|
الصفات
الذاتيه المقدّمه
أنّ الله
تعالي، و هو
العلّه
الموجده
للكون، توجد
فيه كلُّ
كمالات
الوجود، و
كلّ أنواع
الكلمات
المتوفّره
في أيّ موجود
إنما هي
مستمدّه منه
دون أن ينقض
من كمالاته
شيء عند
إفاضتها علي
مخلوقاته. و
لتقريب هذه
الفكره
للذهن، يمكن
أن نضرب هذا
المثال:
إنّ
المعلّم
يزوّد
التلميذ من
علمه، دون أن
ينقص من علم
المعلّم شيء.
و بطبيعه
الحال، فإنّ
إفاضه
الوجود و
الكمالات
الوجوديّه
من الله
تعالي، أسمي
بكثير من هذا
المثال،
لعلّ أقرب
تعبير في هذا
المجال أن
نقول: إن عالم
الوجود نور و
تجلّ من
الذات
الإلهيه
المقدًّسه،
كما يمكن
استفاده هذا
التعبير من
الآيه
الشريفه «ألله
نور
السماوات و
الأرض»1.
و بملاحظه
الكمالات
الإلهيّه
اللامتناهيه،
فإنّ كلّ
مفهوم يعبّر
عن كمال من
الكمالات،
دون أن
يستلزم أيّ
نقص أو
تحديد، يقبل
الصدق و
الانطباق
علي الله
تعالي، كما
نسبت لله
تعالي في
الآيات
القرآنيّه
الكريمه و
الأحاديث
الشريفه، و
الأدعيه و
المناجاه
المأثوره عن
المعصومين
عليهم
السلام،
أمثال هذه
المفاهيم؛
النور، و
الكمال، و
الجمال، و
المحبّه، و
البهجه و
غيرها، و
أمّا ما ذكر
من الصفات
الإلهيّه في
كتب العقائد
و الفلسفه و
الكلام
الإسلاميه
فهو عدد
محدود من
الصفات التي
تقسم إلي
مجموعتين: (الصفات
الذاتيّه، و
الصفات
الفعليّه)
ففي البدايه
نذكر
توضيحاً
لهذين
القسمين، و
بعد ذلك،
نتعرّض لذكر
اهم هذه
الصفات و
إثباتها و
الاستدلال
عليها. الصفات
الذاتيّه و
الفعليّه
إنّ
الصفات التي
تنسب إلي
الله تعالي،
إمّا أنّها
مفاهيم
منتزعه من
الذات
الإلهيه
بالنظر إلي
أنها واجده
لنوع من
أنواع
الكمالات،
أمثال
الحياه و
العلم و
القدره، و
إمّا أنها
مفاهيم
تنتزع من نوع
علاقه و
ارتباط بين
الله تعالي و
مخلوقاته،
أمثال
الخالقيّه و
الرازقيّه. و
يطلق علي
القسم
الأوّل «الصفات
الذاتيّه» و
علي القسم
الثاني «الصفات
الفعليّه».
و الفرق
الرئيس بين
هذين
القسمين من
الصفات هو:
أنّه في
القسم
الأوّل تكون
الذات
الإلهيه
المقدّسه
مصداقاّ
عينيّاً
لها، أمّا في
القسم
الثاني
فتعبّر عن
نوع نسبهٍ و
إضافهٍ بين
الله تعالي و
مخلوقاته، و
تمثل الذات
الالهيّه و
ذوات
المخلوقات
طرفي
الإضافه و
النسبه،
أمثال صفه
الخالقيّه،
التي تنتزع
من الارتباط
الوجوديّ
للمخلوقات
بالذات
الإلهيّه، و
يمثّل الله و
المخلوقات
طرفي هذه
الإضافه، و
لكن لايوجد
في الخارج
غير الذات
الإلهيّه
المقدسه و
ذوات
المخلوقات،
حقيقهٌ
عينيّه
خارجيّه
اخري تسمّي ب
«الخالقيه»،
و بطبيعه
الحال فإنّ
الله تعالي
يملك بذاته
القدره علي
الخلق، و لكن
القدره من
صفات الذات،
و أمّا «الخلق»
فهو مفهوم
إضافي ينتزع
من مقام
الفعل، و من
هنا يعتبر «الخالق»
من الصفات
الفعليّه،
إلاّ إذا
فسّرناه ب«القادر
علي الخلق»
فتؤول و
تنتهي إلي
صفه القدره.
و أهمُّ
الصفات
الذاتيّه
الإلهيّه
هي؛ الحياه و
العلم و
القدره. و
أمّا السميع
و البصير،
فإن
فسّرناهما
بالعالم
بالمسموعات
و المبصرات
أو القادر
علي السمع و
الإبصار،
فتؤول إلي
العليم و
القدير، و إن
كان المراد
منهما السمع
و الرؤيه
بالفعل،
التي تنتزع
من العلاقه
بين ذات
السميع و
البصير و
الأشياء
القابله
للسمع و
الرؤيه،
فلابدّ أن
نعدهما من
الصفات
الفعليّه.
