|
في
ذكري المولد
النبوي
الشريف البشريه
تجدد الامل
بتحقيق حياه
نموذجيه
علي
عبدالخالق
عندما نعرف
حقيقه الوضع
السيء في
المجتمع
المكي
نستطيع ان
نفهم
الاسلام و
عظمه نبي
الاسلام
الهادي محمد (ص)
الذي استطاع
بمشيئه و لطف
إلهيين ان
ينقذ
البشريه، و
يضعها علي
طريق
المدنيه و
الاستقامه
السلوكيه،
مبتدئا بمن
حوله من
العرب، و
ممتدا
برسالته
العالميه
التي حملتها
من بعده
امته، و بشر
بها الدعاه
الي الله
سبحانه في كل
مكان، و هي
اليوم قوه
حضاريه، و
رساله
الانسان
المحتضر
من يستنطق
سجل التاريخ
و يقرا
صفحاته و
آثاره قراءه
تحليليه
واعيه, و
يستقريء
آيات القرآن
الكريم, و
يتعمق في فهم
و تفسير و
معرفه طبيعه
المجتمع و
تكوينه
النفسي و
الاقتصادي و
الثقافي و
العقائدي و
الاجتماعي,
من خلال
اسباب نزول
الآيات التي
تحدثت عن
اوضاع العرب
و طبيعه
اصحاب
الديانات
السماويه و
الوثنيه، و
ما وصلت اليه
من ترد و سقوط.
من
يمستقريء كل
تلك المصادر
و يستنطقها
يكتشف
الصوره
الماساويه و
الاوضاع
المتخلفه
التي كان
يعيشها
العرب في
الجزيره, و
العالم
الجاهلي
المتحضر
نسبياً من
حولهم آنذاك,
لقد كانت تلك
المنطقه من
العالم, بما
فيها مكه
التي تعتبر
مركزاً
مهماً من
مراكز العرب
التجاريه و
السياسيه و
الدينيه,
تعيش حاله من
التخلف و
الانحطاط
بكل معانيه.
فلقد كان
الجهل و
الاميه و
الخرافه
تسيطر علي
الجزيره
العربيه و
تعبث
بالعقول و
المعتقدات,
فلم يكن في
مكه من يعرف
القراءه و
الكتابه غير
عدد قليل يعد
علي الاصابع
كما يذكر
المؤرخون
ذلك. كما لم
يكن العرب
اهل كتاب و لا
ديانه
سماويه ترفع
من مستواهم
الفكري, او
تنظم حياتهم
الاجتماعيه,
و تعمق وعيهم
الحضاري. بل
كانوا
اعراباً
جاهليين
يعبدون
الاصنام و
الاوثان و
الجن و
النجوم و
الملائكه, و
قليل منهم
كانوا علي
دين ابراهيم
او المسيح
عليهما
السلام, و من
الجدير
بالذكر هنا
ان مكه كانت
بلد التوحيد,
و منطق
الايمان
ايام
ابراهيم و
اسماعيل
عليهما
السلام, اللذان
بعثا قبل
بعثه نبينا
محمد (ص)
باربعه الاف
سنه تقريباً. خلفيه
التوحيد
فقد دعا
ابراهيم و
ولده
اسماعيل
عليهما
السلام
بدعوه
الاصلاح و
التوحيد, و
اسسا البيت
الحرام, و
جعلاه بيتاً
للتوحيد و
عباده
الرحمن.
لقد حكي
القرآن هذه
الحقيقه و
وضحها بقوله: (و
اذ بوأنا
لإبراهيم
مكان البيت
أن لا تشرك بي
شيئاً و طهر
بيتي
للطائفين و
القائمين و
الركع
السجود), «البقره,
127».
و قد انتشرت
دعوه
ابراهيم في
جزيره العرب,
و جعل البيت
الحرام
مركزاً لهذه
الدعوه
الساميه, و
مما تجدر
الاشاره
اليه ان
قريشاً
تنتسب الي
النبي
اسماعيل بن
ابراهيم (ع) و
تعتز بذلك, و
ان محمداً (ص)
هو من ذريته
المباركه.
و بعد فتره
من الزمن
دخلت
الوثنيه الي
مكه، دخلتها
بعد انهيار
سد مارب و
تفرق العرب
في البلدان, و
تاثرهم
بالديانات
الوثنيه
التي كانت
منشتره في
بلاد الشام.
