مخاطر الفضاء الكومبيوتري

الانترنيت بين الاهداف و الواقع

مقداد عبد الرحمن

 

     حتي زمن قريب لم يكن المسؤولون في البلاد الغربيه قلقين الي هذا الحد من الفضاء الكومبيرتري(Syber space)  الذي هو بمثابه ارض مجهوله و عالم واسع بسعه الكون اما اليوم و بعد تطور شبكه الانترنيت و الاستخدامات الرهيبه التي راحت تتم من خلالها، و الآثار المخربه التي تمخضت عنها،‌ انطلق رجال السياسه و الثقافه و الامن و غيرهم الي ابداء مخاوفهم من هذه الثوره العلوماتيه و الاتصاليه الخطيره،‌ و ضروره مواجهه اخطارها المحتمله و البحث عن السبل الكفيله بتقليل الاضرار الاجتماعيه الناجمه عنها

     بقدر ما يعد الانترنيت ثوره علميه كبري في عالمنا الراهن و قفزه هائله في الميدان التقني و المعلوماتي، فهو ايضا موضع جدل و تساؤل عنيف من قبل الحكومات الشعوب لا سيما الاوساط الثقافيه و الامينه نظرا للامكانيه الهائله من التلاعب و سوء ‌الاستخدام التي يوفرها هذا الجهاز المعلوماتي العظيم.

     و رغم الاختلاف في المواقف ازاء هذه الشبكه العالميه الخطيره، الا ان الجميع يتفق علي ضروره التصدي لكن ما يمكن ان ينجم عنها من تبعات سلبيه لا سيما في مجال البورنوغرافي او ما يعبر عنه بالرسم الداعر او الفن الاباحي، و مختلف انواع الجرائم و الاعمال الجنائيه، و التزوير، و حتي علي صعيد تضارب الآراء السياسيه و كذلك في مجال ما عبرت عنه الاوساط الثقافيه المتحفظه بالامبرياليه الثقافيه.

     و لا توجد حكومه من حكومات العالم قد فتحت اذرعها بشكل كامل للانترنيت و وقفت ازاءه موقف المتحمس الاعمي، حتي تلك الحكومات التي تدعي الديمقراطيه و الحريه علي شتي المستويات. ففي مطلع عام 1996 صادق الكونغرس الاميركي علي قانون «آداب الاتصالات» الذي منع بث او تبادل المعلومات التي تسيء‌ الي العفه عن طريق الاينترنيت. و اعلنت علي اثر ذلك بعض الجمعيات المناصره للحريه بان هذا القانون يتناقض مع اول تعديل للدستور الاميركي، و يمكن ان يعتم علي اسلوب قيم العالم الديمقراطي.

     فحتي زمن قريب لم يكن المسؤولين في البلاد الغربيه قلقين الي هذا الحد من الفضاء الكومبيوتري(Syber space)  الذي هو بمثابه ارض مجهوله و عالم واسع بسعه الكون. اما اليوم و بعد تطور شبكه الانترنيت و الاستخدامات الرهيبه التي راحت تتم من خلالها، و الآثار المخربه التي تمخضت عنها، انطلق رجال السياسه و الثقافه و الامن و غيرهم الي ابداء مخاوفهم من هذه الثوره المعلوماتيه و الاتصاليه الخطيره،‌ و ضروره مواجهه اخطارها المحتمله و البحث عن السبل الكفيله بتقليل الاضرار الاجتماعيه الناجمه عنها. حتي ان احد القضاه في اميركا قد صرخ في العاملين في شبكه الانترنيت قائلا: اهبطوا بنا الي الارض، حاولوا ان تتحدثوا من جديد بلغه بشريه معروفه و مفهومه!

