التّعزيّه الشّيعيّه الإيرانيه

المنصف شرف الدين

 

     اللاّفت للنّظر أنّ المسرح لم يظهر و لم ينتشر ضمن ما ذاع و انتشر من الفنون الإسلاميّه الأصيله منها و المقتبسه.

     فالعالم الإسلامي تجاهل تماما التعبير المسرحي رغم كون الحضاره الإسلاميه هي التي نقلت الإرث اليوناني إلي العالم.

     و عبثا حاول الباحثون تفسير الأسباب التي جعلت الإسلام لا يعرف المسرح تفسيرا مقنعا.

     و لعلّ أحسن ما قيل في هذا الصّدد ما كتبه جوستاف فان جرونيوم في مقال نشره في مجله ديوجين سنه 1965 حول (مفهوم الشخصيه الإنسانيه في الإسلام): «إنّ الإسلام السني لم ينجح في خلق فن مسرحي رغم معرفته بالثقافه اليونانيه و الهنديه و هذا لا يعود إلي سبب تاريخي بقدر ما يعود إلي مفهوم الإنسان في الإسلام و هو مفهوم يمنع وقوع أيّ صراع درامي، فإن لم تكن هناك حريّه اختيار أو خيار حقيقي بين ما هو ممكن و ما هو غير ممكن فلن توجد الشخصيّه الدراميّه».

     و الاستثناء الوحيد لقاعده غياب المسرح في الحضاره الإسلاميه هو التعازي الشيعيه التي أعطت الإسلام ابتداء من القرن السّابع الشكل الدرامي الوحيد الذي نعرفه.

     تستوحي التعزيات الشيعيّه مواضيعها من تاريخ العهد الأول للإسلام.

     و التعزيه أي التسليه سابقه للمسرحيات الدينيّه التي ظهرت في أوربا ابتداء من القرن الثاني عشر للميلاد، و الفرق بينها هو أن التعزيه الشيعيّه تستمد مواضيعها من صميم الحوادث التي وقعت في السنوات الأولي من ظهور التاريخ الإسلامي و من الخلافات التي نشبت بين أقطابه فيما يتعلق علي الأخص بشروط الخلافه و نظامها و تناولت علي الخصوص مقتل الامام علي بن أبي طالب ابن عم الرسول صلي الله عليه و سلم، و صهره، و مقتل ابنيه الحسن و الحسين.

     فالتعزيات من أهم المراجع التي يرجع إليها لمعرفه تاريخ ذلك العصر عصر «الفتنه الكبري» ـ فمن العصور التي لم يضبطها لنا التاريخ و التي نرجعها بمجرد الظن إلي أواخر القرن الثالث للهجره ـ و هو العصر الذي انتشرت فيه الدعوه شيعيه و تمكنت علي الأخص في الشمال الإفريقي ـ ينقطع تقديم التعزيات الشيّعيه أولا في كثير من البلاد الإسلاميه، ثم بفارس و كثير من المناطق الإسلاميه من بلاد الهند و باكستان و تقدم هذه المسرحيات سواء ببطاحي المدن و القري أو داخل القصور و المساجد في حفلات شعبيّه مجانيّه يعدها الامراء أو كبار الأغنياء تبركا و تقربا إلي الله، و علي من يتولي إعداد الحفله جميع النفقات اللازمه لتحقيق نجاحها، من إيواء الممثلين و دفع أجورهم، و من القيام بشؤون الروضخان الذي ينشد المقدمه و شؤون المغنين الذين يساعدونه في عمله و من إعداد ملابس الممثلين، و بناء الركح، و إعاره الاقمشه الفاخره و الجواهر التي يقتضيها الإخراج و هو  فاخر في كثير من الأحيان، أما الممثلون فهم من الفقراء الذين يحسنون القراءه و الكتابه و الممثلون يلقنون بعضهم و يلقون نظره علي أدوارهم عند الاقتضاء و عند الانتهاء من المواقف التي يشاركون فيها يجلسون إلي جانب الركح علي مرآي من الجمهور كما فعل بعدهم الممثلون الأروبيون في القرون الوسطي، و كان إلقاء الممثلين مقل القاء ممثلي الفاجعه اليونانيه أي أنه يقع بين الكلام و التجويد، و كان الأطفال يقومون بادوار النساء و كان الممثلون يستنكفون تمثيل بعض الأدوار البغيضه التي تجلب لهم شتائم الجمهور أو حتي تلقي الحجاره و الخضر كدور ابن ملجم مثلا أحد قاتلي الإمام علي أو شمر قاتل الإمام الحسين.

     و أما النظاره فإنهم كانوا يجلسون علي الأرض، و كان كل متفرج يجلس حسب درجته الاجتماعيه فيكون قريبا من الركح أو بعيدا عنه، و كانت تفرش زرابي فاخره للأثرياء.

