|
الشرط
المقوّم
للحياه
الإنسانيه المقدمه
أثبتنا
ضروره البحث
عن الدين، و
السعي
لمعرفه
الدين
الحقّ،
باسلوب
مبسط، يعتمد
في أساسه علي
الدافع
الفطري في
الإنسان
لطلب
المنفعه، و
الأمن من
الضرر1، و إنة
دافع يمكن
لكل أحد أن
يدركه في
أعماقه، و
بتعبير آخر:
ان الانسان
يعلم به
علماً
حضورياً
لايعرض له
الخطأ و
الاشتباه.
و في هذا
المجال
نحاول اثبات
هذه الفكره
نفسها، و لكن
باسلوب آخر
يعتمد علي
مقدّمات
اكثر دقه
لنتوصّل من
خلالها لهذه
النتيجه: و هي
أنّ كلّ
إنسان لو لم
يبحث عن
الدين و لم
يفكّر به، و
لم يؤمن
برؤيه
كونيّه و
ايديولوجيّه
صحيحتين،
فإنّه لن يصل
إلي الكمال
الإنسانيّ،
بل لايمكن أن
نعدّه
إنساناً
حقيقيّاً. أي
إنّ الشروط
المقوّم
للحياه
الإنسانيه
هو الالتزام
برؤيه
كونيّه، و
إيديولوجيّه
صحيحتين،
فلو اعتمد في
حياته
عليهما فسوف
يعيش في
حياته
إنساناً.
و هذا
الدليل
يعتمد علي
ثلاث
مقدّمات:
1.
الإنسان،
موجود يبحث
عن الكمال.
2. الكمال
الإنساني
إنّما
يتحقّق في
ظلّ الأفعال
الاختياريّة
المنبثقه من
حكم العقل.
3. الأحكام
العلميّه
للعقل إنّما
تتكوّن علي
ضوء مدركات
نظريّه
معيّنه، و
أهمُّها
الاصول
الثلاثه
للرؤيه
الكونيه، أي
معرفه مبدأ
الوجود (التوحيد)،
و مصير
الحياه (المعاد)،
و السبيل
السليم الذي
يكفل
التوصّل
للنظام الذي
يوفّر
السعادهّ (النبوّه)
أي معرفه
الوجود، و
معرفه
الإنسان، و
معرفه
السبيل.
و نبدأ
بتوضيح كلّ
واحده من هذه
المقدّمات
الثلاث: الإنسان
باحث عن
الكمال
لو تأمّل
كلّ واحد
منّا في
دوافعه
الداخليّه،
و ميوله
النفسيّه،
للاحظ أنّ
الدافع،
الأساسي
للكثير
منها، هو
الرغبه في
الكمال، و لن
نجد إنساناً
يرغب في
النقص في
وجوده، و
نراه يسعي
جاهداً، و
بحسب وسعه،
لإزاله كلّ
النقائص و
العيوب عن
نفسه، ليبلغ
كماله
المنشود، و
قبل
إزالتها،
يحاول
إخفاءها عن
الآخرين.
و إذا وقع
هذا الدافع
في مساره
الفطريّ
السليم
فإنّه
سيؤدّي إلي
رقيّه و
تكامله
المادّي و
المعنويّ، و
لكن لو وقع في
مسار منحرف
نتيجهً
للبعض
العوامل و
الظروف،
فإنّه
سيؤدّي إلي
الكثير من
الصفات
السيّئه
أمثال
الاستعلاء و
التكبّر و
الرياء و
التهالك علي
السمعه و
الظهور
…
اذن
فالرغبه في
الكمال عامل
فطريٌ قويّ
كامن عمق
الروح
الإنسانيّه،
و لكن له علي
الغالب
مظاهر
شعوريه،
تجلب اليها
الانتباه، و
لو تأمّلنا
قليلاً فيها
لعرفنا أنّ
الأساس و
المصدر لكلّ
هذه المظاهر
الشعوريه هو
الرغبه في
الكمال. كمال
الإنسان في
إطاعه العقل
تتمّ
عمليّه
المنوّ و
التكامل في
النباتات
بصوره
حتميّه،
جبريّه،
خاضعه
لتوفُّر
العوامل و
الظروف
الخارجيّه،
فلاتنمو
شجره
بإرادتها، و
لاتثمر
الثمره التي
تختارها،
ذلك لأنّ
النبات
لايملك
الشعور و
الإراده.
