دراسة‌ تطبيقية‌ حول‌ حقوق‌ المسنين‌ في‌ الاسلام‌

 د. محمد الامين‌ الاسماعيلي‌

 تعرض‌ سماحة‌ الشيخ‌ محمد علي‌ التسخيري‌ لهذا الموضوع‌ بطريقته‌ المعهودة‌ في‌ البحث‌ العلمي‌ وغيرته‌ علي‌ الدين‌، عقيدة‌، وشريعة‌، ومنهاجاً، وبناه‌ علي‌ توفير الامن‌ العقدي‌، والاقتصادي‌ وحفظ‌ سلامة‌ الانسان‌ المسن‌ شريطة‌ تعليمه‌ المستمر وشغله‌ بالعلم‌.

 ان‌ اشتغال‌ الانسان‌ المسلم‌ بالعلوم‌ الشرعية‌ والتفرغ‌ لها سوف‌ يجعل‌ منه‌ انساناً قابلاً للقاء الله‌ تعالي‌ في‌ يسر وسهولة‌ كما دلت‌ المقاصد الشرعية‌ منذ بداية‌ الانسان‌ ومعانقته‌ للحياة‌ بناء علي‌ مايلي‌:

 أ ـ حفظ‌ الدين‌

 ب‌ ـ حفظ‌ النفس‌

 جـ ـ حفظ‌ العقل‌

 د ـ حفظ‌ النسل‌

 هـ ـ حفظ‌ المال‌

فهذه‌ الكليات‌ الخمس‌ تقيم‌ الحياة‌ علي‌ أساس‌ من‌ الاخلاق‌ التي‌ يزرعها الايمان‌ في‌ نفوس‌ المؤمنين‌ فيكون‌ المجتمع‌ الاسلامي‌ كالبنيان‌ المرصوص‌ يشد بعضه‌ بعضاً ولن‌ يكون‌ للنصوص‌ الشرعية‌ من‌ معني‌ الا اذا عززها الايمان‌ أو قامت‌ عليه‌ دون‌ غيره‌ من‌ توحيد رائد لكل‌ أفراد الامة‌ التي‌ منها وفيها يكون‌ الانسان‌ مسلماً مؤمناً بقضيته‌.

 ان‌ النصوص‌ الفقهية‌ لم‌ تنشأ في‌ فراغ‌ كما انها لا يمكن‌ أن‌ تعيش‌ أو أن‌ تفهم‌ في‌ فراغ‌! لقد نشأت‌ في‌ مجتمع‌ مسلم‌، ونشأ الفقه‌ من‌ خلال‌ حركة‌ هذا المجتمع‌ في‌ مواجهات‌ حاجات‌ الحياة‌ الاسلامية‌ الواقعية‌. كذلك‌ لم‌ يكن‌ الفقه‌ الاسلامي‌ هو الذي‌ أنشأ المجتمع‌، انما كان‌ المجتمع‌ بحركته‌ الواقعية‌ لمواجهة‌ حاجات‌ الحياة‌ الاسلامية‌ هو الذي‌ أنشأ الفقه‌ الاسلامي‌.

 والذين‌ يأخذون‌ تلك‌ النصوص‌ والاحكام‌ المدونة‌، دون‌ ادراك‌، ودون‌ مراجعة‌ للظروف‌ والملابسات‌ التي‌ نزلت‌ فيها تلك‌ النصوص‌ ونشأت‌ فيها تلك‌ الاحكام‌، ودون‌ استحضار لطبيعة‌ الجو والبيئة‌ والحالة‌ التي‌ كانت‌ تلك‌ النصوص‌ تلبيها وتؤججها، وكانت‌ تلك‌ الاحكام‌ تصاغ‌ فيها وتحكمها وتعيش‌ فيها  ... الذين‌ يفعلون‌ ذلك‌ ويحاولون‌ تطبيق‌ هذه‌ الاحكام‌ كأنها نشأت‌ في‌ فراغ‌، وكأنها اليوم‌ يمكن‌ ان‌ تعيش‌ في‌ فراغ‌ هؤلاء في‌ حاجة‌ لوقفة‌ تأمل‌ في‌ عقيدة‌ هذا الدين‌ تشعره‌ بوحدة‌ الخالقية‌  ( يا أيها الناس‌ انّا خلقناكم‌ من‌ ذكر وأنثي‌ وجعلناكم‌ شعوباً وقبائل‌ لتعارفوا )   ووحدة‌ المصير  ( انك‌ ميت‌ وانهم‌ ميتون‌ )   .

 ان‌ العواطف‌ والوشائج‌ خلقتها العقيدة‌ بين‌ الناس‌ ايماناً واعتقاداً لانها صادرة‌ عن‌ الله‌ الذي‌ كرم‌ الانسان‌ وأحدث‌ الايمان‌ به‌ ثورة‌ في‌ التطورات‌ والاوضاع‌، وفي‌ المشاعر والضمائر. وهي‌ نظرة‌ علوية‌ مطلقة‌ ربانية‌ لم‌ تنشئها ضرورة‌ واقعية‌ ولا دعوة‌ أرضية‌ ولا مقتضيات‌ اجتماعية‌ أو اقتصادية‌. انما أنشأتها العقيدة‌ الاسلامية‌ الصادرة‌ عن‌ الله‌.

