ثورة الامام حسين «عليه السلام» دروس في المبدئية

طريق الشهادة في كربلاء يكشف حقيقة الانظمة الديكتاتورية

عادل عبدالرحيم

لم يشأ الامام الحسين(ع) ان يدخل خطته في مسلك واحد وهو الحل العسكير فقط، وانما طرح الحل السياسي في مقاطع حساسة من سيرته فعندما اشرف عليه الحر بقواته القادمة من القادسية، اقبل عليهم بعد صلاة العصر وقال: اما بعد ايها الناس، فانكم ان تتقوا وتعرفوا الحق لاهله يكن ارضي لله، ونحن اهل البيت اولي بولاية هذا الامر عليكم من هؤلاء المدّعين ماليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان، وان انتم كرهتمونا، وجهلتم حقنا، وكان رأيكم غيرما اتتني كتبكم، وقدمت به عليّ رسلكم، انصرفت عنكم

استطاع معاوية بن ابي سفيان طيلة فترة ولايته علي بلاد الشام وخلافته التي ناهزت الاربيعن عاماً التأثير علي القبائل العربية التي انتقلت الي بلاد الشام من الجزيرة العربية اثناء الفتح الاسلامي فصنع منهم اتباعاً ومريدين يطيعونه طاعة عمياء.

وكان ذلك عاملاً مهماً حقق له طموحه بالاستئثار بالسلطة ليس له فقط وانما لعائلته بني امية التي كانت تنظر الي بني هاشم نظرة الحاسد الحاقد من اجل زعامة قريش والعرب فكيف بزعامة المسلمين، لقد كانت تلك التربية العشائرية الضيقة سبباً رئيسياً حوّل نظام الخلافة الاسلامية الي حكم وراثي بغيض والي سلطة وملك عضوض، دفع المسلمون ثمنه باهضاً من دمائهم ودينهم ودنياهم.

معاوية وعقدة النقص

كان معاوية يواجد عقدتين رئيسيتين، وهما: عقدة المبدأ وعقدة الشخص، حيث كانت الشوري مبدأ اعتاده المسلمون لاختيار الخليفة. اما التنصيب الوارثي فهو طريقة غير مألوفة عند المسلمين، فهي تخالف طريقة السقيفة وشوري الستة وبيعة المهاجرين والانصار عند اجتماعهم في بيت الامام علي(ع). ان تحويل امر الخلافة من قضية تهم جميع المسلمين الي قضية تهم عائلة او بيت من بيوت المسلمين و تهميش دور الامة ليست بالمسألة الهينة، وقد دفع معاوية الي بذل الجهود المضنية لتذيل هذه العقدة.

واما العقدة الاخري وهي الاشد والاقسي، فان يزيد بن معاويه الخليفة المرتقب لم يكن يتمتع بادني مقومات الشخصية الاسلامية من الالتزام والتدين ولا يحظي بادني مقومات القيادة من العقل والحلم والعلم وحسن التدبير، تري فكيف يوطاً له امر خلافة المسلمين (كان يزيد بن معاوية اول من اظهر شرب الشراب والاستهتار بالغناء والصيد واتخاذ القيان والغلمان، التفكُّه بما يضحك منه المترفون من القرود والمعافرة بالكلاب والديكة).[1]

(ولما اراد معاوية ان يأخذ البيعة ليزيد من الناس، طلب من زياد ان يأخذ بيعة المسلمين في البصرة، فكان جواب زياد له: مايقول الناس اذا دعوناهم الي بيعة يزيد، وهو يلعب بالكلاب والقرود، ويلبس المصَبّغات، ويدمن الشراب، ويمشي علي الدفوف وبحضرتهم الحسين بن علي، وعبدالله بن عباس، وعبدالله ابن الزبير، وعبدالله بن عمر؛ ولكن تأمره يتخلق باخلاق هؤلاء حولا او حولين فعسانا نموه علي الناس).[2]

ان يزيد بن معاوية غير مؤهل ولايليق باي نحو لخلاقة المسلمين سواء بنظر المعارضة اوالنظام، وكان معاوية يدرك مدي قصور ابنه وتخلفه والفارق الفاضح بينه و بين ابناء الصحابة، ولكنه لايقوي علي مخالفة هواه بل هو المصر علي متابعة منهجه في تحويل مجري الخلافة فيقول: (لولا هوائي في يزيد لابصرت قصدي).[3]