أمّا
الحيوانات
فيمكن أن
يكون لها
نصيب من
الإراده و
الاختيار في
تكاملها، و
لكنّها
إراده
منبثقه من
الغرائز
الحيوانيّه
العمياء،
يتحدّد
عملها و
نشاطها في
حدود
الحاجات
الطبيعيه، و
علي ضوء شعور
ضيّق محدّد
بمقدار حواس
حيوان.
أمّا
الإنسان،
فبالإضافه
الي ما يملكه
من الخصائص
النباتيّه و
الحيوانيّه
فإنّه يختصّ
بميزتين
روحيّتين:
فهو من جهه
لاتتحدّد
رغباته
الفطريه
بحدود
الحاجات
الطبيعيّه،
و من جهه
اخري، يملك
قوه العقل،
حيث يمكنه من
خلالها أن
يوسّع في
معلوماته
إلي ما لا
نهايه، و
لأجل هذه
الميّزات
تتجاوز
إرادته حدود
الطبيعه
الضيّقه، و
تتّجه
باتّجاه
اللانهايه.
و كما أنّ
الكمالات
المختصّه
بالنبات
إنّما تنشأ
بوساطه
القوي
النباتيّه
المعيّنه، و
الكمالات
الحيوانيّه
إنّما تحصل
من إرادتها
المنبثقه من
الغرائز و
الإدراكات
الحسيّه،
فكذلك
الكلمات
المختصّه
بالإنسان
التي تتمثّل
في الواقع
بكمالاته
الروحيّه،
إنّما
يتوصّل
إليها من
خلال
إراداته
الشعوريه و
علي ضوء
توجيهات
العقل و
إرشاداته،
العقل الذي
يتعرّف علي
مختلف
الاتّجاهات
و المستويات
المطلوبه، و
حينما
تتصادم
تتزاحم
فإنّه يختار
الأفضل منها.
و من هنا
نعلم، بأنّ
إنسانيّه
الفعل إنّما
تتحقّق
بالإراده
المنبثقه من
الميول و
الرغبات
التي يختصّ
بها
الإنسان، و
علي ضوء
هدايه العقل
و توجيهه، و
أمّا الفعل
الذي يصدر من
دافع
حيوانيّ
فقط، فهو عمل
حيوانيُّ،
كما أنّ
الحركه التي
تنشأ من
القوي
الميكانيكيّه
لبدن
الانسان فقط
هي حركه
فيزيائيّه. الأحكام
العلميّه
للعقل
محتاجه الي
الأسس
النظريّه
إنّ الفعل
الاختياريَّ
وسيله
يتوصّل من
خلالها الي
النتيجه
المطلوبه و
يخضع في
قيمته،
لدرجه
مطلوبيه
الهدف الذي
ينشده، و
لمدي تاثيره
في تكامل
الروح، كما
أنّ الفعل
الاختياريَّ
لو أدّي إلي
فقدان كمال
روحيّ،
فستكون له
قيمهُ
سلبيّه
معكوسه.
إذن
فالعقل
إنّما يمكنه
الحكم علي
الأفعال
الاختياريّه
و تقويمها،
فيما لو كان
مطّلعاً علي
كمالات
الإنسان و
مستوياتها،
و كان عالماً
بأن الإنسان
أيُّ موجود
هو، و
بالأبعاد
التي تمتدّ
إليها
حياته، و
المرحله
الكماليه
التي يمكن
للإنسان
بلوغها، أي
يلزم علي
العقل أن
يعلم بأبعاد
وجود
الإنسان و
الهدف من
خلقه.
