في الذكري السنويه لانتصار الثوره الفرنسيه

لا حريه، لا اخاء و لا مساواه

الثوره الفرنسيه و اشكاليات الشعارات المطروحه

احمد عبدالرحمن

 

     ان كل المفاهيم الانسانيه في المجتمعات الغربيه حسب ما يري الكثيرون هناك تعد نتاجاً طبيعياً للثوره الفرنسيه، دون الاهتمام او الاشاره الي مسألتين، الاولي ما ادت اليه تلك الثوره من مآس رهيبه حتي صدق القول «ان الثورات تأكل ابنائها»، فذاك جورج روبسبير ابرز قادتها انتهي به الامر الي ذات المقصله التي قطع بها رقاب الالاف من معارضيه بصرف النظر عن ايمانهم بمباديء الثوره و شعاراتها او عدمه، اما المسأله الثانيه فهي ترتبط بصوره الواقع القائم اليوم بمختلف تداعياته و ارهاصاته. النزعات العنصريه، مصادره الحريات، الحملات الاعلاميه ضد الاقليات

     كان مثيراً و مفيداً في آن واحد ان تتزامن الذكري السنويه لانتصار الثوره الفرنسيه العام الماضي مع جمله تفاعلات ساخنه كانت تعيشها الساحه الفكريه و الثقافيه و السياسيه هناك؛ و قد يكون ابرزها المحاكمه التأريخيه للمفكر الفرنسي المسلم روجيه غارودي بسبب ما اورده من حقائق في كتابه الشهير «الاساطير المؤسسه للسياسه الاسرائيليه»؛ تلك التفاعلات الساخنه التي القت بضلالها الثقيله علي ما سواها من احداث و وقائع عالميه في اوربا و خارجها كانت في واقع الامر بمثابه تساؤلات صارخه حول ماهيه شعارات الثوره الفرنسيه التي ولدت في خضم أوضاع و ظروف تبدو الان مختلفه تماماً عما نعيشه لا في الغرب فحسب، بل و في الشرق كذلك، و تساؤلات عن مدي تطابق تلك الشعارات مع الواقع، او بعباره اخري مدي تطابق الواقع الناشيء مع جوهر الشعارات (الحريه- الاخاء- المساواه) و هل يا تري كانت هناك فعلاً رغبه حقيقيه لتحويلها الي ممارسات ام وظفت للتأسيس لخطاب براغماتي- ذرائعي- يقوم علي اساس ديماغوجيه لا قيمه حقيقيه لها؟

 

شعارات لحجب الفضائح

     و للاسف الشديد فاننا وجدنا اتجاهين للتعامل و التعاطي مع ذلك الحدث التأريخي الكبير، في الدوائر الغربيه- و تحديداً في فرنسا- طغت علي الحديث نزعه السرد التأريخي للوقائع المتلاحقه بدءاً من انتصار الثوره في عام 1789، مروراً بظهور الدستور الفرنسي و انبثاق الجمعيه الوطنيه الي هزيمه نابليون و سلام المائه عام ثم الحربين العالميتين الاولي و الثانيه و حتي هذه اللحظه حيث ان كل المفاهيم الانسانيه في المجتمعات الغربيه حسب ما يري الكثيرون هناك تعد نتاجاً طبيعياً للثوره الفرنسيه، دون الاهتمام او الاشاره الي مسألتين، الاولي ما ادت اليه تلك الثوره من مآس رهيبه حتي صدق القول «ان الثورات تأكل ابنائها»، فذاك جورج روبسبير ابرز قادتها انتهي به الامر الي ذات المقصله‌ التي قطع بها رقاب الالاف من معارضيه بصرف النظر عن ايمانهم بمباديء الثوره و شعاراتها او عدمه.

     اما المسأله الثانيه فهي ترتبط بصوره الواقع القائم اليوم بمختلف تداعياته و ارهاصاته. النزعات العنصريه، مصادره الحريات، الحملات الاعلاميه ضد الاقليات- او بعضها- و اتجاهات التثقيف و التوعيه التي راحت تأخذ منحي خطيراً يهدد بنتائجه الجميع دون استثناء.

 

القراءه الخاطئه للثوره الفرنسيه في العالم الثالث

     ينطلق الحديث بشكل دائم عن الثوره الفرنسيه في اوساط بعض النخب السياسيه و الفكريه في الشرق- العالم الثالث و الاسلامي جزء منه- من منطلقات خاطئه، غير سليمه تتمثل في غالب الاحيان بتاريخ الحمله الفرنسيه علي مصر بقياده نابليون بونابرت في عام 1798، و لعل خير شاهد علي ذلك الجدل و اللغط الذي ترافق مع الاحتفالات في الذكري المئويه الثانيه لهذه الحمله، ففي الوقت الذي يري فيه عدد من اصحاب الفكر و السياسيه انها لم تكن سوي غزوا عسكرياً بكل معني الكلمه يحاول آخرون اعطائها طابعاً حضورياً من خلال التركيز علي ما حقفه نابليون من انجازات علي صعيد التعليم و التربيه و البناء و العمران و ما الي ذلك، و المشكله هنا تمكن في ان الجميع يظل يدور في حلقه مفرغه عند احتدام الجدل حول احداث و وقائع تأريخيه سابقه و عدم الاهتمام كثيراً بمجريات الحاضر و مخاطر المستقبل.

