ازمه المياه بين الحقيقه والوهم

ما هي حقيقه مشاريع المياه الصهيونيه في المنطقه؟

د. مصطفي الانصاري

 

     ان المقترحات الصهيونيه باستيراد المياه و اعاده توجيهها في قنوات جديده تصب جميعاً في صالح الصهاينه الذين يفسرون اعتراضات الدول المعنيه علي انها اعتراضات عاطفيه و ايديولوجيه.

     نحن الآن في قلب الفتره التي حددتها دراسه حول المياه في الشرق الاوسط قدمت الي الكونغرس الاميركي علي انها الفتره التي تبلغ فيها مخاطر الحرف ذروتها بين الكيان الصهيوني و الدول المحيطه به بسبب المياه. و يبدو ان هذا التوقع مبني علي توقع آخر لبعض الباحثين في ان «يشهد عام 1995 استهلاك كل المتاح من الموارد المائيه المتجدده في كل من فلسطين المحتله و الاردن والضفه الغربيه..». أما تقرير البنك الدولي المنشور في عام 1990 فقد توقع ان يكون «نقص الموارد المائيه أهم مشكله تواجه دول البحر المتوسط مع مطلع القرن القادم».

     ان الحديث عن ازمه للمياه متوقعه في المنطقه يثير نقاطاً متعدده: فنيه و اقتصاديه و سياسيه و عسكريه و قانونيه.. و ربما ينسحب الي الحديث عن ازمه مياه عالميه تهدد احياء الارض بألوان الكوارث. و لاشك ان الدراسه العلميه المتأنيه الشامله هي الجديره بادراك مكامن الخطر و التعرف علي وسائل الوقايه و العلاج.

     من اجل ذلك، نحن مدعوون الي وقفه جاده في هذا المضمار، كما هو الحال في مضامير الحياه الاخري، لنتبيّن مواقع اقدامنا و معالم مستقبلنا. و من اجل ذلك ايضاً ينبغي وضع المبالغات التشاؤميه، و كذلك التبسيطات الساذجه جانباً، و المضّي في استكشاف جوانب الموضوع. و لعلنا – كمسلمين – نفهم قبل غيرنا ان الطبيعه لا تبخل علي احيائها بما يسدّ الحاجات المختلفه الي الماء، شريطه ان لا يعبث الانسان بما انعم الله عليه. لقد تكفل الله عز و جل بأرزاق الناس، و الماء عنصر رئيس من الارزاق التي تستمر بها حياتهم: «الذي خلقني فهو يهدين، و الذي هو يطعمني و يسقين».

     علي ان الانسان مأمور بالسعي لتحصيل الرزق، فهو مدعو اذن الي التفكير فيما يدعي بأزمه الماء كالتفكير بأزمه الغذاء، و الي بذل الجهد من اجل توفير الاثنين اعتماداً علي ما وهبه الله من طبيعه معطاء و عقل مدبّر و طاقه عمل.

     في هذا الاطار يبدو ان المشكله فنّيه يمكن حلّها بالمواءمه بين مصادر المياه و الحاجه اليها عن طريق سدّ النقص – ان وجد – بالوسائل الممكنه من ترشيد الاستخدام و تطوير المصادر. غير ان عنصراً اساسياًَ آخر يبدو اكثر اثاره للمخاطر و هو سباق التزود بالماء و حيازته الي حدّ الاستيلاء علي مياه الآخرين دون وجه حق. و لنَدْعُ هذا الجانب من بحث المياه بالجانب القانوني في مقابل حساب المصادر و تطويرها و الاستخدامات و ترشيدها، وغ هو جانب فني.

     و لو امعنّا النظر في الجانب القانوني لوجدنا خطورته لا في الاطروحات التي يعرضها المعنيون بالأمر فحسب، بل في خلفيات تلك الاطروحات الايديولوجيه و الاخلاقية ايضاً، و نحن لا ننوي هنا الدخول لا في تفصيلات الجوانب الفنيه و لا القانونيه و لا الايديولوجيه. كل الذي نبغيه من هذه المقدمه الضروريه هو التحذير من تعقيد او تبسيط او تحوير مشكله المياه بالشكل الذي يخرجها عن حدود الواقع و المقبول. و من ناحيه اخري فاننا لسنا معنيين في هذه المقاله باستعراض مشكله المياه في العالم ككل، و انما نحن بالتحديد في صدد التحري عن بعض الحقائق التي تخفيها الاطروحات الصهيونيه المتعلقه بمياه المنطقه.

