الامام‌ الخميني‌   و القضية‌ الفلسطينية‌

 

           مع‌ احتدام‌ الحديث‌ عن‌ مسألة‌ اعلان‌ الدولة‌ الفلسطينية‌ وعما يمكن‌ ان‌ تحمله‌ نتائج‌ الانتخابات‌ الصهيونية‌ علي‌ هذه‌ المسألة‌ من‌ تاثيرات‌، تمر ذكري‌ رحيل‌ الامام‌ الخميني‌ الراحل‌ لتستوقف‌ المتأمل‌ في‌ مجمل‌ الاوضاع‌ الراهنة‌ والقضية‌ الفلسطينية‌ في‌ قلبها وتعيد الي‌ الاذهان‌ تلك‌ الكلمات‌ المضيئة‌ التي‌ كان‌ الامام‌ الراحل‌ يتحدث‌ بها في‌ مناسبات‌ متعددة‌ عن‌ تلك‌ القضية‌.

           و لاريب‌ ان‌ الشواهد علي‌ صدق‌ لهجة‌ حديث‌ الامام‌ الراحل‌ وهو يتحدث‌ عن‌ فلسطين‌ قد استكملت‌ شيئاً فشيئاً حتي‌ لدي‌ الشاكّين‌ فيها وذلك‌ علي‌ المستويين‌ النظري‌ والعملي‌، وصار واضحاً ان‌ الامام‌ الراحل‌ كان‌ عميق‌ الغور في‌ فهمه‌ لمجمل‌ القضية‌ الفلسطينية‌، وفي‌ استشرافه‌ لطريق‌ الخلاص‌ من‌ المحنة‌ التي‌ حلّت‌ بقيام‌ الكيان‌ الصهيوني‌ المغتصب‌، و من‌ ثم‌ توسُّعِهِ وَنمائه‌ علي‌ حساب‌ الاخرين‌ وحقوقهم‌ وآمالهم‌ الانسانية‌ المشروعة‌.

           ولعل‌ الذي‌ يلفت‌ النظر ابتداء في‌ موقف‌ الامام‌ الخميني‌ من‌ القضية‌ الفلسطينية‌ هو انه‌ موقف‌ قديم‌ يعود تاريخه‌ الي‌ ما قبل‌ الثورة‌ الاسلامية‌ التي‌ قادها و اقام‌ بنجاحها الجمهورية‌ الاسلامية‌ في‌ ايران‌. فهو اذن‌ موقف‌ لايتعلق‌ بظرف‌ سياسي‌ معين‌ بقدر تعلقه‌ بالتحليل‌ العلمي‌ الواقعي‌ لحقيقة‌ الكيان‌ الصهيوني‌ واهدافه‌، كما انه‌ لم‌ يكن‌ مزايدة‌ علي‌ احد المنافسين‌ في‌ الساحة‌ لانه‌ كان‌ قبل‌ قيام‌ الجمهورية‌ الاسلامية‌ التي‌ انشأها وقادها في‌ ايران‌.

           والذي‌ يلفت‌ النظر في‌ هذا ايضاً ان‌ مرور الزمن‌ لم‌ يحمل‌ الا التأكيد علي‌ صحة‌ ذلك‌ الموقف‌، وبالتالي‌ فان‌ الامام‌ الراحل‌ لم‌ يجد ما يمكن‌ ان‌ يجعله‌ يغير رايه‌ او يعدّله‌، فثبت‌ عليه‌، بل‌ انه‌ بعد استلام‌ قيادة‌ البلاد سار علي‌ النهج‌ الذي‌ كان‌ اعلنه‌ من‌ قبل‌، وترجم‌ مقولاته‌ السابقة‌ عن‌ طريق‌ آليات‌ الدولة‌ الاسلامية‌ الناهضة‌ الي‌ خطوات‌ عملية‌، وكان‌ اولها اغلاق‌ الممثلية‌ الصهيونية‌ في‌ طهران‌ وفتح‌ سفارة‌ لـ(فلسطين‌) في‌ محلها.