و من هنا
فالتوصّل
الي
الأيديولوجية
الصحيحه ـ أي
النظام
القيميّ (الخلقي)
الحاكم علي
الأفعال
الاختياريّه
ـ لايتّم
إلاّ برؤيه
كونيّه
صحيحه، و
علاج
مسائلها و
مواضيعها، و
إذا لم يعالج
هذه
المسائل،
فلايمكنه
الحكم
اليقيني
الجازم بقيم
الأفعال،
كما أنّه لو
لم يعرف
الهدف،
فلايمكنه أن
يحدّد
المسار الذي
يؤدّي الي
هذا الهدف،
إذن فهذه
المدرّكات
النظريّه
التي تشكّل
المسائل
الأساس
للرؤيه
الكونيّه،
هي في واقعها
الأساس
للنظام
القيميّ (الخلقيّ)
و الأحكام
العلميّه
للعقل. النتيجه
و علي ضوء
هذه
المقدّمات،
يمكن لنا أن
نثبت ضروره
السعي و
البحث عن
الدين، و بذل
الجهود
للتوصّل الي
الأيديولوجيه
و الرؤيه
الكونيّه
الصحيحه
بالدليل
التالي:
في
الإنسان
نزوع فطريٌّ
إلي كماله
الانساني و
يستهدف من
خلال
ممارسته
لبعض
الأفعال
التوصّلّ
الي كماله
الحقيقيّ، و
من أجل
التعرّف علي
الافعال و
الممارسات
التي توصله
الي هدفه
المنشود،
لابدّ له له
أن يعرف
أوّلاً
كماله
النهائيَّ،
و معرفته
إنّما تتّم
فيما لو
تعرّف علي
حقيقه
وجوده، و
بدايته و
مصيره ثمّ
عليه أن
يحدّد
العلاقه
الإيجابيّه
أو السلبيّه
بين أفعاله
المختلفه و
بين المراحل
و المستويات
المختلفه
كماله، حتّي
يتمكّن من
الوصول إلي
المسار
الصحيح
المؤدّي الي
كماله
الإنسانيّ،
و إذا لم
يتوصّل إلي
هذه
المدركات و
المعارف
النظريه (اُصول
الرؤيه
الكونيّه)
فلايمكنه أن
يتقبّل
نظاماً
عمليّاً
صحيحاً (الأيديولوجيّه).
إذن، فمن
الضروريّ
البحث و
السعي
لمعرفه
الدين
الحقّ، الذي
يشتمل علي
الرؤيه
الكونيه، و
الأيديولوجيّه
الصحيحه، و
إلاّ فإنّه
لايمكنه
التوصّل إلي
الكمال
الإنسانيّ،
و الأفعال
التي
لاتنبثق من
مثل هذه
القيم و
المدركات و
المعارف لن
تكون
أفعالاً
إنسانيّه، و
أولئك الذين
لم يحاولوا
البحث عن
الدين الحق،
و أولئك
الذين
عرفوه، و لكن
كفروا به و
انحرفوا عنه
عناداً، و
خضعوا
تماماً
لنزواتهم و
رغباتهم
الحيوانيّه،
و الملذّات
الماديّه
العابره، هم
حيوانات في
واقعهم كما
يقول القرآن
الكريم «يتمتّعون
و يأكلون كما
تأكل
الانعام»2، و
بما انهم
اضاعوا
الاستعدادات
الإنسانيه،
فسوف يكون
جزاؤهم
رهيباً و
عسيراً، لما
أضاعوه من
طاقات و
مواهب
إنسانيّه
زاخره «ذرهم
يأكلوا و
يتمتّعوا و
يلههم الأمل
فسوف يعلمون»3. الهوامش: 1.
الشكل الفني
لهذا الدليل
كما يلي: إذا
كان التوصل
الي
المنفعه، و
الأمن من
الضرر، رغبه
فطريه في
الانسان،
فيكون البحث
عن الدين
الذي يدعي
بأنه يعرض
السبيل
الصحيح الي
المنفعه
اللانهائيه،
و الأمن من
الضرر
اللانهائي،
ضروريا، (ضروره
العله
الناقصه
بالقياس إلي
وجود
المعلول). و
لكن التوصل
الي
المنفعه، و
الأمن من
الضرر رغبه
فطريه في
الانسان،
إذن فالبحث
عن مثل هذا
الدين ضروري.
و هذا
الاستدلال
علي شكل «القياس
الاستثنائي»،
و هو قائم علي
تحليل منطقي
معين،
للأحكام
العمليه
العقليه، و
تنتهي
بالتالي إلي
كون العله (الفعل
الاختياري)
ضروريه
بالقياس،
للتوصل الي
المعلول (النتيجه
المطلوبه)
كما توضح مثل
ذلك في موضعه.
و الدليل
الذي نبحثه
هي هذا الدرس
يمكن عرضه
بهذا الشكل
أيضا: إذا كان
الوصول إلي
الكمال
الانساني
مطلوبا
فطريا،
فالتعرف علي
أصول الرؤيه
الكونيه
الذي هو شرط
لازم لتكامل
الروح،
ضروري أيضا،
و لكن الوصول
إلي الكمال،
مطلوب فطري،
إذن فالتعرف
علي الأصول
المذكوره
ضروري.
2. محمد (ص): 12. 3. الحجر: 3.
|