و يذكر
المؤرخون ان
قبيله «جرهم»
كانت تتولي
سدانه
الكعبه و
رعايتها,
فازاحتها
قبيله خزاعه
بالقوه, و
استولت علي
موقعها
الديني هذا,
فدنست البيت
الحرام, و
ادخلت اليه
الاصنام و
الوثنيه.
فكان اول من
أدخل
الاوثان الي
الكعبه «عمرو
بن لحي» زعيم
خزاعه, الذي
انتصرت
بقيادته علي
قبيله جرهم,
فقد جاء
بالصنم
الكبير «هبل»
و نصبه في
البيت, فغيرت
معالم
التوحيد, و
حرفت
الحنفيه
التي دعا بها
ابراهيم و
ولده
اسماعيل (عليهما
السلام).
و يذكر
المؤرخون ان
عمرو بن لحي
كان قد نقل
فكره
الوثنيه من
بلاد الشام
التي زارها, و
رأي وثنيه
اهلها, فتأثر
بها.
كان العرب
في مكه و ما
حولها لا
يعرفون في
تلك الفتره
مفهوم
الدوله و
السلطه و لا
التنظيم
الاداري, و
لا الحياه
المدنيه
المستقره.
فقد كانوا
يعيشون سلطه
القبيله و
تسلط
الاسياد و
الاقوياء
علي الفقراء
و العبيد, و
كان المجتمع
المكي
مجتمعاً
يتكون من
ثلاث طبقات
متميزه هي
1- طبقه
الاثرياء و
اصحاب رؤوس
الاموال,
امثال ابي
سفيان و ابي
لهب و الوليد
و العباس بن
عبدالمطلب و
غيرهم, و
كانوا
يمثلون
الطبقه
الراسماليه
الربويه و
التجاريه,
التي تملك
السلطه و
السياده, و
التي كانت
بسيطرتها
علي مكه و علي
البيت
الحرام
آنذاك, تملك
نفوذاً
واسعاً بين
قبائل العرب
و شعوبها.
2- طبقه
الفقراء و
المعدمين
الذين كانوا
يعيشون حاله
الفقر و
البؤس و
الاضطهاد
الاجتماعي.
3- طبقه
العبيد: و هي
الطبقه التي
لم تكن تعيش
حاله الفقر و
البؤس و حسب, و
انما كانت
تعامل
معامله
الحيوانات و
المنبوذين, و
يموت العبيد
تحت السياط و
اقدام
الاسياد.
و عندما
نعرف هذه
الحقيقه
نستطيع ان
نفهم
الاسلام و
عظمه نبي
الاسلام
الهادي محمد (ص)
الذي استطاع
بمشيئه و لطف
إلهيين ان
ينقذ
البشريه, و
يضعها علي
طريق
المدنيه و
الاستقامه
السلوكيه,
مبتدئاً بمن
حوله من
العرب, و
ممتداً
برسالته
العالميه
التي حملتها
من بعده امته,
و بشر بها
الدعاه الي
الله سبحانه
في كل مكان, و
هي اليوم قوه
حضاريه, و
رساله
الانسان
المحتضر. ميلاد
البشير محمد (ص)
حان وقت
الميلاد و
ارهصت
الدنيا
بعلامات
الهادي
الحبيب,
فالارض ملئت
ظلماً و
جوراً, و
الجاهليه قد
استطال
ظلامها
فغشيت
العيون و
القلوب, و غدت
الارض
مرتعاً
للظلم و
الفساد, و كتب
الله قد حرفت
و شوهت
معالمها, و
كان لابد ان
يشرق اللطف
الالهي في
ربوع الارض, و
تتجدد رساله
الله سبحانه
للانسان,
فيخاطب
بالكلمه
الحق, و يبلغ
بدعوه الهدي,
و شاء الله ان
يولد النور
في رحاب مكه, و
يشع الوحي في
سمائها
المقدس, و
يتعالي صوت
التوحيد في
الحرم الأمن,
حرم ابراهيم
و اسماعيل.
فقد شاء
الله ان
يقترن
عبدالله بن
عبد المطلب
بن هاشم بن
عبد مناف
بآمنه بنت
وهب عبد مناف
بن زهره بن
كلاب, بعد حفر
زمزم بعشر
سنين او تزيد,
بعد افتداء
ابيه له من
الذبح بسنه.
