الثوره الاسلاميه .. الخلفيات و المعطيات

آيه الله الخامئني في حديث عن عوامل الانتصار و آثاره

 

     يعود تأريخ هذا الحديث الصحفي مع آيه الله السيد علي الخامئني الي السنوات الاولي التي اعقبت الانتصار، و بالتالي فهو ليس لقاءً جديداً؛ و في الوقت نفسه هو ليس لقاءً مفصلاً، بيد ان الصحف عادت لنشره مجددا لما له من دلاله علي اهميه العنايه القصوي بالعمل الفكري حو الثوره الاسلاميه، اذ من غير المعقول ان يمّر حدث واسع بحجم الثوره الاسلاميه من دون ان يترافق مع عمل نظري واسع يحيطه من مختلف جوانبه. لقد اخترنا ندوه «الثوره الاسلاميه .. الجذور و الخلفيات» ان تعيد نشر هذا اللقاء و قد اخترنا بدورنا ان يقوم الزميل خالد توفيق بترجمته و تقديمه في اطار هذا الملف عن الذكري للانتصار.

     - نود اولاً ان تحدثونا عن العوامل التي اوجدت الثوره الاسلاميه في ايران و كيف تنظرون الي الجذور و الخلفيات التي امتدت طوال سنين قبل الثوره؟

     * بسم الله الرحمن الرحيم .. سؤال قصير بيد انه مليء بالافكار و الإثارات، بحيث اننا اذا اردنا الاجابه عليه كما يليق، نحتاج الي بحث مفصل. سأحاول ان اجيب عليه باختصار ماراً بأقصي ما يمكن علي المسائل التي يطويها.

     ينبغي البحث عن العوامل التي اوجدت الثوره في اكثر من بعد و مجال، احدها البعد التأريخي، اي ذلك المجال الذي له صله بماضينا التأريخي. منذ حوالي مائه سنه و نحن في صراع، بمختلف الوجوده مع المستعمرين، و كانت كل جوله من جولات الصراع تلك تقترون في وعينا الوطني، مع ما انطوت عليه من انتصارات و توفيقات، او من هزائم و انكسارات، حيث تركت اثرها في الذاكره العامه لشعبنا. و من البديهي لا وجود لامه تعيش من دون ماض. و من دون ذاكره و من دون تجارب متراكمه. و اذا قدر لأمه ان تعيش من دون تجارب، فمن المؤكد انها لا تكون في وضع مساوق لامه تعيش وجودها و موقعها في ظلال التجارب و مع التجربه.

     شخصيتنا اذاً و وعينا و ارادتنا و عزمنا ترتبط جميعاً و بقدر ملحوظ بذلك الماضي. إبدأوا في استقصاء ذلك الماضي و رصد محطاته، بحركه التبغ و (نهضه) الميرزا الشيرازي، الي ان تصلوا الي حركه «الجنگل» (ثوره الغابات) و نهضه مدرس و آيه الله كاشاني، مروراً بتلك الوقائع الكبيره و الصغيره الاخري التي تحركت علي هذا المسار.

     ثم قسم آخر من العوامل التي اوجدت هذه الثوره، يرتبط بالمسائل المباشره لمجتمعنا. و اذا اردنا ان نقتضي تلك العوامل، فربما كان اهمها وجود نظام سلطوي سفاك، غير شعبي، معاد للاسلام. قامت الثوره علي انقاضه مباشره. فلو لم يحكم ايران نظام مثل هذا، ضغط علي الشعب و جرّعه المعاناه في دينه و دنياه، فمن المؤكد لم تكن تتوفر للثوره جميع هذه المقدمات، و ربما لم تكن الثوره قد انبثقت بالشكل الذي انبثقت به فعلاً.

     ثمه عناصر مباشره اخري، كانت من العوامل المهمه التي اوجدت الثوره، و هذه العناصر يجب العنايه بها و الاهتمام بدراستها. من بين ذلك الوعي الذي توفر عليه الشعب من خلال خطابات العلماء و كلماتهم، و قد كان بروز هذا العامل هو مما يوجبه النسيج الطبيعي لمجتمعنا، في حين تفتقد المجتمعات الاخري الي مثل هذا العنصر، خصوصاً المجتمعات الغربيه التي لم تعرفه اصلاً.

     في مجتمعنا تبرز العلاقه بين العلماء و الشعب، و الشعب له اعتقاد بعلماء الدين و الموجهين الدينيين، فهو يستمد النصيحه و التوجيه منهم، و يقبلهما. و من جهتهم توفر العلماء علي قدر كبير من معرفه القضايا العالميه و الاطلاع عليها، و وعي المسائل السياسيه و قد كان لميول العلماء الي المسائل الثوريه دور مؤثر في الثوره (في تشكلها و انبثاقها و من ثم انتصارها)، و انا شخصياً أؤكد علي ما لهذا الدور من تأثير في الوقائع الاجتماعيه. و الاوضاع التي وجدت فيما بعد؛ اي اني أؤكد علي طبيعه الوعي الرفيع للشعب.