مواقف مؤسسة للثورة

لقد تصدي الامام الحسين(ع) لهذا الوضع المنهار وتحمل مسؤوليته بكل جرأة وجدارة وضرب لنا مثلاً اعلي في التضحية ودروساً في المبدئية في تلك الثورة العملاقة الخالدة نجمل منها مايلي من المواقف:

اولاً: الموقف من بيعة يزيد، حج معاوية وحاول ان يأخذ البيعة من اهل مكّة والمدينية فأبي عبدالله بن عمروابن الزبير، وفي رواية: ان الحسين قال له: كانك تصف محجوباً او تنعت غائباً او تخبر عما احتويته لعلم خاص، وقد دلل يزيد من نفسه علي موقع رأيه، فخذ ليزيد في ما اخذ من استقرائه الكلاب المتهارشه عندالتهارش والحمام السبق لاترابهن، والقينات ذات المعازف، وضروب الملاهي، تجده ناصراً، ودع عنك ماتحاول.[4]

وعندما هلك معاوية وبويع يزيد بالخلافة بعد وفاة ابيه في رجب سنة ستين واميرالمدينة الوليد ابن عتبة ابن ابي سفيان، فكتب اليه يخبره بموت معاوية وكتب اليه في صحيفة كانها اذن فأرة: اما بعد فخذ حسينا وعبدالله بن عمر و عبدالله بن الزبير بالبيعة اخذاً شديداً ليست فيه رخصة حتي يبايعوا والسلام.[5]

فأحضر الوليد الحسين(ع) وكان عنده مروان وعرض عليه البيعة، فقال: ان مثلي لايعطي بيعته سرا ولا اراك تجتزيء بها مني سراً دون ان تظهرها علي رؤوس الناس علانية، قال: اجل، قال فاذا خرجت الناسٍ فدعوتهم الب البيعة دعوتنا مع الناس فكان امراً واحداً، فقال له الوليد وكان يحب العافية: انصرف علي اسم الله. فقال له مروان: والله لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه علي مثلها حتي تكثر القتلي بينكم و بينه، احبس الرجل ولايخرج من عندك حتي يبايع او تضرب عنقه، فوثب عند ذلك الحسين، فقال: يا بن الرزقاء انت تقتلني ام هو؟ كذبت والله واثمت،[6] وفي رواية: فغضب الحسين وقال ويلي عليك يا ابن الزرقاء انت تأمر بضرب عنقي؟ كذبت ولؤمت، نحن اهل بيت النبوه ومعدن الرسالة ويزيد فاسق شارب الخمر وقاتل النفس لايبايع مثله.[7]

ثانياً: موقفه ازاء كتب اهل الكوفة وبيعتهم له، حديث سمع اهل الكوفة بوصول الحسين(ع) الي مكة وامتناعه من البيعة ليزيد، فاجتمعوا في منزل سليمانٍ بن صرد الخزاعي وقام فيهم خطيباً وكتبوا اليه كتباً بلغت اثناعشر كتاباً.

ثم قدم عليه بعد ذلك هاني بن هاني السبيعي وسعيد بن عبدالله الحنفي بهذا الكتاب وهو اخر ما ورد علي الحسين(ع) من اهل الكوفة (بسم الله الرحمن الرحيم... للحسين بن علي اميرالمؤمنين اما بعد: فان الناس ينتظر ونك لا رأي لهم غيرك فالعجل العجل يا بن رسول الله...) فعندها قام الحسين(ع) فصلي ركعتين بين الركن والمقام، وسأل الله الخيرة في ذلك ثم طلب مسلم بن عقيل واطلعه علي الحال وكتب معه جواب كتبهم يعدهم بالقبول ويقول ما معناه (قد نفذت اليكم ابن عمي: مسلم بن عقيل ليعرّفني ما انتم عليه من رأي جميل)[8] فالتريث والتأني ثم الاستجابة، وهو نفس المبدأ الذي انتهجه ابوه من قبل بعد ان اجتمع الناس عنده والحوا عليه بالبيعة فاشار بقوله(ع) (اما الذي خلق الحبة وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما اخذ الله علي العلماء الايقاروا علي كظة ظالم ولا سغب مظلوم، لالقيت حبلها علي غاربها، وسقيت اخرها بكأس اولها، ولالفيتم دنياكم هذه ازهد عندي من عفطة عنز).[9]

