ا لمجتمع‌ المدني‌

 محاولة‌ اولية‌ لتبيئة‌ المفهوم‌

           رغم‌ ان‌ مفهوم‌ المجتمع‌ المدني‌ حديث‌ التداول‌ في‌ المنطقة‌ الاسلامية‌، ومنطقة‌ الشرق‌ عموماً، إلاّ أنَّه‌ يعود في‌ بداياته‌ الي‌ القرنين‌ السابع‌ عشروالثامن‌ عشر، وربما يكون‌ «جون‌ لوك‌» اول‌ من‌ استخدمه‌ بعد الثورة‌ الانجليزية‌ 1688م‌، ثم‌ توالي‌ علي‌ دراسته‌ ونقده‌ واستقصاء ابعاده‌ المختلفة‌ عدد من‌ الفلاسفة‌ وعلماء الاجتماع‌ والسياسة‌ الغربيين‌، مثل‌ : «هوبز، روسو، هيجل‌، و...». فكانت‌ ولادته‌ في‌ ظل‌ التحول‌ الجذري‌ الذي‌ اجتاح‌ اوربا والانتقال‌ من‌ عصر الظلام‌ الي‌ عصر الدولة‌ الحديثة‌ والنظام‌ الجديد.

 ثم‌ عاد للظهور ثانية‌ ليرافق‌ بدايات‌ التحول‌ في‌ اوربا الشرقية‌، فانطلق‌ هذه‌ المرة‌ من‌ بولونيا 1982م‌، عندما طرحت‌ نقابة‌ التضامن‌ نفسها باعتبارها احد تنظيمات‌ المجتمع‌ المدني‌.

           ولم‌ يتفاعل‌ الوسط‌ السياسي‌ ـ الثقافي‌ العربي‌ معه‌ إلاّ بعد أمد امتد الي‌ التسعينات‌ من‌ القرن‌ الحالي‌، ليكون‌ رهاناً جديداً تلا اخفاق‌ الدولة‌ الحديثة‌ في‌ نقل‌ المجتمع‌ الي‌ مستوي‌ الطموح‌ الذي‌ كان‌ يراود مخيال‌ النخبة‌ السياسية‌ والمثقفة‌. فليس‌ هناك‌ تقدم‌ حقيقي‌ علي‌ صعيد ممارسة‌ الديموقراطية‌ والتداول‌ السلمي‌ للسلطة‌ وحرية‌ الرأي‌.

           أما في‌ الجمهورية‌ الاسلامية‌، فان‌ كلمة‌ السيد رئيس‌ الجمهورية‌ في‌ مؤتمر القمة‌ الاسلامية‌ في‌ طهران‌ كانت‌ إيذاناً لفتح‌ باب‌ الحوار حول‌ المجتمع‌ المدني‌، والمجتمع‌ المدني‌ الاسلامي‌، بعد ان‌ اضاف‌ السيد خاتمي‌ الي‌ المصطلح‌ قيد (مدينة‌ النبي‌). فعقدت‌ ثلاثة‌ مؤتمرات‌ (في‌ مدن‌: طهران‌، اصفهان‌، شيراز) لدراسة‌ المجتمع‌ المدني‌ وامكانية‌ تطبيقه‌ في‌ اطار القيم‌ الاسلامية‌ والنظام‌ السياسي‌ الحاكم‌ في‌ البلاد.

 ولم‌ تكن‌ الصحف‌ والمجلات‌ ووسائل‌ الاعلام‌ المختلفة‌ في‌ منأي‌ عن‌ الجدل‌ الواسع‌ الذي‌ لفّ الساحتين‌ الثقافية‌ والسياسية‌، فساهم‌ كل‌ ذلك‌ في‌ إثراء الموضوع‌، ولاسيما اذا اخذنا بنظر الاعتبار هامش‌ الحرية‌ الكبير الذي‌ يتمتع‌ به‌ الشعب‌ سياسياً وثقافياً. واصبح‌ رصيد المكتبة‌ الاسلامية‌ في‌ هذا الحقل‌ كبيراً ووافياً.