           في‌ شهر رمضان‌ (تشرين‌ الاول‌ 1973) اندلعت‌ حرب‌ اكتوبر، وقد وجه‌ الامام‌ عدة‌ كلمات‌ في‌ تلك‌ الظروف‌ الي‌ الامة‌ الاسلامية‌ ودولها ومنها بيان‌ مؤرخ‌ في‌ 8/11/1973 قال‌ فيه‌ متحدثاً عن‌ الكيان‌ الصهيوني‌: «علي‌ قادة‌ الدول‌ ان‌ ينتبهوا الي‌ ان‌ جرثومة‌ الفساد التي‌ زرعت‌ في‌ قلب‌ العالم‌ الاسلامي‌ لا يراد من‌ خلالها القضاء علي‌ الامة‌ العربية‌ وحسب‌ بل‌ ان‌ خطرها و ضررها يشمل‌ الشرق‌ الاوسط‌ باسره‌، فالمخطط‌ المرسوم‌ـ و القول‌ للامام‌ الراحل‌ـ يقضي‌ بقيام‌ الصهيونية‌ بالسيطرة‌ والاستيلاء علي‌ العالم‌ الاسلامي‌، و استعمار اوسع‌ للاراضي‌ والمنابع‌ الغنية‌ للبلدان‌ الاسلامية‌» وحين‌ ينتقل‌ الامام‌ من‌ اهداف‌ الصهيونية‌ الي‌ الحل‌ المطلوب‌ فانه‌ يؤكد «ان‌ التخلص‌ من‌ شر هذا الكابوس‌ الاستعماري‌ الاسود لايتم‌ الا من‌ خلال‌ التضحية‌ والصمود واتحاد الدول‌ الاسلامية‌».

           وحين‌ ننتقل‌ من‌ التاريخ‌ اعلاه‌ الي‌ اخريات‌ ايام‌ حياة‌ الامام‌ الشريفة‌ فاننا نكتشف‌ ثباتاً علي‌ الموقف‌ يفسّره‌ صدق‌ اللهجة‌ و رصانة‌ التحليل‌ القائمة‌ علي‌ المبدأية‌، ذلك‌ ان‌ المقدمات‌ الاسلامية‌ التي‌ اعتمدها الامام‌ الراحل‌ و ملاحظته‌ العميقة‌ للواقع‌ المعاش‌ قد هدته‌ الي‌ النتائج‌ التي‌ سطرها في‌ مفردات‌ معينة‌ اخترنا بعضها هاهنا من‌ اجل‌ الاشراف‌ علي‌ المشهد الفلسطيني‌ بمنظار الامام‌ (رض‌).

 حقيقة‌ المشكلة‌ و طبيعة‌«اسرائيل‌»

           علي‌ ابواب‌ شهر رمضان‌ المبارك‌ من‌ عام‌ عودة‌ الامام‌ المباركة‌ الي‌ الوطن‌ بعد طول‌ غياب‌ (1399هـ) وجه‌ سماحته‌ نداءاً من‌ ست‌ نقاط‌، تعلقت‌ الخامسة‌ بقضية‌ فلسطين‌، وفي‌ العشرين‌ من‌ شهر رمضان‌ ذاته‌ وجّه‌ بياناً دعا فيه‌ الي‌ ان‌ يكون‌ آخر جمعة‌ من‌ شهر رمضان‌ المبارك‌ «يوم‌ القدس‌»، ولنا ان‌ نلاحظ‌ قبل‌ النظر في‌ النداء و البيان‌ المذكورين‌ تبكير الامام‌ الراحل‌ في‌ الاعلان‌ عن‌ موقفه‌ من‌ القضية‌ موضوع‌ البحث‌ و ما لهذا من‌ اهمية‌ في‌ التعرف‌ علي‌ الخطوط‌ الاساسية‌ في‌ فكر الامام‌ الراحل‌ ومنهجه‌ السياسي‌.