ثالثاً: موقفه من ناصحيه، وكان ابرزهم عبدالله بن عمر و عبدالله بن الزبير وعبدالله بن عباس وعبدالله بن جعفر ومحمد بن الحنفية وكانت نصائحهم تدور بين دعوته الي البيعة والطاعة والانقياد وهو رأي ابن عمر،[10] او الاقامة في الحجاز وهو رأي ابن الزبير[11] وكذلك رأي عبدالله بن جعفر[12] بعد ان اخذ الامان من عمر بن سعيد والي المدينة، والاقامة في الحجاز او الذهاب الي اليمن كما هو رأي ابن عباس،[13] او الابتعاد عن البيعة والامصار كما هو رأي ابن الحنفية.[14]

ولكن الحسين(ع) يدرك مدي طغيان الامويين واستبداهم، وانهم لن يتيحوا له الفرصة، ولن يحميه الحرم او غير الحرم طالما لم يبايع، فأخبر اخيه: (يا اخي: والله لو لم يكن في الدينا ملجأ ولا مأوي لما بايعت يزيد بن معاويه)،[15] (وقال: وايم الله لو كنت في جحر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتي يقضوا في حاجتهم، والله ليعتدن عليّ كما اعتدت اليهود في السبت).[16] وقال لابن الزبير عندما دعاه للاقامة في مكة (ان ابي حدثني ان بها كبشاً يستحل حرمتها فما احب ان اكون ذلك الكبش).[17]

ونتيجة بقاء الحسين(ع) في مكة اوالحجاز معروفة سلفا و كذا خروجه لمكان ليس فيه اعوان، فلابد اذن من التوجه حيث الانصار اعني الكوفة والعراق.

القاء الحجة

رابعاً: شعار الثورة، لقد ضمّن الامام الحسين(ع) وصيته لاخيه محمدبن الحنفية شعار واهداف ثورته فكتب (بسم الله الرحمن الرحيم... هذا ما اوصي به الحسين بن علي بن ابي طالب الي اخيه محمد المعروف بابن الحنفية ان الحسين يشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وان محمداً عبده و رسوله، جاء بالحق من عند الحقّ، وان الجنه والنار حق وان الساعة آتية لاريب فيها، وان الله يبعث من في القبور، واني لم اخرج اشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وانماً خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي(ص)، اريد ان آمر بالمعروف وانهي عن المنكر، واسير بسيرة جدي وابي علي بن ابي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله اولي بالحق، ومن رد عليّ هذا اصبر حتي يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين...).[18]

فأين هذا من اللغة التي يكتب بها ويتحدث بها امراء بني امية المفعمة بالتعالي والاضطهاد والقتل وضرب الاعناق.

خامساً: تسريح الناس من حوله وكشف الحقائق لهم اولاً باول اثناء سيره نحو الكوفة، قال الطبري: كان الحسين لايمر باهل ماء الا اتبعوه حتي اذا انتهي الي زُبَالة – موضع في الطريق – سقط اليه مقتل اخيه من الرضاعة، مقتل عبدالله بن يقطر، فأخرج للناس كتاباً فقرأ عليهم: بسم الله الرحمن الرحيم. اما بعد، فانه قد اتانا خبر فظيع، قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبدالله بن يقطر، وقد خذلتنا شيعتنا، فمن احب الانصراف فلينصرف، ليس عليه منا ذمام.

قال: فتفرق الناس عنه تفوقا، فاخدوا يميناً وشمالاً حتي بقي في اصحابه الذين جاؤوا معه الي المدينة، وانما فعل ذلك لانه ظنّ انما اتبعه الاعراب، لانهم ظنّوا انه يأتي بلداً قد استقامت له طاعة اهله فكره ان يسيروا معه الا وهم يعلمون علام يقدمون. وقد علم انهم اذا بيّن لهم لم يصحبه الا من يريد مواساته والموت معه.[19]

لقد بني الامويون سياستهم الاعلامية علي الغش والتمويه والتلبيس علي الامة وطمس الحقائق ونشر الاكاذيب بما لايقره عرف ولايرتضيه دين، ولكن الامام الحسين(ع) ابي الا ان يجسد سيرة الاولياء والصالحين القائمة علي وضوح الحق والحقيقة فسرح من معه في احلك الظروف.

