هكذا اصبح الاسلام محط انظار المثقفين في الغرب

بتول الحيدري

 

الاسلام رسالة ربانية شاملة، تستوعب العلم والمعرفة والثقافة، فالقرآن يتحدث عن العلم والفكر والتدبر والبصر والعقل في أيات كثيرة، ويربط بين ذلك وبين المعرفة بالله والايمان به.

ومدلول العلم في الاسلام لا يقتصر على العلوم الشرعية والدراسات الدينية، وانما يشملها ويتضمن غيرها، فهو يشمل العلوم الانسانية والعلوم الطبيعية، كما يشمل كل معرفة صحيحة ونافعة ومفيدة، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو احق الناس بها.

كما ان رسالة الاسلام دائمة لاتقتصر على عصر الصدر الاول للمسلمين ، وانما تبقى مصادرها واصولها وثوابتها مابقيت على الارض الحياة.

 

دين الفطرة الخالصة

 

ان من أهم واعظم العوامل التي أدت الى انتشار الاسلام في الأفاق وقبوله عند الناس، واستمراره وخلوده الى ان يرث الله الارض ومن عليها، يرجع في الاساس وقبل كل شيء الى انه دين الفطرة الخالصة النقية التي فطر الله تعالى الناس عليها (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لايعلمون) الروم 30.

ولانه من ناحية اخرى ، اشتمل على متطلبات الحياة الدنيا التي يتمتع بها البشر في حدود العقل والشرع: «وابتغ فيما اتاك الله الدار الأخرة ولاتنس نصيبك من الدنيا واحسن كما احسن الله اليك ولاتبغ الفساد في الارض ان الله لايحب المفسدين» القصص 77 .

ثم ان تعاليمه واساسياته واركانه تحمل من القيم الروحية الصافية التي تصف الانسان وتبصره وتهديه الى الطريق السوي، طريق الحق والنور والصراط المستقيم.

هذا من جهة، ومن جهة اخرى فان هذه التعاليم تنظر الى الانسان على اعتبار انه مكون من مادة وروح، فلا تغلب جانبا على جانب ، ولا تهمل جانبا لحساب جانب آخر.

فالاسلام جاء بتكاليف واحكام يجب على المسلم التقيد بها، والعمل بمقتضاها في حياته العامة والخاصة حتى ينال رضا الله وثوابه، وهو في الوقت نفسه قد اباح لهذا المسلم كل ما يمكن ان يتمتع به من طيبات الحياة الدنيا التي لاتصطدم بالشرع المقدس والا تضر بالانسان: «قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الأيات لقوم يعلمون» الاعراف 32.

فالله الذي خلق الانسان في احسن تقويم ، وهباه بنعمة العقل الذي يميز به الاشياء ويوازن بينها ويختار المناسب منها هو وحده جل جلاله الذي يعلم ان لهذا الانسان المخلوق طاقة محدودة لايمكن له ان يتجاوزها.

وا ذا استطاع تجاوزها وحمل نفسه من التكاليف مالايطيق فانه لن يصل الى مايريد ، وهو رضا الله تعالى والمثوبة على فعله، لان الله تعالى هو القائل في كتابه الكريم: «هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج» الحج 78.

ان العبادة الحقة هي التي يستطيع ان يؤديها المسلم ويقوم بها في سهولة وبساطة ويسر، ولا يحمل الانسان نفسه فوق طاقتها وامكاناتها.

لان التشديد في العبادة والاخذ بالثقل الذي يؤدي الى السآمة والملل، ويصل بالانسان الى الحرج والمشقة ليس من الدين في شيء.

 

عودة حقيقية الى الذات

 

اصبح من المسلمات ان العقل البشري السوي المتفتح ليمكنه الاقتناع الكامل بالاسلام دينا شاملا ومنهجا ربانيا، ونورا هاديا، ودواء شافيا لكل امراض الانسانية الفكرية والنفسية، ومجيبا مقنعا عن كل تساؤلاتها الملحة، اذا ما نجح في الوصول الى هذا العقل المتشوق في صورته الصحيحة ونقائه وتكامله، كما جاء به خاتم الانبياء محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

فالطبقة النيرة - على الاقل - من المفكرين والمثقفين واساتذة الجامعات في كل بقاع الارض، ولاسيما في المجتمعات الواعية، تتطلع باستمرار الى الحق والنور والخلاص من كل اثقال المادية الطاحنة وضلال الفلسفات والمذاهب المتنوعة، وهي مستعدة للهداية واعتناق الحقيقة الناصعة اذا ما احسن تقديمها وعرضها بما يناسب الزمان والمكان والثقافة ودرجة التعليم وظروف الحياة.

