فيما يغيب القرار الجماعي بشأن الازمة العراقية

الموقف الاسلامي سيبقى في اطار المبادرة الفردية

 

علي حميد الكنعان

 

 

نظرة موضوعية الى اسباب الازمة العراقية الراهنة، يستدعي من قيادات  الدول الاسلامية اتخاذ موقف متوازن على غرار الموقف الذي اتخذته الجمهورية الاسلامية الايرانية، التي تعتبرالاقرب والاكثر اندكاكا في معترك الصراع مع الادارات الامريكية المتعاقبة، ورغبتها المستمرة في التدخل بشؤون المنطقة، وحرصها على دعم اسرائيل

 

هل افرزت الازمة العراقية صقورا وحمائم - اذا صح التعبير -  في حكومات الدول الاسلامية على غرار ماهو عليه الحال في الادارة الاميركية حسبما يحلو للاعلام الغربي تسميته؟ وبتعبير آخر هل هناك من بين تلك الحكومات ماهو متشدد ويرفض الحرب ضد العراق جملة وتفصيلا مهما كانت اهدافها ووسائلها ، لكنه في نفس الوقت ينظر للامور نظرة موضوعية، ويطالب الطرف الاخر بكل جرأة وشجاعة بالالترام بالقرارات الدولية كما يطالب الطرف الاول بالامتناع عن الحرب ويحذره من مخاطرها على السلم والاستقرار في العالم بما فيه أمن واستقرار الولايات المتحدة ؟ ولماذا الفعل الاسلامي على المستويين الرسمي والشعبي مايزال اقل مما هو مطلوب او اذا ما قورن برد الفعل العالمي والاوربي تحديدا؟

 

الشارع الغربي.. النموذج

 

ومن المعروف فان الازمة العراقية، وعزم ادارة الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش شن الحرب على العراق بدعوى تجريده من اسلحة الدمار الشامل العراقية، جوبه بموجة عاصفة من التنديد الشعبي والرسمي في الكثير من بلدان اوروبا واميركا وخرجت مظاهرات مليونية هدفها ممارسة الضغط على حكومات تلك البلدان لمنعها من الاصطفاف الى جانب الولايات المتحدة، والتنديد بسياسة واشنطن التي تريد جر العالم الى كارثة تتعدى حدود الازمة العراقية، قد تنعكس اثارها على بلدان اوروبا التي ترغب شعوبها والكثير من حكوماتها في بناء علاقات طيبة مع الشعوب وحكومات الدول الاسلامية واحترام ارادتها وطريقة عيشها ورفض التدخل في شؤونها الداخلية ، من اجل احتواء الاثار التي اعقبت هجمات الحادي عشر من ايلول سبتمبر ، نتيجة محاولات الادارة الامريكية لالصاق تهمة الارهاب بالمسلمين ، وازدياد حالة التوتر بين الشرق والغرب.

ومن الملاحظ فان تلك المظاهرات كانت على اشدها في عواصم ومدن البلدان التي صرحت حكوماتها بانها ستقف الى جانب واشنطن ، وستشاركها في هذه الحرب سواء صدر قرار من مجلس الامن او لم يصدر مثل ذلك القرار، ومن ابرز تلك البلدان بريطانيا، وايطاليا، واسبانيا واستراليا من اكثر المؤيديين والمناصرين الى تلك الحرب، وفرنسا والمانيا وروسيا من اكثر البلدان الرافضة لتلك الحرب واذا كان الانقسام واضحا في المعسكر الغربي على المستوى الرسمي والذي  امتد ليشمل الاتحاد الاوروبي ، وحلف الناتو، فان الشارع هناك ظل متماسكا يوحده شعار لا للحرب ضد العراق. ولا لسفك الدم من اجل النفط.