و في عام
المحنه عام
الفيل الذي
دهم فيه مكه
خطر الغزو و
العدوان
الحبشي لهدم
الكعبه و
اطفاء نور
النبوات و
استئصال
ميراث
ابراهيم
العظيم (ع), في
هذا العام
عام (571)
للميلاد ولد
محمد بن
عبدالله (ص),
في شهر ربيع
الاول, قبل
هجوم جيش
الفيل
بخمسين ليله.
ولدته أمه
آمنه بن وهب
في مكه
المكرمه في
منزل ابيه
عبدالله بن
عبدالمطلب
في شعب ابي
طالب في
البيت الذي
آل إلي محمد
بن يوسف
الثقفي, اخو
الحجاج بن
يوسف الثقفي.
و كانت
ولادته قبل
وفاه ابيه
بشهرين, ولد
رسول الله (ص)
فولدت معه
الآمال
الكبار و
ولدت
بميلاده
حياه
الانسان, و
فتحت صفحات و
فصول جديده
في تاريخ
البشريه, لقد
كان يوم
مولده هو يوم
ميلاد
الثوره علي
الظلم و
الفساد و
الطغيان, و هو
يوم ميلاد
الانقلاب و
التغير
الشامل في
حياه
البشريه, ولد
محمد (ص)
فاستقبله
جده
عبدالمطلب
بن هاشم
بالغبطه و
السرور, فقد
كان ابوه
عبدالله
ذاهباً الي
الشام في سفر
للتجاره و
المقايضه (او
متوفي كما في
بعض
الروايات). الحجر
الاسود و
الدور
القيادي
و يحدثنا
التاريخ عن
موقف عبقري
ملهم للنبي (ص)
قبل ان يبعث
للناس نبيا,
كان قد وقف
كحكم بين
قبائل قريش,
فنال
أعجابها و
احترامها,
فمن المعروف
تاريخياً ان
العرب كانت
تعظم الكعبه,
و تعتني بها
في الجاهليه,
و تحج اليها, و
قبل البعثه
النبويه
بخمسه اعوام
انحدر سيل
جارف باتجاه
الكعبه
فهدمها و خرب
بناءها
فاجتعمت
قريش و قررت
بناء الكعبه
و توسيعها, و
طلبت من نجار
قبطي في مكه
ان يصنع
سقفاً من
الخشب حصلت
عليه قريش من
حطام سفينه
علي شاطيء
البحر, باشرت
القبائل
البناء بعد
ان تقاسمت
جوانب
الكعبه فيما
بينها و راحت
تواصله حتي
بلغ موضع
الحجر
الاسود
فاختلوا
فيما بينهم
علي رفعه و
وضعه في
موضعه, فكل
قبيله تريد
ان تختص بشرف
رفع الحجر
الاسود و
وضعه في
موضعه من
الكعبه
الشريفه و
استمر
النزاع
بينهم اربعه
او خمسه ايام
حتي تواعدوا
بالقتال, و
كادوا
يقتتلون, ثم
اجتمعوا في
المسجد
فتشاوروا و
اتفقوا علي
ان يكون اول
داخل علي
الاجتماع هو
الحكم بينهم.
و تعاهدوا
علي
الالتزام
بحكمه, فكان
اول داخل
عليهم هو
النبي محمد (ص)
فقالوا:
(هذا الامين
قد رضينا به,
هذا محمد).
قام النبي
بالتحكيم
بينهم, فكان
قضاؤه كل
قبيله من
القبائل
المشتركه في
البناء بطرف
من الرداء, ثم
يحمل الحجر
الاسود بهذه
الطريقه,
يقرب الي
موضعه من
الكعبه,
فرضوا بحكمه,
و استجابوا
له, حين
اوصلوا
الحجر
الاسود
محمولاً
بيده
الشريفه و
وضعه في
موضعه, ثم بني
عليه.
و هكذا حسم
النزاع
برجاحه عقله,
و سمو مقامه.
لقد كان
لهذا الموقف
اثر كبير في
نفوس تلك
القبائل, و
تعميق مكانه
الرسول و
دوره
القيادي, و
تركيز للثقه
بشخصيته و
حكمته و
امانته.
لقد امر
الرسول بحمل
الرساله و
تبيلغ كلمه
الله, و
الدعوه الي
توحيده و
عبادته و
اصلاح
البشريه و
انقاذها من
الظلم و
الكفر و
الفساد و
الخرافه
بقوله تعالي:
(قم فانذر)، «المدثر/2».