     و بين العام الماضي و العام الحالي لم تكن الامور تسير سيراً حسناً طبيعياً في فرنسا- بل و حتي في مواقع غربيه اخري- و بدا ان هناك ثورات كامنه تهدد بالانفجار الاجتماعي الشامل و كان ادراك المتصدين و اصحاب القرار واضحاً لما يجري سواء كان تحت السطح او فوقه في العلن و ذلك لوجود قناعه بمستوي ما ان ثمه خللاً في التعامل مع البناء المجتمعي من المنظور الديني و السياسي و الثقافي.

 

العنصريه بدلاً عن الانسانيه

     و الطريف ان كل الارقام و الحقائق تشير الي ان شعارات الثوره الفرنسيه (الحريه، الاخاء، المساواه) غابت تماماً او غيبت، و بالتالي كان جوهر الممارسات يوحي بانقلاب و تبدل صيغه الشعارات الثلاثه، اذ اصبح شعار «ستصبح فرنسا جمهوريه اسلاميه خلال عشرين سنه» معروفاً لدي معظم فئات المجتمع الفرنسي، و قصه هذا الشعار تعكس جانباً من الحقائق الماثله علي الارض، و تؤكد ان كل ما اتت به الثوره بات تراثاً و تأريخاً يستذكر عند المناسبات ليس الا. و خلاصه القصه هي ان ممثلي الجاليه الاسلاميه في مدينه ستراسبورج تقدموا بطلب الي المجلس البلدي للمدينه للحصول علي رخصه لبناء جامع مركزي و لان اليمين المتطرف يسطير علي اغلبيه مقاعد المجلس البلدي فقد احتدمت المعركه الكلاميه بين هؤلاء و ممثلي الجاليه الاسلاميه و كادت الامور تبلغ حد الازمه لولا وجود اعضاء من احزاب اليسار في المجلس و بينما كانت النقاشات محتدمه، بادر اعضاء من الجبهه الوطنيه احد ابرز اطراف اليمين الي كتابه الشعار المذكور علي لافتات عريضه في خطوه تهدف الي اثاره مشاعر المسيحين و اليهود و تأليبهم علي المسلمين.

     و بهذا الشأن يقول احد المتابعين لاوضاع الجاليه الاسلاميه في فرنسا لا ينسي المسلمون معناتهم لبناء المساجد في فرنسا، فما زالت تجربه بناء جامع في مدينه ليون التي يسكنها اكثر من مائه و خمسين الف مسلم ماثله امامهم، حيث انتظر المسلمون عشر سنوات لكي توافق المدينه علي بناء الجامع، و بخاصه بعد ان تجمع السكان في جمعيات معاديه للمسلمين و رفضوا بيعهم او تأجيرهم ارض لبناء الجامع عليها.

     و يضيف نقلاً عن استاذ الاسلاميات الفرنسي فرانسوا بورغا؛ حينما شيد الجامع و افتتحه وزير الداخليه الوقت شارل باسكوا في الثلاثين من ايلول 1994 اهتم التلفزيون الفرنسي الذي اضطر الي تصوير و بث وقائع افتتاح الوزير للجامع بتصوير كلب دخل اليه و تسلق السلم و خصص له وقت اكثر مما خصص للوزير مع العلم المسبق لما يعنيه دخول كلب لجامع المسلمين!!

 

حقوق مصادره بالجمله

     و قضيه الترخيص ببناء الجوامع واحده من جمله قضايا تتفاعل يوماً بعد آخر فالي جانب ذلك غدا ارتداء حجاب الرأس من قبل الطالبات المسلمات في الجامعات الفرنسيه من المواضيع المثيره في داخل الاوساط السياسيه و وسائل الاعلام، فضلاً عن الشارع، و بقدر ما يبدو كل من الجامع و الحجاب وجهان لعمله واحده هي الاسلام بمعناه الحقيقي الاصيل، فانه يعتبر بالنسبه للغربيين عموماً التحدي الاخطر و الاكبر. و الذي لا يمكن باي حال من الاحوال تجاهله او التغاضي عنه.

     و ارتباطاً بذلك تبرز لنا مسأله المشاركه السياسيه الواقعي للمسلمين التي ما تزال موضع اخذ ورد حالها في ذلك حال غيرها، و ذلك من خلال تأسيس الاحزاب و التنظيمات المعبره عن اتجاهاتهم و افكارهم او السماح لهم بالتشريح ضمن قوائم الاحزاب التي تتمع بثقل كبير في الساحه السياسيه دون فرض أعبا ماليه مرهقه عليهم.

 

انجازات الثوره الفرنسيه!

     و لعلنا لا نجد افضل من تعبير مفكر فرنسي بقوله «لاحريه، لا أخاء، لا مساواه» في فرنسا و كل الادعاءات هراء في هراء، لان الحريه تعني ان تسمح للجميع بصرف النظر عن قوميتهم و ديانتهم و انتمائهم السياسي ان يقولوا و يفعلوا و يرتدوا ما يشاءون. و الاخاء تعبير عن سمو الشخص عن كافه نزعاته الضيقه الانانيه و هو يتعامل مع الاخر، اما المساواه فمعناها منح كل افراد المجتمع فرصاً متساويه- متكافئه حتي يكونون فاعلين و مؤثرين و فاعليتهم و تأثيرهم تتحدد وفقاً لقدراتهم و كفاءاتهم و مؤهلاتهم العلميه و المهنيه.

     و اذا كان هذا هو الحاصل، فلا نعتقد انه ممكنا الحديث عن انجازات و مآثر انسانيه للثوره الفرنسيه، او قراءه خطابها و فكرها بصوره احاديه تبتعد عن الوقائع و تتشبث بمفردات و مفاهيم ولدت ميته.

 

الوحده العدد 228