           في‌ النقطة‌ الخامسة‌ من‌ النداء اعلاه‌ شخّص‌ الامام‌ الفقيد العدو (الصهيوني‌) واسماه‌ الوحش‌ المجرم‌ اذ قال‌: «انني‌ اعلنت‌ مراراً لاخواننا المسلمين‌ في‌ جميع‌ الاقطار، خاصة‌ الاخوان‌ العرب‌ والشعب‌ العربي‌ العظيم‌ـ الذين‌ هم‌ السابقون‌ الي‌ الاسلام‌ـ اعلنت‌ عن‌ الخطر العظيم‌ للاجانب‌ وخصوصاً الصهيونية‌، فعلي‌ المسلمين‌ خلال‌ شهر رمضان‌ الذي‌ هو شهر الاجتماعات‌ الاسلامية‌ ان‌ يرفعوا النقاب‌ عن‌ مؤامرات‌ هذا الوحش‌ المجرم‌، و يعلنوا للعالم‌ اخطار عدوة‌ الانسانية‌ هذه‌ (الصهيونية‌)».

           و في‌ بيان‌ العشرين‌ شهر من‌ رمضان‌ قال‌: «لقد نبهت‌ المسلمين‌ منذ سنوات‌ طويلة‌ بخطر اسرائيل‌ الغاصبة‌... اني‌ ادعوا عامة‌ المسلمين‌ في‌ جميع‌ ارجاء العالم‌ و الدول‌ الاسلامية‌ ان‌ يتحدوا من‌ اجل‌ قطع‌ يد هذا الغاصب‌ و مساعديه‌...».

           وفي‌ بيان‌ يوم‌ القدس‌ من‌ ذلك‌ الشهر قال‌ سماحته‌: «ان‌ اسرائيل‌ عدوة‌ البشرية‌ وعدوة‌ الانسان‌... يوم‌ القدس‌ هو يوم‌ الاسلام‌ و يوم‌ احياء الاسلام‌... ان‌ يوم‌ القدس‌ يوم‌ عالمي‌، وليس‌ يوماً يخص‌ القدس‌ فقط‌، بل‌ هو يوم‌ مواجهة‌ المستضعفين‌ للمستكبرين‌، يوم‌ مواجهة‌ الشعوب‌ التي‌ رزحت‌ تحت‌ ضغط‌ الظلم‌ الاميركي‌ و غير الاميركي‌...».

           و واضح‌ في‌ هذه‌ الكلمات‌ المختصرة‌ ان‌ الامام‌ الراحل‌ يشير الي‌ الابعاد العربية‌ والاسلامية‌ والعالمية‌ للمشكلة‌. و من‌ جهة‌ اخري‌ فانه‌ يشخص‌ كون‌ العدو في‌ هذه‌ المسألة‌ هو (الصهيونية‌) التي‌ تدعمها اميركا، مركز الاستكبار العالمي‌. وهكذا فان‌ القضية‌ انسانية‌ في‌ وجهها الاعمّ والذي‌ يؤكد ذلك‌ عداء الصهيونية‌ للانسانية‌ جمعاء في‌ فكرها و سلوكها، و شيئاً فشيئاً فاننا نصل‌ الي‌ مقولة‌ «ملة‌ الكفر واحدة‌» والي‌ مقولة‌ وحدة‌ المعسكر الاسلامي‌ بل‌ معسكر المستضعفين‌ في‌ مواجهة‌ معسكر المستكبرين‌. ويزداد ذلك‌ وضوحاً في‌ بيان‌ الحج‌ من‌ نفس‌ العام‌ (1399هـ) حيث‌ يؤكد علي‌ شعار «لا شرقية‌ ولا غربية‌» وعلي‌ وحدة‌ المسلمين‌ و علي‌ ضرورة‌ ايجاد «جبهة‌ المستضعفين‌»، و يخاطب‌ المسلمين‌ قائلاً: «... دافعوا عن‌ كرامتكم‌ الاسلامية‌ والوطنية‌ وصدوا اعداءكم‌ المتمثلين‌ في‌ اميركا والصهيونية‌ العالمية‌ والقوي‌ الكبري‌ سواء الشرقية‌ منها و الغربية‌... كونوا جميعاً للاسلام‌، و توجهوا الي‌ الاسلام‌ ولصالح‌ المسلمين‌ وابتعدوا عن‌ التفرقة‌ والخلاف‌ الذي‌ هو اساس‌ كل‌ مشاكلنا وتخلفنا...».