فانطلق
مستجيباً
لامر الله,
يبشر بدعوته,
و يدعو الي
سبيل ربه,
فكان اول من
دعاه, و فاتحه
بالدعوه و
طلب منه
التصديق به,
زوجته خديجه
بنت خويلد, و
ابن عمه علي
بن ابي طالب (ص)
الذي كان
صبياً في
العاشره من
عمره
المبارك,
فآمنا به و
صدقاه, فكانت
تلك النواه
الاولي
للدعوه
الالهيه
الكبري في
الارض و
المنطلق
الاساس
لحركتها
التاريخيه
الرائده,
فكان علي (ع)
كما اراد
رسول الله (ص),
التلميذ
الواعي
لمضمون
الرساله, و
الجندي
الحامل
للرايه, و
المخلص
الوفي
للدعوه و
النبوه.
و كانت
خديجه نعم
العون و
النصير, فقد
صرفت ثروتها
و مالها
الوفير من
اجل نصره
الدعوه, و
تثبيت
اركانها,
كما كانت
دوماً الي
جنب رسول
الله (ص) تمنحه
الحب و تشيع
في ارجاء
البيت عبق
الراحه و
السعاده.
ثم اسلم زيد
بن حارثه,
فكان ثالث من
صدق و اسلم.
و هكذا بدات
الدعوه
بدايتها
الاولي, تلك
الدعوه التي
احدثت
الانقلاب
الشامل، و
اسقطت
العروش و
الامبراطوريات
و الجبابره, و
صنعت
المدنيه و
الحضاره
الفذه.
لقد عبر
رسول الله (ص)
عن تلك
البدايه
التي استهان
بها الطغاه و
الجبابره,
بقوله الذي
رواه لنا
عمر بن عبسه
السلمي قال: «اتيت
رسول الله
اول ما بعث و
بلغني امره,
فقلت: صف لي
امرك, فوصف لي
امره, و ما
بعثه الله به,
فقلت: هل
يتبعك علي
هذا احد؟ قال:
(نعم, امرأه و
صبي و عبد),
يريد خديجه
بنت خويلد, و
علي بن ابي
طالب, و زيد
بن حارثه».
انه لحدث
تاريخي مغير,
و هزه حضاريه
عنيفه, فماذا
يتوقع من
قريش, و ما هو
موقفها, او رد
فعلها تجاه
ذلك الحدث
العظيم؟
لقد كان
رسول الله (ص)
يدرك طبيعه
مجتمعه، و
القوي
الطاغوتيه
المستطله
عليه، و يعلم
ان هذا
الزلزال
التاريخي
الهائل سيهز
الطواغيت، و
يثير
كبرياءهم و
عدوانهم.
ان دراسه
تاريخ
الدعوه و
الاساليب
التي اتبعها
الرسول
الحكيم (ص)
ترسم امامنا
النهج و
الاسلوب
العملي
للدعاه في كل
زمان و مكان, و
تكشف لنا ان
السريه تكون
واجبه, اذا
كانت هناك
ضرورات تدعو
الي السريه, و
ان هناك
اخطاراً
تحيط
بالدعوه و
دعاه
الاسلام,
فعندئذ يحرم
علي
العاملين
الاسلاميين
ان يكشفوا
عملهم و
نشاطهم
لاعداء
الاسلام
الذين
يتربصون بهم
الدوائر, و
يسعون
للقضاء
عليهم, او
يكشفوه لمن
لا يؤمنونه
عليه.
اما
المرحليه و
التدرج في
الدعوه و
التبليغ
التي سار
عليها
الرسول
الاكرم (ص) و
القرآن
الكريم في
تبليغ
الاحكام و
النزول
التدريجي,
خلال ثلاث و
عشرين سنه
فانها سنه
كونيه من سنن
الله تعالي,
فالتغيير و
بصوره خاصه
التغيير
الجذري
الشامل,
كالتغيير
الاسلامي
الكبير,
يحتاج الي
مسيره
مرحليه
متدرجه,
يتحقق فيها
الاعداد و
التكامل
التدريجي
لتعذر
التغيير
المفاجيء و
عدم تهيؤ
الوضع
النفسي و
الفكري و
الاجتماعي
له. الوحده
العدد 240 |