المقابر العراق الجماعية في العراق شهادة حية  على فشل الانظمة الديكتاتورية

 

محمد علي جواد

 

نظام صدام لم يكن يتعامل مع مجرمين وخونة شاذين عن النسيج الاجتماعي كما يحصل في جميع دول العالم، فينفذ بحقهم حكم الاعدام شنقا، ورميا بالرصاص لتخليص المجتمع من شرهم،  وانما كان يواجه شعبا باكمله يشعر منذ عام 1968 ألا حاجة هناك لاقتناعه وايمانه بحقانية حزب البعث في السلطة والحكم في العراق، والمطلوب كان هو التصفيق ليس لشخص صدام  فقط بل ايضا لما يقترفه من جرائم وسلب ونهب لثروات البلاد.

 

انه لآمر محزن مقرح للقلوب ان ينتظر شخص ما 23 عاما وصول نبأ عن اولاده او بناته من داخل السجون والمعتقلات فجأة يسمع ان الذين كان ينتظرهم قد نفذ بحقهم حكم الاعدام ودفنوا تحت التراب قبل عشرين عاما، او آخر يرشدوه الى مناطق صحراوية نائية لبحث عن فلذات كبده في مقابر جماعية حيث اعدموا ظلما او دفنوا احياء في اعقاب الانتفاضة الشعبانية وذلك بطريقة مأساوية مروعة.

هؤلاء وهم بالحقيقة معظم افراد الشعب العراقي امامهم شيء آخر يبحثون عنه غير ابنائهم ، وهو المسؤول او المسؤولين عن تلك الجرائم التي لاسابق لها في التاريخ الحديث؛ فمن الواضح ان جريمة القتل او حتى الحاق الاذى بالانسان تستدعي العقاب والقصاص للجاني، وقد اقرت المنظمات الدولية قوانين وضوابط تقضي بمحاكمة اشخاص ارتكبوا جرائم قتل وابادة على مستوى شعوب وليس افراد وبات يطلق عليهم بمجرمي الحرب.

 ان  المصاب الاليم وعمق الجرح في القلوب يجعل عشرات الالاف من العوائل العراقية تعيش ذكريات مؤلمة هذه الفترة وهي تسمع عن ارقام مذهلة لعدد الضحايا التي سقطوا على يد النظام البائد منذ عام 1979، فبين خمسة وستة وحتى ثمانية ملايين شهيد سقطوا خلال السنوات الماضية تحت التعذيب الوحشي او في ساحات الاعدام او خلال عمليات الابادة الجماعية التي وقعت في الانتفاضة الشعبانية في اذار 1991وغيرها.

لقد اصدر المركز الوثائقي لحقوق الانسان قائمة طويلة باسماء المقابر الجماعية التي انشاها النظام الصدامي البائد حتى عام 1994 وقد ضمت القائمة 93 مقبرة جماعية في جميع انحاء العراق من شماله حتى جنوبه، وعندما اعلن ان سلطات أمن النظام البائد اقدمت على اعدام آخر وجبة معتقلين في الايام الاخيرة التي سبقت الاطاحة بالنظام الصدامي وقد وجدت المقبرة الجماعية بالقرب من بغداد وهي تضم رفات المئات من المعتقلين تشير الدلائل على انهم اعدموا قبل ايام. فان ذلك يؤكد ان عدد المقابر الجماعية قد يتجاوز المائة والخمسين مقبرة في العراق.

 

كيف انشئت المقابر الجماعية؟

 

انه سؤال جدير بالاثارة في بلد مثل العراق لم يشهد حربا اهلية كما حصل في جمهورية البوسنة والهرسك عام 1991 عندما تنازع على هذه الجمهورية المستقلة حديثا من يوغسلافيا السابقة كل من الصرب والكروات وايضا المسلمين، وحصلت نتيجة المعارك الضارية التي استمرت حوالي خمس سنوات جرائم مروعة بحق الابرياء لاسيما المسلمين منهم وسمع العالم حينها بالمقابر الجماعية وايضا بمجرمي الحرب ؛ لكن العراقيين لم يخضو حربا اهلية بل لم يكونوا راغبين ولا طامحين لذلك بقدر ما كانوا يطالبون بحقوقهم الاساسية وفي مقدمتها استعادة الكرامة الانسانية التي سعى صدام خلال سنين حكمه لصهرها في بوتقة النظام الحاكم فاذا كان ثمة حق للعزة والكرامة والحياة فهو له شخصيا ومنه يجب ان ياخذ الشعب تلك الحقوق وذلك اذا قدر له طبعا.