           ولم‌ يترشح‌ عن‌ المهتمين‌ بدراسة‌ مفهوم‌ المجتمع‌ المدني‌ تعريف‌ متفق‌ عليه‌، بل‌ راح‌ كل‌ واحد يعرفه‌ انطلاقاً من‌ خلفيته‌ الثقافية‌، وما يحمله‌ من‌ تصور عنه‌. لذا ظل‌ المصطلح‌ ملتبساً يعاني‌ ضبابية‌ كثيفة‌، لكنه‌ لا ينفي‌ وجود ملامح‌ خاصة‌ تحدد هويته‌ واتجاهه‌ الوظيفي‌. فمن‌ خلال‌ المتقابلات‌ يمكن‌ رسم‌ صورة‌ جلية‌ تساعد علي‌ ادراك‌ ابعاده‌ المختلفة‌.

           أطلق‌ المجتمع‌ المدني‌ في‌ مقابل‌ المجتمع‌ البدائي‌ او الطبيعي‌، الذي‌ تجتاحه‌ الفوضي‌ واللانظام‌، وتفشي‌ حالة‌ الرعب‌ والقلق‌ والتوثب‌ الدائم‌ لمواجهة‌ الاخطار المحدقة‌ به‌، فاضطر الافراد بشكل‌ تدريجي‌ الي‌ تأسيس‌ مجتمع‌ منظّم‌ لضبط‌ ممارسة‌ السلطة‌ والفصل‌ في‌ النزاعات‌ وسيادة‌ القانون‌ وتأمين‌ الحماية‌ لحرية‌ الفرد في‌ الاختيار، اي‌ اختيار انتمائه‌ للمؤسسات‌ الجديدة‌، فافترق‌ المجتمع‌ المدني‌ عن‌ المجتمع‌ البدائي‌ بحرية‌ الاختيار، بعد ان‌ كان‌ الفرد مجبوراً في‌ انتمائه‌ الي‌ مؤسسات‌ المجتمع‌ الارثي‌ (او الاهلي‌)، مثل‌: العائلة‌، القبيلة‌، الطائفة‌...، وساد القانون‌ مرافق‌ الحياة‌ لينهي‌ حالة‌ الفوضي‌ والتشرذم‌.

 ويقابل‌ المجتمع‌ المدني‌ عند بعضهم‌ المجتمع‌ الديني‌، الذي‌ اتسم‌ في‌ العصور الوسطي‌ باستبداد الكنيسة‌ وهيمنتها الممتدة‌ الي‌ الحريات‌ الشخصية‌، فليست‌ هناك‌ ارادة‌ تتعالي‌ علي‌ ارادة‌ السلطة‌ الدينية‌، او تتجاوزها لتتمتع‌ بهامش‌ ولو محدود من‌ الحرية‌. فجاءت‌ اطروحة‌ المجتمع‌ المدني‌ لتفتت‌ السلطة‌ الدينية‌ وتعطي‌ للمجتمع‌ شخصية‌ مستقلة‌ في‌ مقابل‌ الدولة‌، والدولة‌ تمارس‌ السلطة‌ في‌ دائرة‌ ارادة‌ الشعب‌ واختياراته‌.

           وهناك‌ من‌ يضع‌ المجتمع‌ المدني‌ مقابل‌ النظام‌ السياسي‌ العسكري‌ للتخلص‌ من‌ النزعة‌ الاستبدادية‌ المقيتة‌ التي‌ اعتادت‌ علي‌ ابتلاع‌ المجتمع‌ ومصادرة‌ حرياته‌.

           ويري‌ عدد من‌ الباحثين‌ الاجتماعيين‌ أن‌ المجتمع‌ المدني‌ هو نتيجة‌ طبيعية‌ لتطور المجتمعات‌ الانسانية‌، فالبشرية‌ خلال‌ مسيرتها الطويلة‌ مرّت‌ بعدة‌ مراحل‌ : مرحلة‌ المجتمع‌ البدائي‌ (مجتمع‌ الصيد وجمع‌ الغذاء)، المجتمع‌ الزراعي‌ (المجتمع‌ الانتاجي‌)، المجتمع‌ الصناعي‌... وفي‌ كل‌ مرحلة‌ ينتقل‌ المجتمع‌ الي‌ مستوي‌ اكثر تعقيداً من‌ الناحية‌ الاجتماعية‌ والتنظيمية‌. كما ان‌ الدول‌ تصبح‌ أكثر تطوراً في‌ المرحلة‌ التالية‌ فتعجز عن‌ تلبية‌ جميع‌ المتطلبات‌ الاجتماعية‌ منفردة‌. فالمجتمع‌ المدني‌ يقوم‌ عبر مؤسساته‌ بدور الوسيط‌ بين‌ الفرد والدولة‌، وينهض‌ بمهمة‌ تنظيمية‌ داخل‌ المجتمع‌ نفسه‌. وعليه‌ سوف‌ لا يكون‌ المجتمع‌ المدني‌ طبقاً لهذه‌ الرؤية‌ سوي‌ صيغة‌ عقلائية‌ لتنظيم‌ المجتمع‌ وعلاقته‌ بالدولة‌.