 

الهاجس الثقافي

     فالصين  مثلا تبحث اليوم عن طريق للاستفاده اقتصاديا من شبكه الانترنيت دون ان تسمح لها بالتحول الي مارد يهدد كيانها الامني و الثقافي بل و حتي السياسي. و كان المسؤولون الصينيون قد اعلنوا في عام 1996 انه يجب علي (50) الف مواطن صيني مشترك في هذه الشبكه ان تجري اتصالاتهم الالكترونيه عبر سلسله من القنوات و محطات التكرير الخاضعه لاشراف الجهات المعنيه. كما صدرت الاوامر الي كافه اصحاب الانترنيت بتسجيل اسمائهم لدي مراكز الشرطه، و منعت الشركات و المؤسسات و الافراد من انتاج او استنساخ و نشر و تبادل المعلومات المخله بالامن و النظام العالم.

     اما الفرنسيون فقد فتحوا جبهه جديده في مواجهتهم الدائميه مع الغزو الثقافي الانجليزي ـ الامريكي. و شبه «آلن كريستن» موظف مؤسسه الدراسات الكومبيوتريه الفرنسيه السباق من اجل تكريس التواجد في شبكه الانترنيت ب«الحرب الاستعماريه الجديده».

     و اكد وزير الثقافه الفرنسي ضمن بحثه حول «السياسه اللغويه»: «كنا   قبل قرون نهاجم البلدان، اما الحرب الجديده فهي حرب الفضاء الكومبيوتري، و علينا ان نحافظ علي الموقع الفرنسي في شبكه الانترنيت». في حين انتقد مسؤولون سياسيون فرنسيون حاله النزوع نحو ثقافه عالميه موحده، و ابدوا مخاوفهم من الاستخدام الواسع للغه الانجليزيه في شبكه الانترنيت علي اعتبار ان ذلك يشكل تهديدا واضحا للغه الفرنسيه.

     و حينما منعت السلطات الفرنسيه انتشار كتاب «السر الكبير»(Le Grand Secret)  الذي يتحدث عن الصراع الذي خاضه الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران مع عرض السرطان، بادرت شبكات الانترنيت الي بثه، مما سبب فضيحه للمسؤولين الفرنسين، ليس في فرانسا فحسب بل في العالم ايضا، و اخذ الناشرون يصرخون و يتحدثون عن نقض حقوق الطباعه و النظر و يطالبون بقيود اشد علي هذه الشبكه، فيما اعلنت منظمات الحقوق المدينه ان هذا نصر يتحقق في مقابل اعمال الرقابه و السياسه غير الصحيحه للحكومه.

     و اعربت المانيا هي الاخري عن غضبها ازاء الفضاء الكومبيوتري. و كانت بوادر ذلك الغضب قد ظهرت في عام 1995 من خلال المرافعه الشهيره التي اعلن فيها مدعي عام ولايه بايران (200) فريق خبري  (News Group)يتبادل المعلومات و الاخبار الجنسيه عن طريق الانترنيت،‌ و هو ما يتناقض مع القانون الالماني، و بعث بشكوي بهذا الصدد الي الكومبيوسيرف (Compuserve) و هو اكبر و انجح الخدمات المعلوماتيه (On-Line) في الكومبيوترات الشخصيه. و قام هذا الاخير بقطع اتصال كافه مشتركيه و من بينهم (4) ملايين اميركي، لعدم قدرته التقنيه في ايصال المعلومات للمشتركين في آن واحد.

 

مخاوف انتشار الدعاره

     و في مطلع عام 1996 اغلقت شركه (Deutsch Telkom) الالمانيه مقر شبكه (Web) تابعه لرجل ينتمي الي النازيين الجدد و يقيم في كندا مع (500) مقر آخر من مقرات شركه (Web Com)، و قد كان هذا الرجل يبعث بافكاره النازيه و المحرضه علي ممارسه الاعمال ذات الطابع العنصري.

     كما اوقفت جامعه كولن (Coloyne) لوحه اعلانات دعاره و شذوذ جنسي تابع لشبكه الجامعه (Coloyne Net) لشعورها بخطر مثل تلك الاعلانات، و للشكاوي التي قدمت من قبل الكثير من المشتركين. غير ان الجامعه استانفت البث من جديد بعد هبوط حده المعارضه.