 ما الحل‌ و اين‌ الطريق‌؟

           القدس‌ ليست‌ المشكلة‌ الوحيدة‌ للمسلمين‌، انها واحدة‌ من‌ مشاكلهم‌ وفي‌ باكستان‌ مشكلة‌ للمسلمين‌ و في‌ تركيا كذلك‌ و في‌ العراق‌ و افغانستان‌ كذلك‌... ان‌ مشكلة‌ المسلمين‌ هي‌ حكومات‌ المسلمين‌، ومادام‌ الامر هكذا فالخطوة‌ الرئيسية‌ تتمثل‌ في‌ اصلاح‌ حال‌ الحكومات‌ في‌ البلاد الاسلامية‌، وفي‌ وحدة‌ المسلمين‌ الذين‌ فرقتهم‌ حكوماتهم‌ و الاجنبي‌ الكافر الطامع‌ فيهم‌ و لايكون‌ رأب‌ الصدع‌ الا عن‌ طريق‌ الالتزام‌ بالاسلام‌. هذا هو الطريق‌. واما السلاح‌ فهو السلاح‌ المعنوي‌ و مبدأ القوة‌، و ضرب‌ الامام‌ الراحل‌ مثلاً بايران‌ التي‌ اقامت‌ جمهوريتها الاسلامية‌ قائلاً ان‌ المشكلة‌ في‌ ايران‌ لم‌ تحلّ «باللجوء الي‌ قوة‌ او دولة‌ كبري‌، بل‌ الشعب‌ نفسه‌ حلّ المشكلة‌، فقد تطور شعبنا من‌ الخوف‌ الي‌ الشجاعة‌ و من‌ اليأس‌ الي‌ الثقة‌ و من‌ التوجه‌ الي‌ نفسه‌ الي‌ التوجه‌ الي‌ الله‌، و من‌ الفرقة‌ الي‌ الجماعة‌... كان‌ الحجر سلاح‌ ايران‌ و العصا و القبضة‌، ولكن‌ كانت‌ تملك‌ السلاح‌ المعنوي‌، و سلاحها المعنوي‌ هو الايمان‌ بمدرسة‌ الايمان‌ بالله‌ تبارك‌ و تعالي‌، متوكلة‌ علي‌ مبدأ القوة‌ و وحدة‌ الكلمة‌...».

           و هكذا فان‌ الامام‌ الراحل‌ (رض‌) يؤشر عناصر النجاح‌ في‌ الحل‌ المبحوث‌ عنه‌ في‌ قضية‌ فلسطين‌ فيضع‌ التوجه‌ الي‌ الله‌ تعالي‌ في‌ البداية‌ مؤكداً علي‌ عنصري‌ وحدة‌ المسلمين‌ وقوتهم‌. ولكن‌ هذه‌ الوحدة‌ و القوة‌ مشروطتان‌ بالاستقلال‌ وقطع‌ ايدي‌ النفوذ الاجنبي‌؛ يقول‌ الامام‌ في‌ هذا الصدد: «ان‌ اختلاف‌ وعمالة‌ بعض‌ رؤساء البلدان‌ الاسلامية‌ لايعطيان‌ الفرصة‌ والامكانية‌ لسبعمائة‌ مليون‌ مسلم‌ في‌ ان‌ يحلّوا مشكلة‌ القضية‌ الفلسطينية‌ التي‌ تمثل‌ اشدّ مصائبنا، وتحول‌ بينهم‌ وبين‌ قطع‌ يد الاستعمار والصهيونية‌ والحدّ من‌ نفوذ الاجانب‌، رغم‌ ما يمتلكونه‌ من‌ مصادر و ثروات‌ و امكانات‌ طبيعية‌...».

