الحب، يشرّع نوافذ العشق والحبق، وتشتعل الصلاة على شفاهه همسا، وتباريح ونجوى، تعلو نبرة الحب وتحتدم حتى تصير انشاءً، فذوبانا، فغيابا.

لم يكن علي رهين شرخه النسبي من الرسول الأكرم (ص) كما يحلو للبعض تصنيفه، انما كان صنيعة الهية استحق ذاته استحقاقاً وانتزع ما كان عليه انتزاعاً من بين مخالب دنيا تمور بالشهوات والرغائب، بإرادة فولاذية لا تلين "هي نفسي أروّضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الفزع الأكبر". لم يكن علي ما كان عليه لو لم يحكم ربط خيوطه بالمحل الأعلى لا نهائي القوة والجمال.

من هذه العبودية الحقة خرج علينا بعبادة الحرية، لا يقول الا ما يرى، ولا يرتهن لأحد، لأنه في الأساس لم يكن يرى احدا غير الله، قطع علي كل الخيوط التي تشده الى الدنيا وانطلق كطيرٍ في سماوات الله.

كانت عبادة علي أشبه ما تكون بتدريب يومي على التحرر الذاتي وكانت أدعيته وخطبه ورسائله ووصاياه منجماً روحياً تزخر بأعمق وأنبل القيم الانسانية.

كان سلوكه اليومي بطاقة دعوة ملحاحه للغيب كي يتوطن في وعيه ووجدانه لذلك تفرد علي في نظرته وكانت له عينه الخاصة، ورؤيته الخاصة التي سكن فيها وراح يجتاز عبرها المسافات الضوئية وعندما نظر حوله لم ير أحدا، التفت الى الخلف بينه وبين القوم بحار وجبال وأنهار، لم يكن باستطاعتهم اللحاق به ولم يكن بإمكانه ان يهبط الى حضيضهم، باتا نقيضين يتعذر اجتماعهما، كما يستحيل التقاؤهما، وكيف يلتقي إمام مسحوق أمام خالقه، متحرر مما عداه، ورعية تضع الله جانباً، وتحسب حساباً لكل شيء ما خلاه.

كان لا بد والحال هذه ان يلغي احدهما الآخر، وهذا ما كان.

حسن نعيم