سادساً: العودة الي المبادرة السياسية والتماس الحل السياسي في اكثر من موضع، اذ لم يشأ الامام الحسين(ع) اين يدخل خطته في مسلك واحد وهو الحل العسكري فقط، وانما طرح الحل السياسي في مقاطع حساسة من سيرته فعندما اشرف عليه الحر بقواته القادمة من القادسية، اقبل عليهم بعد صلاة العصر وقال: اما بعد ايها الناس، فانكم ان تتقوا وتعرفوا الحق لاهله يكن ارضي لله، ونحن اهل البيت اولي بولاية هذا الامر عليكم من هؤلاء المدّعين ماليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان، وان انتم كرهتمونا، وجهلتم حقنا، وكان رأيكم غير ما اتتني كتبكم، وقدمت به عليّ رسلكم، انصرفت عنكم.[20]

ويذكر ابومخنف عن رجاله (انهما كانات التقيا مراراً ثلاثاً او اربعاً، - الامام الحسين وعمر بن سعد – قال فكتب عمر بن سعد الي عبيدالله بن زياد اما بعد، فأن الله قد اطفأ النائرة وجمع الكلمة واصلح امر الامة، هذا حسين قد اعطائي ان يرجع الي المكان الذي منه اتي او نسيره الي ان ثغر من ثغور المسلمين شئنا، فيكون رجلاً من المسلمين له مالهم، وعليه ما عليهم، او ان يأتي يزيد اميرالمؤمنين فيضع يده في يده، فيري فيما بينه وبينه رأيه، وفي هذا لكم رضا، وللامة صلاح).[21]

ولكن هذا الكتاب من عمر بن سعد وليس من الحسين(ع)، ولعل ابن سعد يستميل اميره الي الحل السياسي تفادياً للمواجهة المسحلة، اذ من المستبعد ان يكون الحسين(ع) قد قدم ذلك الحل، ولكن القدر المتيقن الذي كان يرتضيه هو الانصراف والكف عن المواجهة وهو ما اشار اليه عقبه بن سمعان (الا والله ما اعطاهم ما يتذكر الناس وما يزعمون... ولكنه قال: دعوني فلاذهب في هذه الارض العريضة حتي ننظر ما يصير امر الناس[22] ومهما يكن من امر فان السلطة لاتروق لها تلك الحلول، لانها وجدت في الحسين(ع) رافضاً للبيعة ابداً وثائراً حتي اجتمع الانصار، فلا تعطيه الفرصة نحو القوة، وهذا ما اشاراليه شمر بن ذي الجوشن علي عبيدالله بن زياد عندما استماله بن سعد نحو الحل السياسي، فقال (والله لئن رحل ابن بلدك، ولم يضع يده في يدك، ليكونن اولي بالقوة والعزة ولتكونن اولي بالضعف والعجز فلا تعطه هذه المنزلة فانها من الوهن)،[23] ومن يدري ماذا يجري لو انهم وسعوا الامر ولكنهم ضيقوا والجأوا الامة والتأريخ الي عملية حسم دموية سفكوا فيها مهجة ابن بنت نبيهم(ص) ليس لهم علي الارض مثله وقتلوا الثلة المؤمنة من اصحابه، فعوض الله ذلك الفقدان حباً في قلوب الذين امنوا يؤتي أكله كل حين، فعاد للامة اتزانها وخلدت الثورة واصبحت مثلاً يقتدي يعصف كراراً بوجه الظالمين، ولاحول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.