 فالاحسان‌ الي‌ المسنين‌ والاهتمام‌ بهم‌ فضيلة‌ عقدية‌ اسلامية‌، مرتبطة‌ برضا الله‌ تعالي‌ وليس‌ بعناصر اخري‌ أرضية‌. ومقصد الدين‌ عقدي‌ في‌ البر وفي‌ غيره‌ ويقوم‌ علي‌ مقصدين‌:

 1 ـ مقصد نفساني‌: وهو تربية‌ نفوس‌ الامة‌ علي‌ الاعتراف‌ بالجميل‌ لصانعه‌، وهو الشكر، تخلقاً بأخلاق‌ الباري‌ تعالي‌ من‌ اسمه‌ الشكور، فكما أمر بشكر الله‌ علي‌ نعمة‌ الخلق‌ والايجاد من‌ عدم‌ والرزق‌ أمر بشكر كل‌ من‌ أسدي‌ معروفاً، والمسن‌ تلك‌ حاله‌ حيث‌ قضي‌ عمره‌ باذلاً من‌ نفسه‌ وماله‌ وجاهه‌... وفي‌ الامر بشكر الفضائل‌ تنويه‌ بها وتنبيه‌ علي‌ المنافسة‌ واحقاق‌ لحقه‌ الذي‌ فرضه‌ الايمان‌ بالله‌.

 2 ـ مقصد عمراني‌: وهو ان‌ تكون‌ أواصر العائلة‌ قوية‌ العري‌ مشدودة‌ الوثوق‌، فأمر الله‌ تعالي‌ بما يحقق‌ ذلك‌ الوثوق‌ بين‌ افراد العائلة‌، وحسن‌ المعاشرة‌ ليربي‌ في‌ نفوسهم‌ من‌ التحاب‌ والتواد ما يقوم‌ مقام‌ عاطفة‌  .

 فاذا وضعنا أمامنا واقعة‌ يعقوب‌ مع‌ أبنائه‌ لوجدنا مقصد التربية‌ العقدية‌ ماثلة‌ أمامنا، فهم‌ يقولون‌ رغم‌ ما يريدون‌ بيوسف‌  ( قالوا يا أيها العزيز ان‌ له‌ أباً شيخاً كبيراً فخذ أحدنا مكانه‌ انّا نراك‌ من‌ المحسنين‌ )  ، وقول‌ رسول‌ الله‌ (ص‌): «ان‌ من‌ اجلال‌ الله‌ تعالي‌ اكرام‌ ذي‌ الشيبة‌»  . «استوصوا بالكهول‌ خيراً واحموا الشباب‌»  .

 واذا نظرنا الي‌ الواجهة‌ التي‌ حللها سماحته‌ سوف‌ تصل‌ بنا الي‌ مقصد دنيوي‌ تربوي‌، ولكن‌ المقصد الشرعي‌ هو الذي‌ نريد اللحوق‌ به‌ كي‌ نضمن‌ الثواب‌ عند الباري‌ تعالي‌.

 فالغرب‌ مهما بلغت‌ حضارته‌ عوّض‌ الرحمة‌ والحساب‌ بدور للعجزة‌، وأغفل‌ المؤسسة‌ العائلية‌، وليس‌ لنا غير العقيدة‌ والايمان‌ عاملان‌ لاحياء الاسوة‌ والمجتمع‌ ثم‌ الامة‌ المسلمة‌. اذ بدون‌ ذلك‌ يصعب‌ علينا احياء التواد والتراحم‌.

 فلن‌ تستطيع‌ القوانين‌ أن‌ تولد الايمان‌ في‌ قلوبنا بقضية‌ المسنين‌ أو الشيوخ‌ أو أصحاب‌ العاهات‌ أو غيرهم‌، ولا تستطيع‌ قرارات‌ الامم‌ المتحدة‌ أو الدولية‌ علي‌ وجه‌ العموم‌ ـ ولا في‌ المجتمعات‌ الغربية‌ التواد، بل‌ زادت‌ الامر تعقيداً واحراجاً فلم‌ تعد الاسرة‌ المستقرة‌ للغرب‌، ولم‌ تمل‌ قلوبهم‌ الي‌ كهولهم‌ وشيوخهم‌، بل‌ أصبح‌ الامر من‌ الشأن‌ الذي‌ تقوم‌ به‌ الدولة‌ وحدها، وعلي‌ الفرد في‌ المجتمع‌ ان‌ يقوم‌ بايصال‌ المسن‌ الي‌ دار العجزة‌، ومن‌ ثمة‌ تنقلب‌ القضية‌ الي‌ وظيفة‌ حكومية‌ وينتهي‌ دور الفرد في‌ المجتمع‌ عند هذا الحد.

 ولكن‌ التوجيه‌ العقدي‌ الاسلامي‌ علي‌ وجه‌ الخصوص‌ ودون‌ سائر الاديان‌ حقق‌ المراد الحقيقي‌ لكل‌ عاجز مسن‌ كان‌ او غيره‌، ولنا في‌ حركات‌ الاصلاح‌ التي‌ قامت‌ في‌ المجتمعات‌ الاسلامية‌ خير دليل‌ علي‌ سمو التوجه‌ الايماني‌ في‌ احياء روح‌ الانسان‌ في‌ التعاون‌ والتواد والتآلف‌ فالاسلام‌ ان‌ كان‌ لا يهمل‌ تجارب‌ الامم‌ والشعوب‌ فهو لا يجعلها أصلاً لاي‌ كيفما كان‌، بل‌ يجعل‌ العقيدة‌ هي‌ الاصل‌ والمنطلق‌.