تلك المظاهرات وان كانت تعبر عن حالة آنية تتمثل برفض الحرب التي تخطط  لها واشنطن ضد بغداد على خلفية دوافع انسانية او سياسية، وربما نفعية الا انها على المدى البعيد يمكن اعتبارها مؤشرا على عمق الفجوة بين سلوكيات الحكومات ورغبة الشعوب الغربية، ومدى الاستياء من الدجل والخداع الذي تمارسه وسائل الدعاية والاعلام في تلك البلدان لتوجيه الرأي العام الغربي من اجل زجه في اتون الحرب من اجل الحفاظ على مصالح كبار الراسماليين الذين لايمثلون الا قلة قليلة، كما انها تعكس عمق الازمة القائمة بين اوروبا وامريكا بسبب محاولات الاخيرة سوق الاولى الى ميادين الحرب دون احترام لارادتها ، او التفكير بمصالحها. وحالة الاستياء والامتعاض الواسعة في اوروبا من السياسة الامريكية تجاه العالم الاسلامي ، الى درجة لاتختلف عن نظرتنا نحن المسلمون الى السياسة الاميركية.

صورة المظاهرات المملوءة بالنشاط والحيوية التي جرت في اوربا او بعض المواقف القوية الرافضة للحرب لم نجدها على نفس المستوى في الدول الاسلامية، وكاننا ننتظر القدر او نعيش حالة الاستسلام، التي تفرض علينا عدم القيام باي رد فعل ازاء السياسة الامريكية التي تريد احراق ابار بترولنا وتصادر ارادتنا، وتفرض القيمومة علينا، وكأننا قاصرين عن ادارة شؤوننا ، او تنقصنا الافكار والاراء والنظريات السياسية في الحكم، وتريد الولايات المتحدة ان تمن علينا وتصدر لنا تجربتها (الديمقراطية) لتعم الفوضى مجتمعاتنا الاسلامية دون أي اعتبار لخصوصياتها. وقد اشار الى هذه المعنى رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية السيد محمد خاتمي في كلمته التي القاها في قمة حركة عدم الانحياز بالعاصمة الماليزية (كوالالمبور).

قائلا (اننا نشاهد اليوم كيف ان القوى الموجودة تتحدث عن قيمها الاخلاقية والثقافية وكانها حقائق ازلية وابدية وترى انها مكلفة بازالة ماتعتبره من عقبات تعترض معاييرها وذلك من خلال اللجوء الى الحرب والقوة).

 

بحاجة الى موقف متوازن

 

واذا ما استثنينا مواقف بعض الدول الاسلامية فان الموقف الاسلامي العام اذا ما قورن بنظيره الدولي او الاوروبي فانه يتميز بالتردد والتشتت الذي يمنع الدول الاسلامية في اية قمة قادمة من الخروج بقرارات يمكنها التأثير او الضغط على الولايات المتحدة وحليفاتها لمنعهما من الحرب ضد العراق ، وهو ماترك اثاره الواضحة على الموقف الشعبي، الذي وان بدى معافى في بعض الدول الاسلامية لكنه مايزال اشبه بالصدى للموقف الرسمي لهذه الدولة الاسلامية او تلك.

ومن الطبيعي فان مواقف الدول الاسلامية وفي ضوء المواقف المعلنة فهي على اصناف وطبقات لاتخرج عن الاطر لهذه الاشكال الاربعة وهي، اما ان تكون غائبة عن الحضور، او تتميز بالتردد والضبابية مع تعاون خفي ترفض التطرق اليه على المستوى الاعلامي بل وتسارع الى رده او نفيه، او الانحياز الواضح الى الولايات المتحدة مع تبرير هذا الانحياز بالمصالح القومية العليا، او الرفض الصريح الذي لا لبس فيه.