     و في آسيا، اعتقل البوليس الياباني شابا في السادسه و العشرين من العمر لارساله صورا عاريه عبر الانترنيت. و ينتظر حكما بالسجن لمده سنتين مع دفع غرامه مقدارها (250) الف دولار. اما فيتنام فقد حددت انتشار الانترنيت بشكل كبير بحيث اقتصر علي بعض العلماء و اعضاء المجمع العلمي. و وضعت السعوديه و البحرين و بعض البلدان الاسيويه الاخري اجهزه مراقبه و تنقيه في البريد الالكتروني (Electronic Mail). و هي تسعي لمنع الصور الاباحيه و المعلومات الاخري المثيره للفتن السياسيه و الدينيه.

     و هدد السعوديون في مطلع عام 1996 باخراج جزء كبير من الاسلحه التي كانوا يتداولون حولها مع بريطانيا من طاوله المداوله، ما لم يتم اخراج سعودي منفي يعيش في اراضيها يقود عمليات ضد الاسره المالكه عبر الانترنيت.

     و طلبت السنغال من كافه المستفيدين من الانترنيت تسجيل اسمائهم في «مجوز القسم الوطني» كي يتبع اصحاب الكومبيوترات نهجا دقيقا و واضحا حول ما هو مقبول و ما هو غير مقبول. و من بين الحالات اللامقبوله: الفن الاباحي، و الادب الرخيص،‌ و الالفاظ و العبارات المشينه، و كافه النشاطات الجنائيه. و هدد وزير الاعلام بمعاقبه كل من يسعي لنقض القانون.

 

الحذر هو الخيار الوحيد

     النازي الجديد الالماني بامكانه ان يتحدث عن افكاره النازيه الجديده بسهوله عن طريق اداره رقم هاتف ما في اي مكان من العالم و وصله بالكمبيوتر، كما ان اي شخص آخر من انصار الدعاره او الشذوذ الجنسي بامكانه ان يعمل بهذا الاسلوب ايضا ناقلا افكاره و صوره الي اي مكان و في اي زمان يريد. غير ان الحكومات سعت و في كافه البلاد الي وضع رقابات علي شبكات البث و العرض الالكتروني للحيلوله دون اساءه استخدام هذه الوسيله العلميه التي اريد منها خدمه الانسان لا تدميره. غير ان هناك اصوات احتجاج تتصاعد مطالبه بوقف مثل هذه الرقابه و تدعي ان مثل هذه الممارسه تتناقض مع حريه التعبير و الفكر، و تعدها احدي الافات التي تهدد الانترنيت.

     الانترنيت ظاهره جديده صاخبه، و عالم آخر عجيب مدهش لم يكشف الا اليسير منه، انه يحطم الحدود الجغرافيه، و من الممكن ايضا ان يحطم الحدود الثقافيه للشعوب، و هو ما يثير هنا مخاوف بلدان العالم، فتسعي لفرض رقابه قانونيه عليه، في محاوله جاده لايقاف ما لديه من آثار سلبيه مرفوضه. لكن هل بامكان هذه البلدان ان تتخلص تماما من هذه الاثار و تستلم معلومات سليمه و مفيده من الانترنيت، و هي يمكنها ان تعيد للانترنيت طابعه المعلوماتي الناصع و هدفه الخير لخدمه الانسانيه و السمو بها، و هل سيتراجع اولئك الذين اتخذوا من هذه الوسيله العلميه المتطوره سبيلا لتدمير الثقافات و القيم الانسانيه عن اهدافهم و ممارستها استجابه لضغوط المعارضين؟ ليس هناك من يجيب علي هذه الاسئله بكلمه «نعم». و هذا ما يفرض علي حكومات البلاد الاسلاميه بشكل خاص مزيدا من الوعي و التحرك لحفظ الجيل المسلم من المخاطر الحقيقيه التي تهدده بشكل سافر و عنيف.

 

الوحده ـ العدد 232