الخياران السلبيان

 

حينما كنت أجلس على مقعد في صالة الانتظار، الى ان يحين دوري في تقديم اوراقي الى مجلس الخدمة العامة، على امل الحصول على مهنة تناسب تخصصي الجامعي، لمحت زميلتي (حنان) وقد خرجت من غرفة الموظف المختص، فحييتها من بعيد، فاسرعت نحوي لتحييني بتحية الشوق العارم بعد افتراق دام سنتين منذ ان تخرجنا من كلية العلوم ، اذ قضينا هذه الفترة في عملية التطبيق العملي في مكانين بعيدين عن العاصمة..

وبعد تبادل الاشواق الحارة، سألت (حنان) عن وضعها الشخصي والمنزلي ، فقالت انها ماتزال عزباء ، بالرغم من تقديم شابين لخطبتها لكنها مترددة وخائفة من اختيار احدهما وعندما سألتها عن السبب، قالت:

- بمجرد تخرجي من الجامعة، صارح صديق لآخي ، أبي برغبته في الارتباط بي، هذا الشاب متدين جدا ، ولكن أباه عرف بالبخل الشديد ، وسمعت أخي غير مرة يقول عن صديقه: انه حريص جدا في الامور المادية، ومن خلال زمالتها في الكلية، عرفت عنه أنه لايدخر جهدا في توفير النقود ، ويتسلق على اكتاف زملائه باستعارة الكتب منهم حتى لايقتنيها من الاسواق.

وقبل أن احسم امري ، حضرت الى منزلنا صديقة قديمة لآمي لتخطبني لابنها المدرس الجامعي وهو ايضا شاب حسن السمعة، لا ياخذ أبي عليه نقصا في الدين، وحين زارنا هذا الشاب في مرة تالية لاحظت انه شديد الاعتماد بنفسه، يؤكد في حديثه انه لايحب سياسة الامر الواقع، ولا يقبل ان يفرض عليه رأيه ، وحين ناقشته قال بحسم: انه باحث وعقله دائما يقظ، ويستطيع وزن الامور ولايحتاج - على حد تعبيره - الى عقل فوق عقله.

صمتت ( حنان) لحظات ثم استطردت حديثها قائلة:

- ان كلا الشابين ملتزم دينيا، ولديه امكانات الزواج ولكنني اخشى من الحرص المادي للآول ومن عناد الثاني، فما رأيك يا ست «وفاء»؟.

شكرت «حنان» على ثقتها بي، وأجبتها بشيء من التفصبيل:

- أنت محقة يا حنان في توجسك، فالتدين وحده لايحقق السعادة الزوجية ، مالم ينعكس على السلوك والاخلاق، وعندما لخص الرسول (ص) صفات الزوج الصالح، لم يقل: «ان جاءكم من ترضون دينه.... فزوجوه» بل قال: دينه وخلقه، فالعبادة الفردية قد تحقق لصاحبها السعادة والسكينة، لوكان الخلق الطيب المستمد من الدين قد يعد بمثابة عبادة جماعية تحقق الهناء للفرد ومن حوله لذلك لا انصحك بقبول ايهما ، فالبخل يا صديقتي حنان آفة سلوكية ، وكذلك العناد والتشبث بالرأي الخاطىء او حتى الصواب بدون فتح باب للنقاش والحوار .

سألت (حنان) مستفسرة:

- فهل اردهما نهائيا يا أخت (وفاء)؟

أجبت، حالا:

- اذا وجدت في نفسك ميلا لاحدهما وقدرة على تغييره الى الافضل ولو تدريجيا فلك الاختيار، وان كنت اشك بداية في ان الطباع الفطرية تتغير خاصة اذا ساندها موروث تربوي. فعدم دخول دائرة الخطر من البداية أفضل من اقتحامها ثم البحث عن مخرج منها بعد ذلك بلا جدوى حين يكون الآول قد فات.

ابتسمت (حنان) علامة القبول واستأذنتني للخروج بعد أن قالت:

- سأخذ بنصيحتك انشاء الله ولا اخطو أية خطوة تعود علي بالندم والحسرة.