لذا فان نظام صدام لم يكن يتعامل مع مجرمين وخونة شاذين عن النسيج الاجتماعي كما يحصل في جميع دول العالم، فينفذ بحقهم حكم الاعدام شنقا، ورميا بالرصاص لتخليص المجتمع من شرهم،  وانما كان يواجه شعب باكمله يشعر منذ عام 1968 ألا حاجة هناك لاقتناعه وايمانه بحقانية حزب البعث في السلطة والحكم في العراق، والمطلوب كان هو التصفيق ليس لشخص صدام فقط بل ايضا لما يقترفه من جرائم وسلب ونهب لثروات البلاد.

في الفترة التي اعقبت انتهاء الحرب العراقية - الايرانية نقل احد المواطنين عن راع للاغنام في احدى مناطق جنوب العراق ان كلب الماشية لديه كان يحوم في المنطقة القريبة ويلامس انفه الارض وعندما يعود يكون فمه وانفه ملطخا بالدماء. عندها اكتشف الراعي انه على مقربة من مقبرة جماعية انشأها عناصر من اجهزة النظام حديثا.

فاذا كانت وجبات الاعدام خلال سنين الثمانينات تضم الالاف من المعتقلين ، فان هذه الوجبات في اعقاب الانتفاضة الشعبانية عام 1991 نقلت مئات الالاف من ابناء الشعب العراقي الى المقابر الجماعية، والسبب واضح هو ارتفاع حدة الخوف والهلع في نفس صدام على كرسي الحكم، فالذين ضمتهم المقابر الجماعية قد لايكونوا جميعا مشتركين اوضالعين في عملية الاطاحة بصدام او التحريض ضد نظامه، الا ان الظنة والتهمة بانهم قد يشكلون خطرا على امن النظام هي كافية لدفنهم احياءا او امواتا تحت التراب؛ وهي سياسة ليست جديدة على العراق ، ولعل صدام ونظامه قرأوا بتمعن سياسة الحاكم الاموي معاوية بن ابي سفيان عندما استفرد بالحكم خارج مسيرة الخلافة الاسلامية. والتاريخ يوثق الاحداث التي عاشها العراقيون ابان حكمه حيث كان يشدد في كتبه ورسائله الى ولاته في الامصار «ان خذوا الرجل حتى ولو بالظنة والتهمة» واستمر الحال بعد موت معاوية وخلال تعاقب الحكام والعهود.

 

من المسؤول؟

 

سؤال آخر لايقل اهمية عن سابقه؟ فالتاريخ الحديث وحتى القديم شهد مجازر وجرائم بحق الانسانية، لكن بعد فترة اقيمت المحاكم ونال المجرمون عقابهم، ولنا في قتلة الامام الحسين (ع) مثالا ساطعا عندما سقطوا في ايدي انصار المختار بن عبيدة الثقفي في الكوفة فقتلوا جميعا وفي مقدمتهم قادة الجيش الاموي الى جانب امير يزيد بن معاوية على الكوفة آنذاك عبيد الله بن زياد، وفي التاريخ الحديث شهدنا محاكم لمجرمي الحرب في اعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية وفي اعقاب انتهاء الحرب في البوسنة والهرسك، وبالرغم من الثغرات والمآخذ على الآسس التي تقوم عليها المحاكم الدولية ومنها محكمة الجنايات الدولية، تبقى قضية الجرائم المروعة في العراق والمتسببين بها مثار تساؤل ملح داخل العراق.

صحيح ان المطلب الاساسي في العراق هو استتاب الامن والاسستقرار في البلد والحؤول دون الانفلات الامني ونشوب معارك جانبية داخل المدن بمبررات مختلفة منها الانتقام، الا ان الطرف المعني بالامن والاستقرار في العراق وهي الولايات المتحدة التي اعترفت ضمنيا على لسان الرئيس جورج بوش ان تلك المقابر وسياسة القمع الوحشية التي اتبعها صدام هي التي مهدت للاطاحة به وبسهولة تدرك جيدا ان منظر المقابر الجماعية والحالات التي يرثى لها لذوي الضحايا لاسيما من النساء الثكلى، والى جانب ذلك وجود رموز النظام والمسؤولين عن تلك المجازر طلقاء احرار، يعيد الى الاذهان شبح الديكتاتورية والقمع والاضطهاد، في حين يدعي الاميركيون انهم انما جاؤوا الى العراق لازالة هذا الشبح الى الابد.

ان وقوف رموز النظام وفي مقدمتهم شخص صدام امام الشعب العراقي والاجابة على كثير من الاسئلة في محاكم تتوخى الدقة والموضوعية ، من شأنها ان تلغي مفردات من قبيل الفردية والديكتاتورية والحكم بقوة الحديد والنار من القاموس السياسي العراقي؛ وعندما يقام النظام السياسي البديل الذي يحترم ارادة الشعب العراقي  ويصون كرامته وحريته ، حينما يدرك ابناء الشعب ان دماء مئات الالاف من الشباب والشابات لم يذهب هدرا وان التجربة الفاشلة للديكتاتورية لن تتكرر.