الصفات الفعليّه

 

المقدمه

     أنّ الصفات الفعليّه عباره عن المفاهيم التي تنتزع من مقايسه الذات الإلهيه بمخلوقاتها من خلال ملاحظه نسبهٍ و إضافهٍ و رابطه معيّنه بينهما، و أنّ الخالق و المخلوق يمثّلان طرفي الإضافه، أمثال مفهوم «الخالقيه»، الذي ينتزع من ملاحظه ارتباط وجود المخلوقات بالله تعالي، و إذا لم يلاحظ هذا الارتباط بينهما لم يكن انتزاع هذا المفهوم.

     و ليس هناك حصر و تحديد للروابط و الإضافات التي يمكن تصوّرها بين الله و الخلق، و لكن يمكن تقسيمها بصوره جامعه و كليه إلي مجموعتين من زوايه مّا:

     المجموعه الاولي: ملاحظه الإضافات المباشره بين الله و المخلوق، كالإيجاد و الخلق و الإبداع و أمثالها.

     المجموعه الثانيه: الإضافات التي تتصوّر بعد تصوّر إضافات و روابط أخري، كالرزق، و ذلك لأنّه في البدايه لابدّ أن نتصوّر علاقه الموجود المرتزق بالشيء الذي يرتزق منه، و بعد ذلك نتصوّر توفير الله تعالي لذلك الشيء، لنتوصّل من خلال ذلك إلي مفهوم الرازق و الرزّاق، بل يمكن أحياناً أن نتصوّر، إضافات و روابط متعدّدهً بين المخلوقات نفسها، قبل أن تنتزع الصفه الفعليّه لله تعالي، و بعد ذلك نلاحظ ارتباطها بالله تعالي، أو انّ هناك إضافه مترتّبه علي عدّه إضافات سابقه بين الله و الخلق، أمثال المغفره حيث تترتّب علي الربوبيّه التشريعيّه الإلهيّه و تعيين الله تعالي للأحكام التكليفيّه، و عصيان العبد لها.

     إذن فلأجل التوصّل الي الصفات الفعليّه لابّد أن نعقد نوعّ مقارنه و مقايسه بين الله تعالي و المخلوقات، و نتصوّر نوعّ ارتباط و إضافهٍ بين الخالق و المخلوق، لنتوصّل من خلالها إلي المفهوم الإضافي القائم بطرفي الإضافه. و من هنا، فلا تكون الذات الإلهيه المقدّسه بذاتها مصداقاً للصفات الفعليّه دون ملاحظه هذه الإضافات و النسب، و هذا هو الفرق الرئيس بين الصفات الذاتيّه و الفعليّه.

     و قد ذكرنا سابقاً، أنّنا يمكن أن نلاحظ الصفات الفعليّه بلحاظ مبادئها تنشأ منها، و في هذه الحاله، تؤول و تنتهي إلي الصفات الذاتيّه، كما في الخالق و الخلاق، لو فسّرناه بالقادر علي الخلق، فيؤول إلي صفه «القدير»، أو صفه «السميع» و «البصير» لو فسّرناهما بالعالم بالمسموعات و المبصرات فتؤول إلي «العليم».

     و هناك بعض المفاهيم عدّت من الصفات الذاتيّه. و لكن قد يتصوّر لها معني إضافي و فعلي، و لذلك تعتبر من الصفات الفعليّه، مثل مفهوم «العلم» حيث استعمل في القرآن الكريم في آيات كثيره، بمعني الصفه الفعليّه1.

     و الملاحظه التي لها أهمّيتها، و التي يجب علينا التأكيد عليها هنا هي: أنّنا حين نتصوّر الرابطه بين الله تعالي و الموجودات المادّيه، و علي ضوئه تنتزع الصفه الفعليّه المعيّنه لله تعالي، فإنّ هذه الصفه سوف تتحدّد ببعض القيود الزمانيّه و المكانيّه، بلحاظ تعلّقها بالموجودات المادّيه التي تمثلّ أحد طرفي الإضافه، و ان كانت هذه الصفه بلحاظ تعلّقها بالله تعالي الذي يمثّل الطرف الآخر للإضافه منزّههً عن مثل هذه القيود و الحدود.