وما لاشك فيه فان غياب الموقف او التردد في اتخاذه او اختيار الوقوف الى جانب اعداء الامة بحجة الحفاظ على المصالح القومية، او الحصول على دعم مالي او اقتصادي او سياسي، فانه يوجه في كل الاحوال ضربة قاصمة للتضامن الاسلامي ويعرض التجمعات او القمم سواء كانت على مستوى الامة الاسلامية او بعض تجمعاتها الاقليمية او القومية الى التشتت وعدم القدرة على تبني الموقف المناسب الذي يخدم اهداف الامة ويجنبها المخاطر التي يمكن ان تسفر عن التواجد الاجنبي في اكثر المناطق حيوية واستراتيجية ضمن الرقعة الجغرافية للدول الاسلامية.

وبغض النظر عن المبررات التي تتذرع بها  أي من الدول الاسلامية فان نظرة موضوعية الى اسباب الازمة العراقية الراهنة، يستدعي من قيادات هذه الدول اتخاذ موقف متوازن على غرار الموقف الذي اتخذته الجمهورية الاسلامية الايرانية، التي تعتبرالاقرب والاكثر اندكاكا في معترك الصراع مع الادارات الامريكية المتعاقبة، ورغبتها المستمرة في التدخل بشؤون المنطقة، وحرصها على دعم اسرائيل من خلال التمادي في اضعاف الدول الاسلامية وخاصة تلك التي تتميز بموقف مناهض للكيان الصهيوني والمساند لجهاد ونضال الشعب الفلسطيني، وكذلك بحكم فهمها الصحيح لواقع الحكم في العراق وتجربتها المريرة معه، وطبيعته الدكتاتورية والعدوانية وشراهته في اقتناء اسلحة الدمار الشامل، وما اسفرت عنه هذه السياسة اللاعقلانية من كوارث لشعب العراق وشعوب المنطقة، واندلاع حربين مدمرتين في الخليج الفارسي الاولى ضد جارته المسلمة ايران وهي في اوج انتصارها على مؤيد اسرائيل وشرطي الاميركان في منطقة الشرق الاوسط (شاه ايران السابق)، والثانية غزوه لشقيقته دولة الكويت واعطائه الذريعة لشن حرب مدمرة اخرى ادت الى تدمير البنية التحتية للعراق وافقار شعبه وهو الذي يسبح فوق بحيرة من النفط وتكبيل العراق بقرارات دولية ادت به من الناحية العملية الى فرض الهيمنة والقيمومة الدولية عليه، وساهمت بشكل كبير الى الحضور العسكري الامريكي في مياه ومنطقة الخليج الفارسي.

وبالرغم من هذه النتائج الكارثية ظل النظام العراقي متمسكا بنهجه القديم في التعامل الدكتاتوري مع الشعب العراقي دون ان يبادر الى تغيير سياسته الداخلية لتوسيع المشاركة السياسية في الحكم، وان يتوقف عن تطوير اسلحة الدمار الشامل التي تسببت في الحاق اضرار بالغة بالشعبين الايراني والعراقي، حيث الالاف من الايرانيين الذين استشهدوا نتيجة استخدام هذه الاسلحة بشكل واسع النطاق ايام الحرب العراقية الايرانية، وكذلك مقتل الاف العراقيين بوساطتها من بينهم خمسة الاف مواطن كردي عراقي في مدينة حلبجة لوحدها وغيرهم من الشيعة العراقيين المعارضين للنظام في جنوب العراق، دون ان يقدم النظام العراقي اعتذارا لاحد او يدفع تعويضا لاحد.

 

المبادرة الفردية هي الحاكمة

 

الاستمرار في هذه السياسة نفسها في اعقاب حرب الخليج الفارسي الثانية هي التي اعطت الذريعة للولايات المتحدة لافتعال هذه الازمة وهي نفس الاسباب التي ادت الى تفتت الموقف الاسلامي واصابته بالشلل والتشرذم ، الا ان ذلك لايبدو مبررا صحيحا لجميع من فضل السكوت، او اصيب بالتردد، او اثر التعاون بشكل محدود في الخفاء. او قرر الانحياز الى جانب واشنطن طمعا في عطائها، او تبني الموقف الداعم للنظام العراقي دون تذكير باخطائه السابقة. لكن موقف الجمهورية الاسلامية تميز بالتوازن والعقلانية، وهو بحق النموذج الذي يفترض الاحتذاء به من قبل الدول الاسلامية ويستحق ان يوصف بالنموذجي والنواة لموقف اسلامي، نظرا لفهمه الدقيق لخلفيات الصراع، وهو ماعبر عنه العديد من كبار المسؤولين في ايران.

رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام في الجمهورية الاسلامية الايرانية الشيخ هاشمي اعتبر السلوك السلبي وغير المتبصر لصدام حسين لاسيما ازاء جيرانه سيعطي الولايات المتحدة ذريعة لضرب العراق، مع ان الولايات المتحدة  قادرة عن طريق المكر اختراع حجة لذلك ، لان هدفها الرئيسي من التواجد في المنطقة دعم اسرائيل، قاعدتها الاقليمية المتعددة الاغراض،والتي يعتبرونها مهددة ، وقال الشيخ رفسنجاني ان موقف ايران من الازمة العراقية مازال كما اعلنه في السابع من شباط بقوله نحن نؤيد بحزم نزع اسلحة صدام حسين ونعارض بشدة الوجودالاميركي في المنطقة.

اما امين المجلس الاعلى للامن القومي حسن روحاني ولدى استقباله للسفير البريطاني لدى طهران ريتشارد جان دالتون اكد ان الجمهورية الاسلامية الايرانية توافق على نزع اسلحة الدمار الشامل العراقية والتزام النظام العراقي بعدم دعم الارهاب واقرار الديمقراطية والسيادة الشعبية في العراق بالطرق السلمية لكنها تعارض الحرب انطلاقا من اعتقادها بان الهدف من ورائها السيطرة على الثروات النفطية في العراق الذي يمتلك ثاني مخزون استراتيجي بعد السعودية من هذه المادة الحيوية.

وبناء على هذه النظرة المتوازنة فان الجمهورية الاسلامية الايرانية سعت على هامش قمة دول عدم الانحياز التي عقدت في كوالالمبور بلورة موقف اسلامي وذلك خلال اللقاءات الثنائية او الاجتماع التشاوري الذي ضم نحو 50  دولة اسلامية حيث كشف رئيس الوزراء  الماليزي مهاتير محمد ان اعضاء منظمة المؤتمر الاسلامي قرروا الوقوف الى جانب الدول الاوروبية الرافضة للحرب على العراق مثل فرنسا والمانيا وبلجيكا وروسيا. وفي نفس الوقت ذكر ان الدول الثماني والاربعين التي شاركت في الاجتماع قررت توجيه دعوة ملحة الى العراق كي يتعاون تماما مع المفتشين الدوليين لنزع الاسلحة غير التقليدية . واوضح ان هذه الدول متفقة على ضرورة ان يلتزم العراق تماما بما يطلبه المفتشون في بحثهم عن اسلحة محظورة محتملة يمكن ان تكون قد انتجت او خزنت.

ومهما تكن جهود الدول الاسلامية لبلورة موقف اسلامي الا ان انعقاد القمة الاسلامية في قطر التي تستضيف عددا كبيرا من القوات الامريكية وقيادتها الرئيسية في الحرب ضد العراق يحد من المشاركة الواسعة في هذه القمة ويزيد من التشكيك بجدية الدعوة الى هذا الاجتماع فضلا عن عدم امكانية اتخاذ قرارات من شأنها تغيير الموقف الامريكي ولهذا فان الموقف الاسلامي الذي يعيش التشتت وهو في الوقت الضائع فانه سيبقى على حاله في اطار المبادرة الفردية سواء في مجلس الامن الدولي حيث لايوجد تنسيق او اتفاق بين الدول الاسلامية التي يحظى بعضها بالعضوية غير الدائمة في هذا المجلس على مستوى الموقف من الحرب الامريكيه ضد العراق.