الاغتيالات التي فشلت

 

في تغييب الشهيد الصدر من تاريخ العراق

بعد اتمام الفصل المتعلق بمرحله الاعتقالات التي تعرض

لها الشهيد الصدر علي يد سلطات امن نظام بغداد و الاحداث التي

رافقت تلك الفتره ننشر فصلا جديدا من كتاب الشيخ محمد رضا النعماني يروي

فيه تفاصيل جديده عن الخطط و المكائد التي رسمها نظام بغداد لاغتيال الشهيد الصدر

و تصفيته جسديا بصوره سريه لتفادي ردود الفعل المتوقعه من اعتقاله و استشهاد في السجن.

          من التاريخ غير المعروف للسيد الشهيد (رضوان الله عليه) هو محاولات الاغتيال التي تعرض لها، او التي خطط النظام، و لم يتمكن من تنفيذها، في الفتره التي سبقت اعتقال الشهيد الصدر و استشهاد و من تلك المحاولات:

 

المحاوله الاولي:

          كان المفروض ان تنفذ هذه المحاوله  بعد فتره قصيره من اليوم الذي افرج فيه عن السيد الشهيد بعد احداث رجب، فقد اتصل المجرم فاضل البراك و كذلك مساعده المدعو (ابو اسماء) بعد وصول السيد الشهيد الي النجف فطلبا ان يعود السيد الي وضعه السابق من التدريس و مقابله الناس، و الحا في الطلب علي قاعده {يكاد المريب ان يقول خذوني} مما اثار لدينا الشكوك في النوايا الحقيقيه من هذا الطلب.

          بعد ذلك و نحن في الاحتجاز علمنا من المرحوم السيد علي بدرالدين ان السلطه كانت قد اعدت مخططا لاغتيال السيد الشهيد، و كانت الخطه تقضي بان يفتعل شجار بين بعض افراد الامن في سوق العماره، او في طريق الذي يمر منه السيد الشهيد، و اثناء الشجار و العراك يطلق احدهم النار في الوقت المناسب باتجاه السيد الشهيد و يؤدي ذلك الي قتله خطا حسب الخطه، ثم تقوم السلطه باعدام القاتل، و بذلك العمل تتخلص من اشد المعارضين لها.

          و في فتره التي رفعت فيها السلطه الحجز جزئيا طلب مديرا من النجف المدعو (ابوسعد) من السيد الشهيد العوده الي وضعه الطبيعي، و كان ذلك لنفس الهدف.

          و كان احد افراد قوات الامن المحيطين بمنزل السيد الشهيد قد سال ـ في تلك الفتره ـ الحاج عباس احد القائمين بشؤون السيد الشهيد عن الوقت الذي سيخرج فيه السيد الشهيد لزياره الامام امير المؤمنين (ع)، بل كان بعضهم يقول له: لماذا لايخرج السيد الصدر، لقد رفعت السلطه الحجز عنه؟ قل له فليخرج. و بسبب هذا الالحاح ادرك الحاج عباس رغم بساطته ان السلطه تنوي انهاء حياه السيد الشيد،  و لم يكن علي علم بان السيد علي بدرالدين قد اخبرنا بذلك.

 

المحاوله الثانيه:

          قام بها النظام بواسطه احد العملاء ـ لم يذكر المؤلف اسمه و هو عطار يمتلك دكانا في سوق العماره في النجف الاشرف. و كان يتظاهر بالتدين و الالتزام. و الاهتمام البالغ بشعائر الامام الحسين (ع).

          بدات محاوله تنفيذ هذه العمليه عندما اصيب السيد الشهيد بالم في مفصل درجله اليسري، فطلب من خادمه الحاج عباس شراء  دهن (الفكس) المعروف لعلاج مثل هذه الاوجاع.

          ذهب الحاج عباس، و اشتري الدهن من هذا العطار، و في اثناء‌ذلك ساله: لمن هذا الدواء؟ فقال الحاج عباس: السيد يشكو من الم في رجله اليسري، و هذا الدواء له.

          في اليوم الثاني و بينما كان الحاج عباس يمر من امام دكانه ناداه بعد ان التفت يمينا و شمالا، ليوهم الحاج عباس بانه يريد ان يطمئن من خلو المكان من شرطه الامن حذرا و خوفا من ان يكونوا علي مقربه منه،‌فناوله جهازا صغيرا و قال له: ان اخي طبيب و قد اعطاني هذا الجهاز و هو خاص بمعالجه اوجاع الرجل، فاعطه للسيد الشهيد، و قل له ان يضعه في جيب القباء‌ (الصايه) المحاذي لرجله المصابه، فانه لايمر عليه يوم و ليله الا و يشفي من كل الاوجاع.