34)

ان السعي للنهوض عبرالسير علي خطي الغرب لم يعد ممكنا لان الفاصلة لاتزال تتسع بين الحضارتين فبينما تسعي السلطات جاهدة لاستيراد منتجات الحضارة الغربية فانها تبدو اكثر عجزاً عن انجاز عملية لحاق ناجحة لان الحضارة الغربية لاتزال تنجز نقلاتها وفق خطوات محسوبة فهناك تسارع في الحضارة الغربية يقابله في المجتمعات الشرقية سعي لاستيعاب المقومات الاولية للدخول الي العصر الجديد

مشروع النهوني الحضاري الاسلامي

قراءة في ظروف النشوء وضرورات اعادة التأسيس

عبدالله الفريجي

منذ ان وخزت حراب الغزو الحضاري الغربي خاصرة الامة في مطلع القرن التاسع عشر فان التأريخ الاسلامي شهد انعطافة كبيرة وصارت المجتمعات الاسلامية تخرج عن وتائر حركتها التقليدية واطرها الثقافية الموروثة.

ولهذا فان خيارات محددة صارت تلوح للحكام انحصرت بين خيار اللحاق بالخصم الغربي والتحول الي غرب اخر او الاستسلام للقوة المهاجمة وهو امر آخر يعادل التحول الي غرب آخر بطريقة سلبية.

نهضة سلطوية وليست ذاتية

ومنذ تلك اللحظة انطلق المشروع النهضوي من العالم الاسلامي تحفزه محصلة الرغبة المؤلفة من الرغبة الغربية في استيعاب الحضارات الاخري وهضمها وبين الرغبة لدي السلطات للحفاظ علي السلطة ولو عن طريق التخلص من التراث.

لهذا فان مشروع النهضة كان مشروعاً سلطوياً بدافع الحفاظ علي مصالح الطبقة الحاكمة عبر الاندماج بالغرب تبعاً للخيارات السالف ذكرها التي ترسخ التحامل علي معالم الانتماء الي الذات الحضارية الموروثة بتاسيس نخب تحمل هذه النزعة مثلث هالة للسلطة تدور في فلكها وتعيش همومها بنسب تتفاوت شدة وضعفاً وقرباً وبعداً بحسب الموقع الاجتماعي والانتماء الطبقي.

غير ان طرح المشروع بصورته السلطوية تلك كان يعني الاعتراف بقصور الذات وضرورة السعي لعلاج ذلك القصور الامر الذي اجج صراعات جديدة تستظل بالمشروع دون ان تعبر عنه بصدق، وتتخذ من النقد سلاحاً لتعرية الخصوم والقاء تبعات التسبب بخلق القصور عليهم.

ولم تكن هناك حاجة فعلية من جميع الاطراف لاثبات وجود القصور فقد كانت كل الاعين تراه بوضوح قبل ان ترتسم ملامحه عبرالافكار والتصورات الذهنيه؛ فالجيوش القوية المسلحة والتنظيمات والبضائع التي بدأت تتدفق علي الاسواق كانت اكثر اقناعاً مما يدور في المجالس والمنتديات.

وهكذا ولّد الغزو رغبة بالنهوص وخلق طبقة من الدعاة للنهضة دون ان يولد تصورات دقيقة وملامح واضحة لكيفية ايجادها والادوات الموصلة اليها. لهذا فان تصورات عديدة طرحت عامضة وغير محددة الابعاد غلفت الصراعات الاجتماعية الداخلية وضاعفتها في نفس الآن.

فالطبقات الحاكمة التي هي اكثر رغبة بتكرار المنوذج الغبي لم تكن تنزع الي ان نوع من المعالجات الفكرية للقضية لانها لاتعرف سوي سبيل واحد لتكرار هذا النموذج الغربي وهو سبيل استيراد التقنية والخبرات وحتي الملابس والاخلاق والافكار ولهذا فانها بدأت عمليات الاستيراد ولم يكن هناك شيء يعوق ذلك سوي الامكانات الاقتصادية التي كان الغرب يستنرفها باستمرار.

اما النخب فانها كانت متحدة الاتجاه من ناحية ضرورة تكرار النموذج الغربي الا انها كانت مختلفة في اسلوب هذا التكرار وكانت تتنازع حول تلك المسألة ولذلك انقسمت الي تيار يكرر مقولات السلطة ويبحث لها عن ذرائع لم يكن الحكام قد فكروا بها وتيار آخر يهاجم خصومه بكل عنف ولا رعاية لأي جانب من  جوانب الموضوعية.