           اما الصيغة‌ المترشحة‌ عن‌ القيم‌ الليبرالية‌، فانها تجعل‌ المجتمع‌ في‌ مقابل‌ الدولة‌. والدولة‌ تكون‌ جهة‌ محايدة‌ ازاء المجتمع‌ تقوم‌ بتطبيق‌ القوانين‌ المترشّحة‌ عن‌ ارادته‌. ويتمتع‌ الفرد في‌ ظله‌ بحريات‌ واسعة‌ جداً، وتكون‌ الممارسة‌ الديموقراطية‌ ممارسة‌ حقيقية‌ عبر المؤسسات‌ المدنية‌ (كالاحزاب‌ والجمعيات‌ وغيرهما). كما ان‌ الدولة‌ فيه‌ علمانية‌ لا تخضع‌ للارادة‌ الدينية‌.

           وفي‌ هذه‌ الحالة‌، لا يمكن‌ فصل‌ المجتمع‌ المدني‌ عن‌ بطانته‌ القيمية‌ ومبادئه‌ الفلسفية‌، وستكون‌ استعارة‌ المصطلح‌ لتبيئته‌ في‌ الوسط‌ الاسلامي‌ غير ممكنة‌، لانه‌ وليد بيئة‌ اخري‌ ونتاج‌ ثقافة‌ لا تمتُّ الي‌ واقعنا بصلة‌. فلا تنفع‌ معه‌ عمليات‌ التوليف‌ والممازجة‌، لاختلاف‌ المبادي‌ الفلسفية‌ والقيمية‌ بين‌ المجتمعين‌.

           اما التفسير الاول‌ والرابع‌ لمصطلح‌ المجتمع‌ المدني‌، فانه‌ صيغة‌ عقلائية‌ لتنظيم‌ المجتمع‌ يمكن‌ ان‌ تتحرك‌ في‌ اي‌ اطار قيمي‌ واخلاقي‌، فتارة‌ يتحرك‌ في‌ اطار القيم‌ الليبرالية‌ ويؤدي‌ وظيفته‌ الاجتماعية‌ ومن‌ الممكن‌ ان‌ يتحرك‌ في‌ اطار القيم‌ الاسلامية‌، كصيغة‌ عقلائية‌ يراد بها تنظيم‌ المجتمع‌، فهي‌ تماثل‌ «الجمهورية‌» التي‌ هي‌ صيغة‌ غربية‌ لتنظيم‌ السلطة‌، وقد استعارتها الدولة‌ الاسلامية‌ في‌ ايران‌ لتُطلق‌ علي‌ نفسها «الجمهورية‌ الاسلامية‌» دون‌ ان‌ تجر خلفها حمولتها الثقافية‌ الغربية‌.

           ما تقدم‌ يتضح‌ ان‌ المجتمع‌ المدني‌ بصيغته‌ المطروحة‌ علي‌ جميع‌ التفاسير يتصف‌ بخصائص‌ نعرض‌ لبعضها ملخصاً:

                    1 ـ يتمتع‌ المجتمع‌، في‌ ظل‌ اطروحة‌ المجتمع‌ المدني‌، بشخصية‌ مستقلة‌ في‌ مقابل‌ الدولة‌، وهذا لا يعني‌ تضعيفاً للدولة‌، وانما منع‌ الدولة‌ من‌ التمدد خارج‌ دائرة‌ الدستور والصلاحيات‌ القانونية‌. فقيام‌ المجتمع‌ المدني‌ سيقضي‌ علي‌ الظواهر الاستبدادية‌ للدولة‌ ورجالها، ويمنح‌ الفرد دوراً حقيقياً في‌ المجتمع‌.