     و أما الركح فإنّه كان يقام في وسط المكان المعين للحفله و كانوا يغطونه بقلاع يشبه الخيمه، لوقايه الممثلين و الأثاث من الحر و من القر، و كانت تخصص أماكن للنساء يحرسها الفراشون.

     و قبل الشروع في تقديم التمثيليّه يتقدم الروضخان علي الركح محمولا علي تختروان صغير، و مصحوبا بالمغنين و يلقي خطابا في مناسبه الحفله و يذكر محن عائله الرسول (أو آل البيت) و أنواع التعذيب التي لاقوها و يصب اللعنات علي جلاديهم و من أمروا بتعذيبهم، ثم ينتف لحيته و يرسل صرخات ألم تجاوبها زفرات الجمهور، و تنتهي هذه المقدمه بأنشوده دينيّه صوفيه، ثم ينتحي الروضخان و جوقه المنشدين.

     و تجدر الإشاره إلي أنّ نصوص التعازي (باللّغه الفارسيه و باللغه العربيه) قد آندثرت و لم يبق الان لدينا إلاّ نصوص فارسيّه جديده في قوالب مغايره للطرق القديمه التي كتبت عليها.

     و قد نشر بعضها بالفرنسيّه و تولّي المرحوم حسن الزمرلي تلخيصها بالعربيّه.

     و هذه علي سبيل المثال تعزيه «أبناء زينب»:

     في هذه التّعزيه نشاهد الإمام الحسين بصحراء كربلاء التي ستصبح قبره، نري ابن أسد الله و قد تركه جنوده مطاردا من طرف عساكر اليزيد بعد ما حضر تقتيل أفراد عائلته و أعز أصدقائه «أبي القاسم» و العباس، و غيرهما، و يري نفسه موضوعا تحت حراسه اعرابي ينتظر فرصه تسليمه لجلاديه ليربح الجائزه التي وعد بها اليزيد من يقبض عليه حيا:

     تبّا لهذا العصر المشؤوم الذي امتطرت فيه النائبات علي رؤوسنا، لم يعد هناك صديق يرحم، و كلما حولت بصري لا أجد إلا أعداء، فهنا أبنائي يموتون عطشا، و هناك أختي و ابتني أصبحتا من العبيد تجران في أنهج دمشق بحبال في عنقيهما، أختاه زينب، إليك آخر وصيه احرسي ابنتي سكينه، كوني لها أما وأحبيها و الأعرابي يشتم، و يذكرّ أسراره بما ينتظرهم من عذاب.

     و يخرج أبناه زينب للقتال أحدهما في الثانيه عشره من عمره و الاخر في التاسعه، كل منهما مرتديا كفنه، و ينقضّان علي عدو شاهرين السيف و يموتان موت الأبطال و تحمل جثتاهما لأمهما.

     و الملاحظه أنّ بساطه العمل و الطابع الوجداني الذي يحل بالتعزيات محل العمل المسرحي الحقيقي و الأشخاص الذين يتكلمون أكثر من أنهم يعلمون و يتحركون و المسحه الدينيه تلك هي المميزات التي تمتاز بها التعزيه الشيعيه، و مؤلفو هذا النوع يكتبون لجمهور يتأثر بالشعر أكثر من تأثره بالعمل المسرحي و هي حاله الجمهور اليوناني في عهد اسخيلوس.

     في الختام يقول محمد عزيزه في كتابه: «الإسلام و المسرح”: مع الأسف فإن سمير نوف قد حضر عام 1916 آخر عرض عام للتعازي في فارس، و ختم وصفه بالعبارات التاليه: «و إنه لمن المؤسف حقا أن تخسر فارس مثل هذا الشيء الغريب».

     و قد تأكد زوال هذا النوع من العروض في يومنا هذا عندما سنت الحكومه الإيرانيّه قانونا صريحا بمنعه  .. فدفنت بذلك جثه مائته».

     علينا أن نشير أخيرا إلي أن (التعازي) مازالت تقام حتي اليوم في العراق في مدينه كربلاء بشكل لا يختلف كثيرا عن الشكل الذي وصفناه.

 

المراجع:

     ـ الإسلام و المسرح ـ محمد عزيزه (تعريب رفيق الصّبان (كتاب الهلال ـ أفريل 1971).

     ـ التّعزيه الشيعيه ـ حسن الزمرلي (درس ألقاه بمدرسه التمثيل العربي).

     ـ سمير نوف (الدين في فارس) تفليس 1916.

     - Studies in the Arab Theatre and Cinema - Jacob M. Landon (Philadelphie, 1958).

     - Histoire des spectacles (Encyclopedie de la pleiade).