لقد ورثت اوروبا والشعوب الغربية عامة، صورة مشوهة عن الاسلام ، انتقلت اليها من تراث العصور الوسطى وعصر النهضة الى بدايات القرن العشرين، وقد دأبت الكنيسة على مختلف مستوياتها والاعلام الغربي بشتى وسائله على ترسيخ تلك الصورة المشوهة عن الاسلام والمسلمين.

وعلى الرغم من كل ذلك ، بل على الرغم من الواقع المعاش في حياة المسلمين انفسهم، ودولا وافرادا، استطاعت كثير من الشخصيات العامة الباحثة والمتلهفة الى حقيقة الاسلام، ان تصل الى المنابع الصافية وان تتعرف على حقيقة هذا الدين في عقائده وعباداته ومعاملاته، وان تراجع تأريخ الانسانية وتتأمل العطاء الرائع الذي اسهمت به الامة الاسلامية على امتداد عهود ازدهارها.

وكانت النتيجة الطبيعية ان هدى الله الكثير من تلك الشخصيات فدخلت الاسلام عن اقتناع حقيقي، واخذت تكتب وتؤلف وتحاضر ، معرفة به، ومدافعة عنه، ومصححة كثيرا من الاوهام والاباطيل التي اشيعت عنه، ثم كانت النتيجة ان هذه الاصوات المؤمنة جوبهت بضجيج شديد من حولها، بل تحول هذا الضجيج احيانا الى حرب شعواء ، استخدم فيها الكتابة والاعيب السياسة والاعلام ، وربما وصل الى المحاكمة وماوراء المحاكمة.

الغريب من جهتنا نحن المسلمين اننا يندر ان نسمع او نقرأ او نقابل هذه الشخصيات المرموقة، وحتى الذين يبلغون من الشهرة مبلغا كبيرا، يظل نتاجهم الفكري مجهو الا لقلة ضئيلة من المهتمين او المتخصصين، وذلك نتيجة اسباب كثيرة، ولو ان مؤسساتنا الاسلامية على امتداد العالم، التفتت الى النتاج العلمي لهذه الشخصيات ، وتبنت بالرعاية والتقديم، من جهتين: بالنشر واعادة النشر باللغة الاصلية وفي كل اللغات الحية، وتوزيعه على كل المؤسسات العلمية والدينية والثقافية في مختلف بلدان العالم، هذا من جهة ، ومن جهة اخرى بترجمته الى اللغة العربية وتوسيع نشره والاعلان عنه في وسائل الاعلام المعاصرة، وعقد الندوات المتكررة حوله في القنوات الفضائية المعروفة، لو حدث هذا فعلا لاستطعنا اشعار تلك الشخصيات بقيمتها الحقيقية وبشرف انتمائها الى الاسلام وبشرف عنايتها وانصافها، وايضا لعززنا في نفوس اجيالنا الصاعدة الثقة في اسلامهم العظيم وعالميته، ولمكنا ملايين من القراء في مختلف شعوب العالم من الوقوف على حقيقة الاسلام وعظمته من خلال كتابات تلك الشخصيات الاجنبية وهي وسيلة تفضل كل الوسائل التي يمارسها اكثر الدعاة المسلمين.

لقد حفل تاريخ كثير من هذه الشخصيات الاجنبية التي من الله عليها بالاسلام ، او استطاعت ان تفهم الاسلام الفهم الصحيح وان تذب عنه، حفل بكثير من المعاناة بسبب الوان الاستفزاز والحرب الشعواء من قبل الحكومة او بعض الاحزاب او المنظمات او الافراد، وندر ان وقفت دولة اسلامية او مؤسسة دينية ذات وزن ثقيل الى جانب هذه الشخصية او تلك ، وما محاكمة المفكر المعروف غارودي ببعيدة ، حيث لم تبد كثير من الحكومات والمؤسسات الاسلامية اي اهتمام بالامر، وكأن القضية لاتعنيها من قريب او بعيد.

وعندما قرر اتحاد الناشرين الالمان منح المستشرقة آناماري شيمل، جائزة السلام عام 1995 ، جندت وسائل الاعلام الغربية نفسها مدة ثلاثة اشهر للحيلولة دون ذلك ، ووصل الامر الى جمع توقيعات اكثر من 500 كاتب وناشر وعضو برلماني الماني وبعض الاسماء المعروفة مثل سلمان رشدي وتسليمه نسرين والكاتب الصهيوني (اموس اوز) وغيرهم ، للعمل على حرمان هذه المستشرقة المنصفة من الفوز بتلك الجائزة.