     فإنّ إضافه الرزق إلي الشخص مثلاً، إنّما تتمّ في ظرف زمانيّ و مكانيّ معيّنّين، و لكن هذه القيود و الحدود في واقعها متعلّقه بذلك الشخص المرتزق، لا بالرزاق. الذات الإلهيّه منزّهه عن أيّه نسبه زمانيه و مكانيّه.

     و هذه الملاحظه الدقيقه تعتبر المفتاح لمعالجه الكثير من الشبهات التي أثيرت في موضوع معرفه الصفات و الأفعال الإلهيه، و أدّت إلي الكثير من النزاعات بين العلماء و المفكّرين.

 

الخالقيّه

     بعد إثبات واجب الوجود، و أنّه العلّه الاولي لوجود الموجودات الممكنه و بملاحظه أنّها جميعاً محتاجه في وجودها إلي الله؛ تنتزع من ذلك صفه الخالقيّه لواجب الوجود، و المخلوقيّه للممكنات. و مفهوم «الخالق» الذي يتوصّل إليه من خلال هذه العلاقه الوجوديّه، مساو للعلّه الموجده، و كلّ الموجودات الممكنه المحتاجه التي تمثّل طرف الإضافه، متصّفه بصفه المخلوقيّه.

     و لكن أحياناً يتصوّر للفظه «الخلق» معني أكثر محدوديّهً، حيث تعتبر الموجودات التي وجدت من مادّه سابقه فحسب طرفاً للإضافه، و في مقابل ذلك مفهوم «‌الإبداع» حيث يستخدم في الموجودات التي لم تسبق بماده سابقه (كالمجرّدات و المادّه الأولي). و علي هذا الأساس يقسم الإيجاد إلي قسمين: الخلق، و الإبداع.

     إذن فعمليّه الخلق التي يقوم بها الله تعالي، لاتشابه تصرّفات الإنسان في الأشياء و صنعه للصناعات، حيث يحتاج في عمله هذا إلي الحركه، و إلي استخدام أعضاء بدنه لتمثّل حركته «الفعل» بينما تمثل الظاهره التي تحصل منه «نتيجه الفعل» و أمّا في خلق الله فلايكون «الخلق» شيئاً، و «المخلوقات» شيئاً آخر، و ذلك بالإضافه إلي تنزّه الله تعالي عن الحركه، و خصائص الموجودات الجسمانيّه، فإنّه لو كان ل«خلق» الله مصداق عينيٌّ خارجيٌّ زائد علي ذات المخلوق، لكان موجودا ممكن الوجود، و مخلوقا من مخلوقات الله بدوره، ليعود الحديث مرّه أخري حول خلقه نفسه أيضاً، و لكن و كما ذكرنا في تعريف الصفات الفعليّه انّ هذه الصفات مفاهيمٌ منتزعهٌ من الإضافات و النسب بين الله و الخلق، و قوام الإضافه و النسبه بلحاظ العقل.

 

الربوبيّه

     و من الروابط التي تلاحظ بين الله و الخلق؛ أنّ المخلوقات ليست في أصل وجودها محتاجه لله تعالي فحسب، بل إنّ كلّ شؤونها الوجوديّه مرتبطهٌ بالله تعالي، و ليست لها أيّه استقلاليّه، و يمكن له تعالي التصّرف فيها بما شاء، و أن يدبّر امورها بما يريد.

     و حين نلاحظ هذه الرابطه بصوره عامّه، ننتزع منها مفهوم «الربوبيه»، الذي من لوازمه تدبير الامور، و له مصاديق عديده، كالحافظ، و المحيي و المميت و الرازق و الهادي و الآمر و الناهي و أمثالها.