           2 ـ يتكون‌ المجتمع‌ المدني‌ من‌ مجموعة‌ مؤسسات‌ مستقلة‌ عن‌ السلطة‌ السياسية‌ تقوم‌ بتنظيم‌ العلاقات‌ بين‌ الافراد من‌ جهة‌، وعلاقتهم‌ بالدولة‌ من‌ جهة‌ اخري‌. فهي‌ مؤسسات‌ وسيطة‌ بين‌ المجتمع‌ والدولة‌. ومن‌ خلال‌ تلك‌ المؤسسات‌، التي‌ هي‌ لون‌ من‌ ألوان‌ دفاع‌ المجتمع‌ عن‌ نفسه‌، يستطيع‌ الفرد ان‌ يعبّر عن‌ طموحاته‌ واهدافه‌.

           3 ـ الطوعية‌ في‌ الانتماء الي‌ مؤسسات‌ المجتمع‌ المدني‌. فالفرد ليس‌ مجبوراً ـ كما هو الحال‌ في‌ المؤسسات‌ الارثية‌ او الاهلية‌ ـ في‌ انتمائه‌ لاي‌ جهة‌ من‌ الجهات‌، وعلي‌ هذا تكون‌ مشاركته‌ أكثر فاعلية‌ وايجابية‌ في‌ دائرة‌ المؤسسات‌ المدنية‌، ولا يشعر بانتمائه‌ لها بهيمنة‌ فوقية‌ تقمع‌ تطلعاته‌ وآماله‌.

           4 ـ يرتبط‌ المجتمع‌ المدني‌ ـ في‌ بعض‌ التفسيرات‌ ـ بأسس‌ فلسفية‌ تمثل‌ نظرته‌ للكون‌ والحياة‌. ويرتبط‌ ايضاً بمجموعة‌ من‌ المفاهيم‌ والمقومات‌، مثل‌: حقوق‌ الانسان‌، المشاركة‌ السياسية‌، حرية‌ التعبير عن‌ الرأي‌، مفهوم‌ المواطنة‌، التداول‌ السلمي‌ للسلطة‌ والتعددية‌.

 وليس‌ الموقف‌ سلبياً دائماً من‌ مقومات‌ المجتمع‌ المدني‌ كما هو الحال‌ بالنسبة‌ الي‌ اسسه‌ الفلسفية‌. وانما هناك‌ فقرات‌ انسانية‌ آمنت‌ بها الاديان‌ السماوية‌، واقرها الدستور في‌ اغلب‌ الدول‌، بقطع‌ النظر عن‌ مدي‌ صدقيتها في‌ التطبيق‌.

           ثمة‌ سؤال‌ عن‌ مدي‌ امكانية‌ تطبيق‌ فكرة‌ المجتمع‌ المدني‌ في‌ ايران‌، بعد ما اشار الي‌ ذلك‌ السيد رئيس‌ الجمهورية‌ كما المحنا آنفاً، وهل‌ هناك‌ تقاطع‌ بينه‌ وبين‌ المبادي‌ والقيم‌ التي‌ يرتكز عليها النظام‌ السياسي‌ هنا ؟

           والجواب‌ من‌ الناحية‌ النظرية‌ يتوقف‌ علي‌ وجود نظرية‌ اسلامية‌ متكاملة‌ عن‌ المجتمع‌، تصوغ‌ العلاقات‌ وتضع‌ التنظيمات‌ اللازمة‌ لقيامة‌. اي‌ تشمل‌ البعد النظري‌ والجانب‌ الاداري‌ والتنظيمي‌، غير ان‌ المتوافر لدينا من‌ النصوص‌ هو مجموعة‌ من‌ الاطر والقيم‌ الاجتماعية‌ التي‌ تضبط‌ حركته‌ وتوجه‌ مسيرته‌، اما التنظيمات‌ الادارية‌ فمتروكة‌ للعقل‌ الانساني‌ يتدبرها في‌ ضوء تجارب‌ الا´خرين‌ وفي‌ سياق‌ التحولات‌ التاريخية‌، فيمكنه‌ ان‌ يستعير الصيغة‌ المناسبة‌ لتطور المجتمع‌، شريطة‌ ان‌ تنسجم‌ مع‌ اطره‌ ومبادئه‌ القيمية‌.