     القسم الآخر من العوامل التي اوجدت الثوره، و هو يعد من اهم الاقسام في تأثيرها، و اكثرها اهميه، يتمثل بالعوامل الانسانيه. و في قراءه الابعاد الانسانيه، يجب الانتباه الي دور جميع الشخصيات العظيمه التي شاركت في الثوره، و يجب ـ علي الاخص ـ الانتباه الي شخصيه الامام الخميني الاستثنائيه الفذه. فلو لم يكن هذا القائد، بما له من خصائص كبيره في الفكر و الوعي و الروح (الخصائص الروحيه) فمن المؤكد ان الثوره لم تكن تنبثق حتي مع وجود جميع تلك الشروط، و لم تكن حركه الجهاد و المقاومه قادره علي بلوغ النصر.

     ان وجود شخصيه الامام الخميني يخطيء النظريه التي تزعم عدم تأثير الشخصيه في التأريخ، و تثبت في الوقت نفسه ان الشخصيات ليس لها دور مؤثر في التأريخ و حسب، بل لها اكبر الاثر ايضاً.

     لقد كان الي جوار شخصيه الامام، علماء و قاده لكل واحد منهم دوره في تغذيه الفكر الثوري و الانقلابي الموجود، و سوق المجتمع نحو الثوره.

     القسم الرابع من العوامل المؤثره في الثوره، هو الفكر الاسلامي و الايمان الديني لشعبنا، و هذا عامل مستقل عن العوامل الاخري التي اشرنا اليها و عولنا عليها. يجب ان نذعن الي ان تأثير الامام الخميني، و تأثير العلماء الذين كانوا رسل الثوره، و ما كان من تأثير لجميع الاوضاع و الشروط الاخري في القاعده العريضه للشعب، انما ابتنيت علي اساس وجود الاسلام و الايمان الديني لدي الشعب.

     فلو كان الشعب يفتقر للايمان الديني، لما توفرت له مثل تلك الدوافع، و لما كان قدر ان توجد ثوره مثل هذه و تنبثق نهضه علي هذه الشاكله، خصوصاً مع وجود تلك الاوضاع في هذا الجزء من العالم التي تسبب في إيجادها الاميركان و بقيه القوي العالميه.

     لو لم يكن الاسلام موجوداً بين الناس لما إنبثقت نهضه مثل هذه، و العله لتي تفسّر لنا حال الحيره و المفاجأه التي اصابت العدو، تتمثل بغفلتهم عن الاسلام، اذ لم يكونوا اولوا هذا العنصر التقدير الكافي.

     لقد اخذوا جميع العوامل بنظر الاعتبار، بيد انهم اخطأوا تقدير الايمان الاسلامي، و لم يدخل في تخطيطهم علي نحو صحيح، هذا هو سّر المفاجأه التي نزلت بهم، بحيث اصابتهم ضربه شديده لا يمكن احترازها (احتراز آثارها و ما تسببت به).

     - لو سمحتم، اذكروا معطيات الثوره الاسلاميه و آثارها في العالم عامه، في العالم الاسلامي خاصه؟ ثم ما هو تأثير الثوره الاسلاميه في قضيه وحده مسلمي العالم.

     * لو كان السؤال خاصا بمعطيات الثوره الاسلاميه الايرانيه، فان لذلك جواباً معيناً، اما اذا كان السؤال عن المعطيات بشكل عام، فانّ لذلك جواباً آخر.

     لقد كانت لهذه الثوره معطيات كبيره لشعب ايران، اهمها الحريه، و الاستقلال و الاسلام. كما انها حققت للبلد متطلباته الشعبيه و الاسلاميه، واضحت بدايه لحركه نحو مستقبل زاهر مشبع بالامل، و منحت هذا الشعب موقعاً رفيعاً و وجهاً عزيزاً في العالم، بحيث نستطيع القول انه ليس هناك قيم عليا او هدف أسمي يصبو اليه شعب من الشعوب، الاّ و حققته الثوره لشعب ايران.

     و لكن هذه الثوره لم تكن معطياتها لايران وحدها و حسب، بل كان لجميع أمم العالم نصيب في معطياتها. ان احد معطيات هذه الثوره للبشريه جمعاء انها اثبتت ان بمقدور الشعوب ان تقرر مصيرها بنفسها، و لوحدها، من دون الاعتماد علي القوي العلميه و القدرات الكبري. و هذا امر لم يكن معروفاً و لا مقبولاً، بل و لا يصدق او يعتقد به احد قبل الثوره الاسلاميه في ايران، عادت الثوره لتثبته و تؤكده في واحد من (أهم) معطياتها لشعوب العالم.

     من المعطيات الاخري التي وفرتها الثوره للبشريه جمعاء انها اثبتت ان بالامكان الاعتماد في عصر الماديه، علي القيم و الركون اليها.

     طبيعي يمكن لأبناء البشريه اليوم ان لا يؤمنوا بمثل هذه الاهداف الكبيره، او لا يقيموا لها وزناً، كما يمكن ايضاً ان ينكروا ـ هذه المعطيات ـ و لا يدرجونها اصلاً في خانه الاهداف (الساميه)، و لكن هناك ـ علي اي حال ـ من ابناء البشريه من لا يقنه الا بالاهداف المنيفه الساميه، و لا يرضي (العيش) بغيرها. هؤلاء بانتصار ثورتنا سيمتلكهم أمل، و أمثال هؤلاء هو الذين يدفعون البشريه نحو الاهداف الكبيره العاليه.

     و ثمه معطي خاص لثورتنا علي صعيد البلاد الاسلاميه، يتمثل في اننا استطعنا بعد قرون متماديه ان نجسّد الاسلام في صوره نظام شامل.

 

الوحده العددان 188-189