           لقد اكد سماحة‌ الامام‌ الفقيد علي‌ الصلة‌ العضوية‌ بين‌ «اسرائيل‌» والاستعمار فقال‌: «لقد ولدت‌ (اسرائيل‌) نتيجة‌ الانسجام‌ الفكري‌ والتواطوء بين‌ الدول‌ الاستعمارية‌ الغربية‌ والشرقية‌، وقد انشأت‌ من‌ اجل‌ استعمار الشعوب‌ الاسلامية‌ و القضاء عليها و هي‌ اليوم‌ تحظي‌ بحماية‌ كل‌ المستعمرين‌ ودعمهم‌».

           واذا اضفنا الي‌ ذلك‌ الحقيقة‌ التي‌ عبّر عنها سماحته‌ بان‌ (اسرائيل‌) غدة‌ سرطانية‌، وانها كيان‌ توسعي‌، وان‌ الصهيونية‌ مختلفة‌ عن‌ اليهودية‌ في‌ ان‌ الصهاينة‌ ليسوا اهل‌ دين‌ كانت‌ النتيجة‌ المنطقية‌ رفض‌ الاعتراف‌ بالكيان‌ الصهيوني‌ (اسرائيل‌) لانه‌ ليس‌ له‌ حق‌ في‌ الوجود اصلاً. هذا الرفض‌ هو خلاصة‌ الموقف‌ الذي‌ يحدد جواب‌ الامس‌ وجواب‌ اليوم‌ للتحدي‌ الصهيوني‌ و المشاريع‌ الاستعمارية‌ التي‌ تطرح‌ في‌ خدمته‌.

 المبدأية‌ و الثبات‌

           لقد بقي‌ جواب‌ الامس‌ البعيد حتي‌ نهاية‌ عمر الامام‌ (رض‌) نفس‌ الجواب‌ لان‌ المتغيرات‌ الظاهرية‌ لم‌ تحقق‌ شيئاً جديداً يمكن‌ ان‌ يزحزح‌ المبدأية‌ التي‌ اعتمدها الامام‌ الراحل‌ في‌ تحليله‌ السديد.

           ان‌ مبدأية‌ الامام‌ الراحل‌ في‌ هذا المقام‌ يمكن‌ النظر اليها من‌ عدة‌ زوايا، نكتفي‌ منها باثنتين‌ من‌ اجل‌ اضاءة‌ المشهد.

           اما الزاوية‌ الاولي‌ فهي‌ ان‌ الذين‌ يستخدمون‌ الاسس‌ نفسها في‌ التحليل‌ انما يصلون‌ الي‌ النتائج‌ ذاتها لاستقامة‌ المسار وجدّية‌ البحث‌ الموضوعي‌. و بكلمة‌ اخري‌ فان‌ وسائل‌ التحليل‌ الاسلامية‌ وعناصره‌ متفقة‌ في‌ النتائج‌ و لا يمكن‌ لهذه‌ النتائج‌ ان‌ تختلف‌ دون‌ متغير اساس‌ يدخل‌ في‌ تركيب‌ العناصر وفاعليتها. ولو رجعنا الي‌ تحليلات‌ اسلامية‌ اقدم‌ مما نقلناه‌ اعلاه‌ لشخصيات‌ اسلامية‌ اخري‌ لوجدنا ملامح‌ التحليل‌ ذاتها ولوصلنا الي‌ ما يقرب‌ من‌ نتائجه‌ او يماثلها.