كما أنّ «العلم»
أحياناّ
يستعمل بهذا
المعني، و
يسمّي بهذا
الاعتبار ب«العلم
الفعليّ» و قد
اعتبر بعض
المتكلمين
الكلام و
الاراده من
الصفات
الذاتيّه، و
سنبحث عنها
لاحقاّ. إثبات
الصفات
الذاتيّه
إن أيسر
الطرق
لإثبات
الحياه و
القدره و
العلم
الإلهيّه هو
الطريق
التالي: انّ
هذه
المفاهيم
حينما
تستخدم في
المخلوقات،
تعبّر عن
كمالاتها،
فيلزمها
إذنْ أن توجد
بدرجتها
المتكامله
في العلّه
الموجده،
إذا كلّ كمال
يوجد في أيُّ
مخلوق، فهو
مستمد من
الله، فلابد
أن يكون الله
تعالي
الخالق
واجداً له،
حتّي يمكنه
إفاضته و
إعطاءه
للمخلوق، و
لايمكن لمن
يخلق الحياه
أن يكون
فاقدا لها أو
لمن يفيض
العلم و
القدره
للمخلوقات
أن يكون
جاهلا
عاجزاً. إذنْ
فوجود هذه
الصفات
الكماليّه
في بعض
المخلوقات
دليل علي
وجودها في
الخالق
تعالي دون أن
يكون فيه نقص
أو تحديد، أي
إنّ الله
تعالي
يتوفّر علي
الحياه و
العلم و
القدره
اللامتناهيه.
و الآن لنبدأ
بتوضيح أوسع
لكلّ واحده
من هذه
الصفات. الحياه
مفهوم
الحياه
يستعمل في
مجموعتين من
المخلوقات:
الاولي:
النباتات،
حيث تتميّز
بالنمو.
الثانيه:
الحيوانات و
الإنسان حيث
تمتلك
الشعور و
الإراده.
و لكن
المعني
الأوّل
لمفهوم
الحياه
مستلزم
للنقص و
الاحتياج،
ذلك لأنّ
طبيعه
النموّ تفرض
أن يكون
الشيء
النامي في
بداياته
فاقداً
للكمال،
ولكن نتيجهً
لبعض
العوامل و
المؤثّرات
الخارجيّه
تحصل فيه
تغيّرات تصل
به إلي كمال
جديد
بالتدريج، و
لايمكن نسبه
مثل هذه
الامور الي
الله تعالي،
كما مرّ
توضيحه في
موضوع
الصفات
السلبيّه.
أمّا
المعني
الثاني:
فإنّه مفهوم
كماليٌّ، و
إن اقترن في
بعض مصاديقه
الإمكانيّه
ببعض
النقائص و
التحديدات،
و لكن يمكن أن
نتصوّر له
مرتبهً لا
متناهيه ليس
فها أيُّ نقص
أو تحديد أو
احتياج كما
هو الأمر في
مفهوم
الوجود و
مفهوم
الكمال.
و الحياه
بمعناها
الملازم
للعلم و
الفاعليه
الاراديه من
مستلزمات
الوجود غير
المادّي، و
ذلك، فإنّه و
إن نسبت
الحياه الي
الكائنات
المادّيه
الحيه، و
لكنّ الحياه
في واقعها
صفه لروحها،
لا لبدنها، و
إنّما يتّصف
بها البدن
لتعلّق و
ارتباط
الروح به، و
بعباره اخري:
كما أنّ
الامتداد من
لوازم
الوجود
الجسمانيّ،
فكذلك
الحياه من
لوازم
الوجود
المجرّد (غير
الجسمانيّ). و
من هنا ينشأ
دليل آخر علي
الحياه
الإلهيه و هو:
أنّ الذات
الإلهيه
المقدّسه
مجرّده غير
جسمانيه،
كما أثبتنا
ذلك كلٌّ
موجود
مجرّدٍ
واجدٌ بذاته
للحياه،
إذنْ فالله
تعالي واجد
للحياه
بذاته. العلم
و مفهوم
العلم أكثر
المفاهيم
وضوحاً و
بداههً، و
لكن مصاديق
هذا المفهوم
التي نعرفها
في
المخلوقات،
مصاديق
ناقصه
محدوده، و
مفهوم العلم
بهذه
الخصائص
لايمكن أن
يصدق علي
الله تعالي،
و لكّن العقل
ـ كما أشرنا
إليه ـ يمكنه
أن يتصوّر
لهذا
المفهوم
الكماليّ
مصداقا ليس
فيه أيّ نقص
أو تحديد، و
هو عين ذات
العالم، و هو
هذا العلم
الذاتيُّ
لله تعالي.