 

حساب المصادر و الحاجات

     بالرغم من ان مسأله حجم المياه السطحيه و الجوفيه التي تتوفر للمنطقه من مصادرها المعروفه، و مسأله حاجات المنطقه سواء للاستخدامات المنزليه و الزراعيه و الملاحيه و توليد الطاقه... الخ، هما مسألتان ماديتان، أي مما يمكن حسابه، الا ان الجدل قائم في الحسابين، و ها هنا تكمن بدايات الاطروحات المريبه.

 

المصادر

     اما علي صعيد المصادر؛ فالذي قام به الكيان الصهيوني هو السيطره بالقوه علي مجموعه منها و فرض سياسه الامر الواقع، و هو في هذا يكون قد حقق لنفسه موقعاً مؤثراً في ايه مفاوضات او حوار حول الاستخدامات الحاليه للمياه. أما بالنسبه للمستقبل فان الكيان الصهيوني يطرح مسأله المصادر بشكل اوسع لكي يضم في طرحه مصادر المياه في تركيا و العراق و سوريا و مصر و السودان و الاردن و فلسطين المحتله، و هو يسعي من خلال ذلك الي تناسي الجانب الحقوقي، و الي حساب المياه في مجموعه كبيره من الاقطار من اجل اعاده توزيعها بطريقه جديده يضمن منها حصته و تغييب (حقوق الملكيه) التي لم تخلَّ بها قوانين المياه خلال تطورها. و الحقيقه ان بامكان ايه دوله ليست مشتركه مع الكيان الصهيوني في مجري سطحي او خزين جوفي ان ترفض اقحامها في المشكله.

     و الطراح الصهيوني هنا يحاول الاشاره الي معيار (انساني) مفاده ان دول المنطقه ينبغي لها ان تتعاون، فتقاسم ثروه المياه فيما بينها و هكذا فهي لا تنظر الي المصادر (القريبه او الواقعيه) فحسب بل تمد نظرها الجريء الي نهر النيل فتقترح ان يسحب منه ستمائه مليون متر مكعب سنوياً، كما تقترح جلب المياه من السودان و العراق و تركيا و لبنان و سوريا و الاردن لسدّ حاجه الاراضي المحتله! و يدعي المشروع الصهيوني ان هذه الاستيرادات ممكنه و ان الاموال يمكن ان تُسكت الاصوات السياسيه المعارضه، هذا فضلاً عن فكره سحب مياه من البحر المتوسط و البحر الاحمر الي البحر الميت.

     ان توسيع دائره البلدان المشتركه في مصادر و استخدامات (موحده) للمياه بموجب اتفاقات دوليه تخفي اغراضاً سياسيه، فتعطي موقف الكيان الصهيوني قوه امام جيرانه العرب، خاصه بعد انجاز المشاريع الهندسيه الخاصه بالمشاريع التي يتفق عليها، ذلك ان تشابك الالتزامات الناتج من اشراك اطراف متعدده في الاتفاقات المذكوره سيجعل من الصعب علي ايه دوله ان تواجه الكيان الصهيوني عفي ايه مشكله تعترض تطبيق الاتفاقات او تنشأ من تطبيقها، لاسيما اذا كانت المشكله المعنيه تخص تلك الدوله دون سواها، و العجيب ان يتابع طرف عربي مسلم استراتيجيه توسيع اطراف المشاريع المائيه في المنطقه في السياق الصهيوني نفسه، حيث يقول الدكتور المهندس منذر حدّادين عضو الوفد الاردني الي (مفاوضات السلام) «ان اشراك تركيا و سوريا و العراق في (بديل اقليمي) يفتح مجالات أرحب امام فرص التعاون في مواجهه حاجات المنطقه الي المياه، بل انه يدعو الي اشراك «دول الجزيره العربيه في ذلك البديل»، و بعد ان يحدّد تلك الدول يعلّل مقترحه بأنها هي التي كان لها دور في النزاع الساخن الذي سيطر علي منطقه الشرق الاوسط منذ اندلاعه في عام 1948».

     ان المقترحات الصهونيه باستيراد المياه و اعاده توجيهها في قنوات او خزانات جديده تصب جميعاً في صالح الصهاينه الذين لا يفسرون اعتراضات الدول المعنيه الا علي انها اعتراضات عاطفيه و ايديولوجيه، مع ان تلك الاعتراضات او قسماً كبيراً منها علي الاقل له وجاهته من الناحيه الفنيه و من ناحيه المردودات الاقتصاديه، فضلاً عن ان الاعتراض (الايديولوجي) او (العاطفي) له ما يبّرره ايضاً.