خيارات صعبة

ومن الواضح ان كلا التيارين لم يكونا يمتلكان اي قدرة علي التاثير في الواقع الاجتماعي بما يزيد عن السجال الذهني وهما بالتالي كانا اما طريقين لابديل لهما، اما السقوط في تيار السلطة او الانتقال الي المعارضة وهي ايضاً سلطة بديلة.

وفي اطار هذا الصراع السياسي الذي كان يحدث في افق داخلي بين السلطة والمعارضة وخارجياً بين الحضارة الموروثة والحضارة الغازية لم تكن هنالك فسحة واسعة للتاكد من المقولات ومن اختبار الاطر النظرية ولهذا فان الغموض كان السمة الرئيسية التي كانت تغلف مقولات النهضة.

فقد كان الجامع بين (الاتجاه السلطوي والاتجاه النخبوي النظري) هو غياب الوضوح وهو يعادل غياب التحديد. فكلا الاتجاهلين يعجزان عن تحديد معني النهوض علي وجة الدقة والحدود التي اذا ولجها المجتمع ولج الي عالم النهضة او تلك التي اذا تجاوزها كان قد انهي عملية النهضة ودخل في عالم ما بعد النهضة.

اما حين نقترب من المعضل الذي سبب الحاجة الي النهوض فان الغموض يزداد حتي هذا اليوم وبعد مرور قرنين من الزمان فلايزال الشعار هو المؤشر الوحيد في عالم الفكر والحاجة الفعلية الي التقنية والخبرات التي تنتجها الحضارة الغربية، ومؤشراً العمليات التفاعل الحضاري الاخري.

ومن هنا نفهم ان الصراع بين الفئات الاجتماعية قيد النهوض بخيارات كلها تساوي الموقف من الاخر فاما الذوبان في الاخر او التحول الي آخر مكرر او رفضه او اللجوء الي نوع من التطعيم. بينما كان المفروض نبذ الاخر كليا والبحث عن خيارات للذات بدءاً من الذات وعبر الوسائل الممكنة فمثلاً في بلد زراعي يمكن للسلطة الاعتناء بالزراعة بدلاً من السعي نحو التحول الي بلد صناعي دون يكون في البلد القابلية لهذا التحول، وعلي الصعيد الثقافي كان يمكن البحث عن ثقافة قائمة علي قوائم الذات نفسها.

واذا جارينا النهضة في مقولاتها تلك فاننا نصل الي ملاحظة الانفصال التام بين النهضة كاطروحة فكرية ظلت تنضج خلال مراحل متعددة بدأت برفض الذات استعادتها كهامش ثم القبول بها مرة اخري؛ وبين ما يجري فعلاً في المجتمعات المسلمة من حركة لاتزال مستندة الي نفس الاسس التي كانت مستندة اليها منذ بدأ الصراع الحضاري. فان الاستيراد كان ولايزال هو السمة الرئيسية بينما يعيش الفكر معضلات لاتمت للواقع الا بخيط رفيع هو الشعار.

فالرفض للاخر يعني القوبل المشروط ومن الواضح ان الفكر اصبح انعكاساً للشعار او الشعار المضاد او للتوفيق بينهما لان اصل الطرح انما قام علي اساس استعارة ادواتالاخر في القراءة لانها قراءة روجت لها السلطات والنخب السلطوية.

فالفكر لم يكن يوماً فكراً يعكس الواقع الموضوعي بل كان يعكس مقولات السلطة سواء كانت السلطة الحاكمة أو سلطة المعارضة واذا ما عكس الواقع فانه ينعكس عبر مرايا محدبة اختارتها السلطة لتبقي بعض الافاق مغيبة.

وكما مر فان السلطة استعارت ادوات القراءة من الاخر ولهذا لاحظنا تكرارها في قراءة الذات ورؤية الاخر لها وهي رؤية تؤكد دونية الذات وتقبل بتعالي الاخر و عليه فان فكر النهضة اختار مجموعة مصطلحات تعكس رؤية الاخر امثال التجديد او التحديث او التقدم باعتبارها افاق يراد الوصول اليها عبر مواجهة القديم والمتخلف.

وحين نبذل مزيد من الدقة في تفحص هذه الدلالات فان الموقف