           فالمجتمع‌ في‌ عصر الرسول‌ (ص‌) ـ كما يري‌ بعض‌ الباحثين‌ ـ بلغ‌ مستوي‌ راقياً من‌ النضج‌ الاجتماعي‌، فاعتبره‌ ـ من‌ خلال‌ الوثيقة‌ التي‌ اعدّهاالرسول‌ (ص‌) ـ مصداقاً للمجتمع‌ المدني‌. غير ان‌ تلك‌ الصيغة‌ تنسجم‌ مع‌ مجتمع‌ بسيط‌، ولا يمكن‌ تطبيقها في‌ ظل‌ التعقيد الاجتماعي‌ الحالي‌، ولا مانع‌ من‌ المحافظة‌ علي‌ نفس‌ القيم‌ والمبادي‌ الاسلامية‌.

           فمن‌ الناحية‌ النظرية‌ لا يوجد مانع‌ من‌ استعارة‌ المصطلح‌ وتبيئته‌ في‌ الوسط‌ الاسلامي‌ بعد استبعاد الاسس‌ الفلسفية‌ المعبرة‌ عن‌ نظرة‌ الغرب‌ للكون‌ والحياة‌.

           وأما عملياً فان‌ بعض‌ المؤسسات‌ ناشطة‌ في‌ لعب‌ دور فاعلٍ علي‌ صعيد تنظيم‌ العلاقة‌ بين‌ المجتمع‌ والدولة‌. ويشتد تمسك‌ الدولة‌ بالقوانين‌ يوماً بعد آخر، وليس‌ ثمة‌ فسحة‌ للتمدد خارج‌ دائرة‌ القانون‌، او ممارسة‌ الاستبداد علي‌ حساب‌ المجتمع‌. فيمكن‌ الرهان‌ علي‌ ايران‌ ما دامت‌ تتوافر علي‌ الارضية‌ المناسبة‌ لقيام‌ المجتمع‌ المدني‌.

           وليس‌ بالضرورة‌ ان‌ تقوم‌ مؤسسات‌ المجتمع‌ المدني‌ علي‌ انقاض‌ المؤسسات‌ الارثية‌ او الاهلية‌، بل‌ يمكن‌ ان‌ يتكاملا لبناء مجتمع‌ اسلامي‌ رصين‌، ولاسيما ان‌ المؤسسات‌ الارثية‌، أو الاهلية‌ في‌ ايران‌ لعبت‌ دوراً كبيراً وتاريخياً. فهي‌ من‌ الاسباب‌ الرئيسية‌ في‌ نجاح‌ حركة‌ التبغ‌ (التمباكو) والحركة‌ الدستورية‌ (المشروطة‌)، والثورة‌ الاءسلامية‌ المباركة‌. كما ان‌ دورها بعد انتصار الثورة‌ كان‌ اكبر واعقد، حيث‌ تصدّت‌ تلك‌ المؤسسات‌ للعدوان‌ الخارجي‌ طيلة‌ ثماني‌ سنوات‌، ومقاومة‌ الحصار الاقتصادي‌ المفروض‌ من‌ قبل‌ الدول‌ الاستكبارية‌، والمساهمة‌ في‌ نجاح‌ خطط‌ الحكومة‌ التنموية‌ والاقتصادية‌.

 *          *          *

           المحنا آنفاً ان‌ الضرورة‌ التي‌ دعت‌ لتناول‌ موضوع‌ المجتمع‌ المدني‌ هي‌ كلمة‌ السيد رئيس‌ الجمهورية‌ في‌ مؤتمر القمة‌ الاسلامية‌، عندما اشار الي‌ معالم‌ (المجتمع‌ المدني‌ الاسلامي‌). ويقصد بكلامه‌ المجتمع‌ المدني‌ بصيغته‌ المعروفة‌ بعد استبعاد اسسه‌ الفلسفية‌ ونظرة‌ الغرب‌ الخاطئة‌ للكون‌ والحياة‌. فهو يدعو الي‌ اقامة‌ مؤسسات‌ المجتمع‌ المدني‌ (كصيغة‌ عقلائية‌ ومتطورة‌ لتنظيم‌ المجتمع‌) لكن‌ في‌ اطار اسلامي‌. حيث‌ قال‌:

           «المجتمع‌ المدني‌ الاسلامي‌ هو مجتمع‌ يختلف‌ جذرياً عن‌ المجتمع‌ المدني‌ المبني‌ علي‌ الافكار الفلسفية‌ اليونانية‌ والتجارب‌ السياسية‌ للروم‌».