     و يمكن تقسيم الامور المرتبطه بالربوبيّه إلي مجموعتين: الربوبيّه التكوينيّه، التي تشمل تدبير الامور لكلّ الموجودات، و ارضاء احتياجاتها، و بكلمه واحده «‌تدبير العالم». و الربوبيّه التشريعيه، و هي مختصه بالموجودات التي تمتلك الشعور و الاختيار، و تشمل عدّه مسائل أمثال بعث الأنبياء، و إرسال الكتب السماويّه، و تعيين الوظائف و التكاليف، و وضع الأحكام و القوانين.

     إذن فالربوبيّه الإلهيه المطلقه تعني: أنّ المخلوقات في كلّ شؤونها الوجوديه مرتبطه بالله تعالي، و أنّ العلاقات و الروابط بينها تنتهي بالتالي إلي ارتباطها بالخالق، و هو تعالي الذي يدبّر و يدير بعض المخلوقات بوساطه بعض المخلوقات الأخري، و هو الذي يفيض الرزق من خلال مصادر الرزق التي يوفرها و يخلقها، و هو الذي يهدي الموجودات التي تملك الشعور من طريق الوسائل الداخليّه (كالعقل و سائر القوي الإدراكيّه) و الوسائل الخارجيّه (كالأنبياء و الكتب السماويّه) و هو الذي يضع للمكلّفين الأحكام و القوانين، و يضع الوظائف و التكاليف.

     و الربوبيّه كالخالقيه مفهوم إضافيٌّ مع الفرق بأنّه تلاحظ في مجالاتها المختلفه الإضافات الخاصّه بين المخلوقات نفسها، كما ذكرناه في مفهوم الرازقيّه.

     و لو تأمّلنا بدقّه في مفهوم الخالقيّه و الربوبيّه، و كونهما من الصفات الإضافيّه، سيتّضح لنا أنّ هناك تلازماّ بين هاتين الصفتين، و يستحيل أن يكون ربّ الكون غير الخالق، بل ان الذي خلق المخلوقات بتلك الخصائص المعينه و العلاقات فيما بينها، هو الذي يحافظ عليها و يدبّرها، و في الواقع انّ مفهوم الربوبيّه و التدبير منتزع من كيفيّه خلق المخلوقات و ارتباطاتها.

 

الالوهيّه

     هناك بحوث كثيره لدي العلماء حول مفهوم «الإله» و «الألوهيّه» ذكرت في كتب التفسير، و المعني الذي نرجّحه لهذا المفهوم هو: أنّ «الإله» بمعني «المعبود» أو «الذي يستحقّ العباده و الطاعه» مثل لفظ «الكتاب» فهو بمعني «المكتوب» أيّ الشيء الذي يصلح للكتابه.

     و علي ضوء هذا المعني، فإنّ الالوهيه صفه إذا أردنا انتزاعها فلابد أن نتصوّر إضافه عباده العباد و طاعتهم، فإنّ الضالّين و إن اتّخذوا آلهه باطله لهم، و لكن الذي يستحقُّ العباده و الطاعه هو الخالق و الربُّ فحسب و هذه الدرجه من الاعتقاد هي حد النصاب الذي يلزم توفره في كل انسان بالنسبه للأعتقاد بالله تعالي.، أي بالإضافه إلي إيمانه بأنّ الله واجب الوجود، و أنّه الخالق و المدبّر، و من يخضع العالم لإرادته، يلزم عليه أيضاً أن يؤمن بأنّه الذي يستحقّ العباده و الطاعه. و من هنا اُخذ هذا المفهوم في شعار الإسلام (لا إله إلاّ الله).

 

الهامش:

1. راجع: البقره/ 187 و 235، و الانفال/ 66، و الفتح/ 18 و 27، و آل عمران/ 140 و 142، و المائده/ 94، و التوبه/ 16، و محمد (ص)/31.