           ففي‌ عام‌ 1954، اي‌ قبل‌ خمسة‌ واربعين‌ عاماً، دعي‌ سماحة‌ الامام‌ الشيخ‌ محمد حسين‌ آل‌ كاشف‌ الغطاء الي‌ اجتماع‌ لعلماء مسيحيين‌ ومسلمين‌ يعقد في‌ مصيف‌ (بحمدون‌) في‌ لبنان‌، وقد اعتذر سماحته‌ عن‌ الحضور بينما ارسل‌ رسالة‌ مفصلة‌ ذكر فيها فلسطين‌ في‌ مواضع‌ عدة‌ وذكر جرائم‌ الصهاينة‌ التي‌ ارتكبت‌ بدعم‌ وبسلاح‌ الغرب‌. وفي‌ معرض‌ تساؤله‌ عن‌ كيفية‌ حل‌ مشكلة‌ فلسطين‌ ذكر ماجرّته‌ فرقة‌ المسلمين‌ عليهم‌ من‌ ويلات‌ ابتداء من‌ القرن‌ السادس‌ الهجري‌ حتي‌ الان‌، مستخلصاً ان‌ «اختلاف‌ كلمة‌ الدول‌ العربية‌ بعد الحرب‌ العالمية‌ الثانية‌ هو الذي‌ ادي‌ الي‌ فاجعة‌ فلسطين‌ وانشاء (دولة‌ دعا في‌ السياق‌ نفسه‌ الي‌ «الحذر من‌ دسائس‌ الانجليز و الاميركان‌» و قال‌: «فخلاصنا من‌ اسرائيل‌ مرتبط‌ارتباطاً وثيقاً بخلاصنا من‌ الاستعمار» واما جواب‌ الرفض‌ فيعبر عنه‌ الشيخ‌ الامام‌: «وليعلم‌ بنوالعم‌ سام‌ و ذيولهم‌ سكسون‌ وصهيون‌ انه‌ من‌ المستحيل‌ بين‌ العرب‌ واسرائيل‌ ان‌ يقع‌ صلح‌ او يندمل‌ جرح‌ الا ان‌ يرجع‌ الحق‌ الي‌ اهله‌ ويعود العدل‌ الي‌ نصابه‌ وتردّ البلاد لاربابها و يخرج‌ منها غاصبوها...».

           و اما الزاوية‌ الثانية‌ التي‌ يمكن‌ النظر منها الي‌ مبدأية‌ الامام‌ الخميني‌ (رض‌) في‌ تحليله‌ فهي‌ زاوية‌ اتساق‌ مفردات‌ افكاره‌ النيّرة‌ فيما بينها للسبب‌ الذي‌ اشرنا اليه‌ وهو وحدة‌ عناصر التحليل‌ واصالتها، والتي‌ نعني‌ بها العناصر و القواعد الاسلامية‌ الالهية‌، و من‌ الطبيعي‌ ان‌ اختلاف‌ الحقول‌ التي‌ يرتادها الامام‌ (رض‌) في‌ السياسة‌ والاقتصاد والاجتماع‌... لايمكن‌ ان‌ يحمل‌ معه‌ اختلافاً في‌ الفكر والسلوك‌ لان‌ المنطلق‌ واحد والاطار مشترك‌، و الهدف‌ هو ابراء الذمة‌ امام‌ الله‌ سبحانه‌ و تعالي‌ فيما كلّف‌ به‌ ائمة‌ الهدي‌ والمتصدين‌ لقيادة‌ الامة‌. وما بين‌ الهوي‌ والهدي‌ ذلك‌ البون‌ الذي‌ يفصل‌ بين‌ طلاب‌ الدنيا وطلاب‌ الاخرة‌ وهكذا فان‌ السياحة‌ في‌ فكر الامام‌ الراحل‌ (رض‌) انما هي‌ سياحة‌ في‌ سفر واحد، خالٍ من‌ اشكال‌ التعارض‌ والتناقض‌، طافحٍ بالروح‌ الاسلامية‌ الوثابة‌ التي‌ لم‌ يحد من‌ عنفوانها تفاقم‌ الشيخوخه‌ ولا تقادم‌ السنين‌.