     فيما يتعلق بالمصادر ايضاً فان المشاريع الصهيونيه ليس لا تتجاهل الحقوق التاريخيه و القانونيه فحسب، و انما تحاول ان تخفي بعض تلك المصادر من اي مشروع كما هو الحال بالنسبه لبعض المياه الجوفيه و خاصه في مرتفعات الجولان المحتله التي تبلغ مساحتها اكثر من الف كيلومتر مربع. تقدر خساره الكيان الصهوني المحتل فيما لو انسحب من الجولان بـ 40 مليون متر مكعب سنوياً. وحينما يحدّد (اليشع كالي) مياه المنطقه الجوفيه «المرشحه للتسويه» فانه يتجاهل المياه الجوفيه في الجولان.

 

الحاجات

     أما فيما يتعلق بحاجه المنطقه الي المياه في الاستخدامات المختلفه، فان الصهاينه يحاولون ان يخدعوا الناس بعرض عجيب لحاجتهم، و وجه العجب انهم طرحوا تلك الحاجات منذ بدايه القرن الحالي، فأدخلوا في حسابها اعداداً من البشر مايزالون حتي يومنا هذا يتمتعون بجنسيات دول بعيده عن المنطقه بآلاف الكيلومترات و ربما بمئات الآلاف. بل انهم ادخلوا احفاد اولئك البعيدين الذين لم يولدوا بعد. انه حساب غريب حقاً ذلك الذي يهييء الماء منذ الآن للملايين من السوفيت و الاثيوبيين و من سواهم من اقطار الارض ممن سيقتنعون يوما بالهجره الي الكيان الصهيوني!! هذا في حين يستنكر الصهاينه او يتجاهلون ارتفاع معدل نمو العرب من حولهم، لاسيما في مصر و لا يحسبون حسابه في تقديرات الحاجه، ثم انهم يبالغون في تقدير كميات المياه التي يفترضون حاجتهم اليها في ضوء حساب خاص لمتطلبات التنميه المستقبليه، سيما الاستخدامات الزراعيه.

     و علي كان حال فانه لم يعد سرّاً ان الكيان الصهيوني يعمل بموجب مخطط استراتيجي محكم لاستيعاب ملايين اخري من يعود العالم، فتراه يهييء لهم المستعمرات الاستيطانيه مع شرط الوجود و هو الماء.

     أليس من الملفت للنظر ان نعلم ان الجمعيه العالميه البريطانيه ارسلت بعثه خبراء عام 1873 الي فلسطين لدارسه مواردها المائيه، و ان اللجنه كتبت في تقريرها «ان بالامكان تهيئه فلسطين و النقب لاسكان الملايين من البشر.. اذا أمكن نقل بعض كميات المياه الموجوده بوفره في شمال فلسطين الي جنوبها». و أليس ذا دلاله خاصه ان يكون زعيم الصهيونيه هرتزل قد فاوض الانجليز عام 1903 لتحويل مياه النيل الي سيناء لتوطين المهاجرين اليهود، و ان يقرر مهندس عالمي في عام 1905 من المياه علي المدي البعيد و اقترح لذلك تحويل نهر الليطاني او الحاصباني...» انهم يعّدون العدّه منذ ذلك الوقت لما نراه اليوم ماثلاً، و يحسبون حاجات المراحل قبل حلولها متجاهلين في المقابل حاجات المنطقه التي يعبر عنها المهندس حدادين بقوله: «ان نظره الي معادله الموارد و السكان ستبيّن ان اكثر الاقطار عجزاً في التوازن بين الموارد و السكان هي الاردن و قطاع غزه و الضفه الغربيه و يليها في ذلك جمهوريه مصر العربيه، ثم (اسرائيل) فسوريا فلبنان».

     و من ناحيه اخري فان الكيان الصهيوني الذي يومّن نسبه مهمه من حاجته الحاليه للمياه بالسحب من المخزون الاحتياطي لمياه الضفه الغربيه و قطاع غزه المحتلين، بحيث ان هذين الاقليمين لن يجدا من ذلك المخزون شيئاً ذا بال في المستقبل اذا حدث ان طبق فيهما حقيقه حكم ذاتي للفلسطينيين. و يتنصل الصهانيه مقدماً من ايه امكانيه لتزويد الضفه و القطاع مما يتوفر لديهم من مياه في بقيه الارض المحتله، و يقترحون لذلك حلاً وحيداً و هو استيراد المياه من مصادر خارجيه كاليرموك و النيل و الليطاني، و ان حلاً من هذا القبيل ينبغي ان يدخل في «اتفاق السلام الاقليمي»، و يقولون انه حل ممكن تقنياً و اقتصادياً بل و يضربون لذلك الامثال بشراء هونغ كونغ مياهاً من الصين، و شراء سنغافوره مياهاً من دوله جوهور (التي كانت ضمن الفيدراليه الماليزيه)، و بتوزيع مياه نهر الهندوس بين الهند و باكستان، رغم ان هناك جوانب اختلاف بين واقع وتاريخ المنطقه عن واقع و تاريخ الامثله المضروبه بمياه الضفه و القطاع شبيه بصنعهم في سيناء، و هو ما حذرت منه ندوه عن المياه في العالم العربي نظمتها نقابه المهندسين المصريين. بل ان اللواء فوزي كامل حذر من جانب آخر من ان الكيان الصهيوني «يقوي علاقاته مع تركيا للضغط علي سوريا و الاردن و العراق، و يسعي الي انشاء حزام اصدقاء له مع اثيوبيا و كينيا و اوغندا لتهديد امن مصر و السودان المائي».