          استلم الحاج عباس الجهاز، و جاء به الي البيت،‌و كنت قبل ذلك قد اطلعته علي وجود اجهزه لارسال و استراق الصوت و حذرته من الحديث معي الا في الاماكن التي حددتها له،‌و كان منها غرفه مكتبه السيد الشهيد.

          جاء الحاج عباس و كنت جالسا في المكتبه فاخبرني بما جري، و كان قد وضع الجهاز في احدي الغرف التحتيه، فقلت له: اذهب و اتني به، وضعه امامي من دون ان تتكلم بشيء حتي السلام. لقد كنت اتوقع انه جهاز لاستراق الصوت، ثم اخبرت السيد الشهيد و اخته الشهيده (رضوان الله عليهما) فشاهدا الجهاز،‌ و كنا اثناء ذلك لانتكلم و كنا نتخاطب عن طريق الكتابه.

          كان اسطواني الشكل، طوله اقل او ازيد من عشره سانتمترات، و توجد في كل طرف من طرفيه عدسه زجاجيه تشبه عدسه اله التصوير اذا نظرت من ايهما لاتري الطرف الآخر، قمت بفتح الجهاز بصعوبه كبيره، فوجدت في داخله جهازا للتوقيت متصلا بماده متفجره مكبوسه داخل و عاء‌ معدني، و جهاز التوقيت يسير بحكره لولبيه باتجاه نقطه معينه، و لم اعثر علي قطع الكترونيه تدل علي انه جهاز لاستراق الصوت.

 

جاء ضابط في الجيش يطلب موعدا من السيد الشهيد

علي اساس انه مبعوث من قبل السلطه و يسكن في دار مجاور

فلما التقي بالسيد اصيب برعده شديده و ظل يرتجف كالسعفه فساله

السيد الشهيد عن سبب ذلك فقال: سيدي ان السلطه بعثتني

لقتلك و هذا المسدس احمله لتنفيذ هذه المهمه.

شاهد السيد الشهيد (رض) محتويات الجهاز، وايقنا جميعا بانه عبوه انفجاريه موقوته، فقال: لعنك الله يا (...) اذا كنت تريد قتلي،‌فميا ذنب هؤلاء الاطفال الابرياء الذين انهكهم الحجز و حرمهم من ابسط ما يتمتع به الاطفال. و كان (رضوان الله عليه) يتسلي باطفاله في فتره الحجز و هم يتسلون به بعد ان حرمهم النظام من كل حق لهم في الحياه،‌و ها هو اليوم يبعث لهم قنبله ليبيدهم و هم في المحنه.

          قلت للسيد الشهيد: ماذا افعل بالجهاز، هل ادمره؟ فقال: كلا ارجعه اليه. قلت له: فلنقتله به، قال: انت و شانك.

          و بقيت اراقب جهاز التوقيت و هو يتحرك باتجاه النقطه المعدنيه المفروض انه سينفجر اذا اتصل بها، و كنت خمنت ان ربع ساعه هي المتبقيه لانفجاره، فقمت بشده و اعادته الي حالته الاولي، ثم اخذه السيد الشهيد و اعطاه للحاج عباس، و قال له: قل ل (....) ان السيد لا يحتاج الي هذا العلاج.

          اخذه الحاج عباس ـ و هو لايعلم انه متفجره ـ و سلمه ل (.....)‌ و هنا كانت المفاجاه، لقد قفز (.....) و راح يركض بسرعه، و ترك دكانه مفتوحا و هو بحاله من الرعب و الخوف الشديدين.

          جاءني الحاج عباس، و قال لي: ان (.....) اصيب بالجنون عندما سلمته الجهاز، لقد فعل كذا و كذا، و لم يكن احد من قوات الامن في السوق كي يخشي الي هذا الحد. و كان الحاج عباس يظن ان هذا الشخص فعل ذلك خوفا من قوات الامن.

          و هكذا فشلت هذا المحاوله التي ارادت السلطه تنفيذها علي يد شخص هو ابعد ما يكون ـ حسب الظاهر ـ عن اجواء الشك و الريبه، و عن العمل مع اجهزه السلطه الارهابيه، خاصه انه لا يحمل الجنسيه العراقيه، خاصه انه لا يحمل الجنسيه العراقيه، بل كان معرضا للتفسير في اي وقت !