و يمكن لنا
إثبات علم
الله تعالي
من طرق عديده:
منها:
الطريق الذي
أثبتنا من
خلاله كلّ
الصفات
الذاتيه، أي
بما أنّ
العلم موجود
بين
المخلوقات،
إذنْ فلابّد
من وجوده
بأكمل مرتبه
في خالقها.
و منها:
الاستعانه
علي إثبات
ذلك بدليل
النظام،
فإنّ أيّ
ظاهره أو
مخلوق
يتوفّر أكثر
علي النظام
أو إتقان؛
فإنه يدلّ
أكثر علي علم
خالقه كما هو
الملاحظ في
الكتاب
العلميّ، أو
القصيده
الرائعه، أو
الصوره
الفنّيه،
حيث تدلّ علي
مدي ما يملكه
مبدعها من
ثقافه و ذوق و
خبره، و
لايمكن
لعاقل أن
يتصور أنّ
الكتاب
العلميَّ أو
الفلسفيّ قد
كتبه شخص
جاهل غير
مثقف. إذن
فكيف يحتمل
أن يخلق هذا
الكون
العظيم بكل
ما فيه من
أسرار و
مدهشات،
شخصٌ غير
عالم؟
و منها:
الاستفاده
من بعض
المقدمات
الفلسفيه
النظريّه (غير
البديهيّه)
أمثال قاعده «كلّ
موجود
مجرّدٍ
مستقل عالمٌ»
كما اثبت ذلك
في الكتب
المخصّصه
لهذه البحوث.
و توجّه
الانسان
للعلم
الإلهي له
دوره الكبير
في بناء
شخصيّته، و
من هنا
أكَّدَ
القرآن
الكريم
كثيراً علي
هذه
الحقيقه، و
من الآيات
الشريفه في
ذلك «يعلم
خائنه
الأعين و ما
تخفي الصدور»2. القدره
يقال في حق
الفاعل الذي
يؤدّي عمله
بإرادته و
اختياره. أنه
يملك «القدره»
علي عمله. إذن
فالقدره
عباره: عن
مبدئيّه
الفاعل
المختار
للعمل الذي
يمكن صدوره
منه. و كلّما
كان الفاعل
أكثر
تكاملاً من
حيث المرتبه
الوجوديّه
كان أكثر
قدرهً، و
بطبيعه
الحال
فالموجود
الذي يتوفّر
علي الكمال
اللامتناهي
له قدره غير
محدوده «إنّ
الله علي كلّ
شيء قدير»3.
و يجب
علينا هنا أن
نؤكّد علي
بعض
الملاحظات:
1.انّ العمل
الذي تتعلّق
به القدر؟
لابّد أن
يكون ممكن
التحقّق،
إذن فالشيء
المحال في
ذاته. أو
المستلزم
للمحال،
لاتتعلّق به
القدره، و
القول بأن
الله قادر
علي كل عمل،
لايعني أنّه
مثلاً علي أن
يخلق إلهاً
آخر، (و ذلك
لأنّ الإله
غير مخلوق)،
أو أنّه قادر
علي أن يجعل
العدد 2 مع
افتراض كونه 2
أكبر من
العدد 3، أو أن
يخلق الابن
علي تقدير
كونه ابناً،
قبل أبيه.
2.إنّ
القدره علي
كلّ عمل
لاتوجب علي
مثل هذا
القادر أن
يحقق كلّ
الأعمال
التي يقدر
عليها، بل
إنّما يحقق
تلك الأعمال
التي يريد
تحقيقها،
والله
الحكيم
لايريد إلاّ
الأفعال
الصالحه و
الحكيمه، و
لايحقّق
إلاّ مثل هذه
الأعمال، و
إن كان
قادراً علي
الأعمال
القبيحه و
المنكره
أيضاً. و
سنتحدّث في
البحوث
القادمه حول
الحكمه
الإلهيه.
3.إنّ
القدره
بالمعني
الذي
ذكرناه،
متضمّنه،
للاختيار
أيضاً، فكما
أن الله
تعالي يملك
أكمل مراتب
القدره و
أرقاها،
كذلك يملك
أكمل مراتب
الاختيار، و
لايمكن لأيّ
عامل أن
يقهره و
يجبره علي
القيام
بعمل، أو أن
يسلب منه
الاختيار، و
ذلك لأنّ
وجود كلّ
موجود و
قدرته منه
تعالي، و
لايمكن أن
يكون
مقهوراً
للقوي و
القدرات
التي أفاضها
ذاته
للآخرين. الهوامش: 1.النور:
35. 2.المؤمن:
19. 3.البقره:
20، و آيات
اخري غيرها.
|