     في غضون ذلك يحاول الصهاينه ان يحصروا الحلول الممكنه بما يقترحون، و ان يربطوها باتفاقات (السلام) التي يروّجون لها مع جيرانهم بحيث يصبح المعقتد ان لاحلّ لازمه المياه دون سلام معهم. هذا الي جانب تكثيف الطرح القائل بأن معارضه مشاريع المياه الصهيونيه انما هي معارضه مشاريع المياه الصهيونيه انام هي معارضه عاطفيه غير علميه، او متخلفه تنبع من خلاف ايديولوجي. و ينصبّ الحل الصهيوني المقترح في عقد اتفاقات منفرده (للتعاون) مع كل من الدول ذات العلاقه.

     و يعود الصهاينه في هذه الحال الي التركيز علي الجوانب التقنيه و الاقتصاديه، و عرضها بشكل جذاب، للتقليل من اهميه الجانب القانوني و الايديولوجي الي حد اعتباره (تخلفاً) كما ذكرنا، كما يحاولون اثبات ان مصلحه الدول المقترح تعاونها مع الكيان الصهيوني تتمثل تماماً في المشاريع المقترحه. و علي سبيل المثال فانهم عندما يتحدثون عن مشروع الاميركي جونستون (قدّم في عهد الرئيس ايزنهاور) لتقاسم مياه حوض نهر الاردن و اليرموك و يشرحون مصلحه الاردن و الكيان الصهيوني في انجازه يقولون انه يمتاز بأنه «يقدم الي الطرفين فوائد، و اغلبها للاردن» و أن هذه الفوائد مشروطه بالتعاون.. و ان بناء المشروع و تشغيله مرتبطان بالتعاون من اجل السلام، و وقف تشغيله بعد بنائه و بدء العمل فيه مقترن بضرر الانفصال».

     تساؤل اخير حول الجانب القانوني و الايديولوجي الذي تهمله المشاريع الصهيونيه و تستخف به: هل الصهاينه مستعدون للتخطي عن ايديولوجيتهم العنصريه الاستعلائيه عندما يصوغون مشاريعهم و يفاوضون من اجلها؟ و هل تخلو حججهم التي يبنون عليها مراحل استراتيجيتهم من ادعاءات تتعلق بحقوق تاريخيه و قانونيه و انسانيه؟

     ان من الضروري، و من الطبيعي ايضاً ان نبحث المشكله من جذورها، لنعلم الي اي مدي يحق للغرباء الذين استوطنوا بالقوه ارضاً ليست لهم و طردوا شعبها ان ينكروا حقوق الآخرين و يقدموا مشاريع يحتفظون فيها بحصه الأسد من مياه هي ليست لهم؟ لنتساءل قبل كل بحث: لمن الارض و لمن المياه؟ فاذا عادت الارض الي اهلها و المياه، فان اهلها اكرم من ان يمنعوا الحياه عن محتاج اليها و هم اكثر حذراً من ان ينساقوا وراء رومانتيكيه القائلين بان مياه المنطقه يمكن ان تطفيء اليوم ما اوقدته من نار الحروب بالأمس بين الصهاينه و اهل المنطقه.

 

الهوامش:

1) «حرب المياه من الفرات الي النيل»، الدكتور نبيل السمًان دار المعرفه، سوريا.

2) «الماء، الماء، الماء»، رجب سعد السيد. مقال في مجله (العربي) الكويتيه، العدد 444 ص 202-206.

3) المصدر السابق.

4) الآيتان 77-87 من سوره الشعراء.

5) «المياه و السلام، وجهه نظر اسرائيليه»، إليشع كالي. مقدمه الترجمه العربيه نشر مؤسسه الدراسات الفلسطينيه بيروت 1991.

6) المصدر السابق ص 77.

7) «الماء، الماء، الماء» ص 204.

8) «حرب المياه» ص 78 83.

9) «المياه و السلام » - المقدمه.

10) المصدر السابق، ص 75 76.

11) المصدر السابق، ص 79 83.

12) «حرب المياه» ص 12.

13) «المياه و السلام» ص 100 114.

 

الوحده العدد 195