           اما خصائص‌ هذا المجتمع‌ كما ورد في‌ خطاب‌ السيد خاتمي‌ فنلخصها بما يلي‌:

           1 ـ ينبغي‌ ان‌ يكون‌ خالياً من‌ الاستبداد الفردي‌ والجماعي‌، وبعيداً حتي‌ عن‌ ديكتاتورية‌ الاكثرية‌ ومبرءاً من‌ هضم‌ وسحق‌ الاقلية‌.

           2 ـ يكون‌ الانسان‌ بما هو انسان‌ مكرماً ومعززاً وحقوقه‌ محترمة‌ ومصانة‌.

           3 ـ المواطنون‌ هم‌ اصحاب‌ الحق‌ في‌ تعيين‌ مصيرهم‌ والاشراف‌ علي‌ ادارة‌ الامور، ومحاسبة‌ المتصدين‌.

           4 ـ الحكومة‌ خادمة‌ الشعب‌ لاسيدته‌ ومسؤولة‌ امام‌ الناس‌ الذين‌ جعلهم‌ الباري‌ عز وجل‌ اصحاب‌ الحق‌ في‌ تقرير مصيرهم‌.

           5 ـ كل‌ انسان‌ يؤمن‌ بالنظام‌ والقانون‌ صاحب‌ حق‌، والدفاع‌ عن‌ حقه‌ من‌ أهم‌ وظائف‌ الحكومة‌.

           6 ـ ليس‌ المجتمع‌ المدني‌ ميالاً للتسلط‌ ولا خاضعاً له‌.

                    7 ـ المجتمع‌ المدني‌ الذي‌ نروم‌ تحقيقه‌ ناشي‌ من‌ الناحية‌ التاريخية‌ ومن‌ حيث‌ المبادي‌ النظرية‌ من‌ مدينة‌ النبي‌ (ص‌).

           وفي‌ الفقرة‌ الاخيرة‌ دلالة‌ واضحة‌ علي‌ تبني‌ اطروحة‌ السيد الخاتمي‌ للمبادي‌ الاسلامية‌ التي‌ سادت‌ مجتمع‌ مدينة‌ النبي‌ (ص‌)، دون‌ الاطر التنظيمية‌ المتجددة‌ دائماً تبعاً للظروف‌ الزمانية‌ والمكانية‌. والانتساب‌ لمدينة‌الرسول‌ (ص‌) كان‌ محفزاً للسيد الخامنئي‌ (دام‌ ظله‌) لان‌ يجيب‌ عن‌ سؤال‌ حول‌ اطروحة‌    السيد رئيس‌ الجمهورية‌: «هذه‌ الكلمة‌  ] المجتمع‌ المدني‌ [  سبق‌ وأن‌ طرحها رئيس‌ الجمهورية‌ وقال‌ في‌ بيان‌ معناها انه‌ يقصد بها المجتمع‌ الذي‌ يستقي‌ اسوته‌ من‌ مدينة‌ النبي‌ (ص‌) ونحن‌ كلنا علي‌ استعداد لبذل‌ نفوسنا في‌ سبيل‌ هذا المجتمع‌، وهذا أمر واضح‌ لا كلام‌ فيه‌».

           ثمة‌ سؤال‌ اخير يبدو ضرورياً وهو: لماذا لا نستبعد كلمة‌ «مدني‌» ونبقي‌ «المجتمع‌ الاسلامي‌»؟

 والجواب‌ ان‌ ذلك‌ ممكن‌ اذا عملنا علي‌ اعداد اطروحة‌ مجتمع‌ اسلامي‌ تستفيد من‌ تجارب‌ الا´خرين‌ دون‌ ان‌ نستعير اطروحات‌ كاملة‌ وننسبها لانفسنا. اما اذا اردنا استعارة‌ المصطلح‌ بغية‌ تطبيق‌ اطروحته‌ في‌ اوساطنا الاجتماعية‌ ضمن‌ اطرنا ومبادئنا الاسلامية‌، فالصحيح‌ ان‌ نبقي‌ علي‌ التسمية‌ مشفوعة‌ بقيد تفسيري‌، حتي‌ نكون‌ امناء مع‌ الا´خرين‌. وهذا ما حصل‌ في‌ استعارة‌ النظام‌ الجمهوري‌، ولا مانع‌ إذاً علي‌ صعيد المجتمع‌ المدني‌ الاسلامي‌ ايضاً.