 

 

 

المحاوله الثالثه:

          بعد فشل تلك المحاوله سعت السلطه الي القيام بعمليه اباده جماعيه للسيد الشهيد و عائلته، و كادت هذه العمليه ان تنجح لولا رحمه الله ـ عز و جل ـ،‌و كان تنفيذ العمليه بالشكل التالي:

          امرت الجهزه الامن مصلحه المياه بفتح انبوب الماء الكبير الذي يغذي المنطقه التي يقع فيها منزل السيد الشهيد من اقرب نقطه من المنزل بحيث يتم ضخ الماء تحت منزل السيد الشهيد، و استمر ضخ الماء بقوه كبيره لمده عشرين ساعه تقريبا ـ و هي المده التي قطع الماء فيها في ذلك اليوم عن المنطقه ـ ، و كان المفروض ان يكفي ذلك لانهيار المنزل علي من فيه. و لم نكن نعلم في ذلك الوقت بما حدث، الا اننا لاحظنا حركه غير طبيعيه لقوات الامن التي كانت تحاصر منزل السيد الشهيد، فقد ابتعدوا عن المكان حتي اننا استغربنا من خلو الزقاق منهم، و كان المار يظن ان الحجز قد رفع.

          في اليوم الثاني لاحظنا ان السرداب قد هوي باكمله الي الاسفل مسافه لاتقل عن خمسه امتار، و بقي البيت معتمدا علي بعض الاعمده و كانه معلق في الهواء. و كان منظرا مخيفا، لاندري في اي لحظه سينهار و يقتل كل من فيه.

          و لما لم يحدث ذلك اضطرت السلطه الي فحص الزقاق الذي يتواجد فيه افراد الامن عن طريق حفر عده اماكن من الزقاق لمعرفه ما اذا كان قد حصلت فيه انهيارات ارضيه تحت الارض المعبده اولا، فلما تاكدت من عدم وجود خطر يهدد حياه عناصر الامن امرت باعادتهم الي مواقعهم.

          و كان قد اشيع و نحن في الحجز ان السلطه وجهت اشعه قاتله من مكان قريب من المنزل باتجاه بيت السيد الشهيد لقتله، و لم يتيسر لنا التاكد من صحه تلك المعلومه او نفيها.

 

المحاوله الرابعه:

          تم تعيين ضابط في الجيش لتنفيذ هذه المحاوله بالتنسيق مع الاستخبارات العسكريه،‌ و كان بيته مجاورا لمنزل السيد الشهيد (رضوان الله عليه) . فقد اتفقت معه السلطه علي ان يقوم بدور المفاوض حول فك الحجز عن السيد الشهيد، ثم يقوم بقتله في داخل البيت.

          و هذا الرجل الذي هداه الله ـ تعالي ـ فيما بعد ونال درجه الشهاده كان لا يعرف السيد الشهيد رغم الجوار، و السبب يعود الي قله تواجده في النجف، و كان يظن ان (السيد الكاظم الكفائي) و هم احد الاشخاص المتلبسين بلباس الدين و من عملاء السلطه هو السيد الشهيد الصدر، و كان يعلم ان الكفائي ممن يسهل قتله، فاعلن عن استعداده للقيام بعمليه الاغتيال.

          و في يوم من الايام جاء يطلب موعدا من السيد الشهيد علي اساس انه مبعوث من قبل السلطه، و لم نكن نعرف حقيقه هذا الشخص، و انه يسكن في دار مجاوره لمنزل السيد الشهيد (رض) فلما التقي بالسيد اصيب برعده شديده، و ظل يرتجف كالسعفه، مما اثار اسغراب السيد الشهيد (رض)، فساله عن سبب ذلك،‌ فقال: سيدي،‌ان السلطه بعثتني لقتلك، و هذا المسدس احمله لتنفيذ هذه المهمه، اما الآن فمن المستحيل ان افعل ذلك، انني اهتز من اعماقي،‌ و لا اعرف السبب، ارجو منك المعذره، فقد كنت اتصور ان الهدف المطلوب هو (كاظم الكفائي) .

          ساله السيد الشهيد: كيف حدث ذلك، و كيف تم اختياركم لتنفيذ الاغتيال؟

          فقال: جاء ضابط كبير من المخابرات، فجمع الضباط الشيعه من اهل النجف، و قال لنا: هناك عميل لايران، و عدو للثوره في النجف ،‌ و قال لنا: هناك عميل لايران، و عدو للثوره في النجف ، من منكم علي استعداد لاغتياله في بيته؟ فقلت له: انا مستعد لذلك، و حينئذ كلفوني بهذه المهمه، و وعدني بمنصب كبير بعد انجازها، و انا الآن اتوب الي الله ـ تعالي ـ‌ علي يدكم،‌ و سوف انتقم منهم بكل ما يتاحج لي من وسائل.

          هذه اهم محاولات الاغتيال التي تعرض لها السيد الشهيد تخطيطا او تنفيذا.

 

الوحده ـ العدد 204