حرب باردة بين العالم القديم والعالم الجديد..

 

حسابات المصالح بين اوربا والولايات المتحدة هل توقع الصدام بينهما؟

عادل الجبوري

 

 

من خلال المتابعة‌الدقيقة والتحليل المعمق لمسارات وتداعيات  الصراع والخلاف حول العراق يتضح ان المصالح والحسابات الاقتصادية هي العامل الرئيسي الموجه له،‌وتبقى المبررات والاسباب والحجج المطروحة مجرد خطوط تشكل الاطار العام للصورة الكلية

 

قبل عدة‌اعوام كتب محلل سياسي عربي متخصص بشؤون العلاقات بين اوربا الغربية والولايات المتحدة الاميركية يقول «ستكون الدول الغربية‌مضطرة لقبول وجهات نظر البيت الابيض على مضض، وان ظلت الدعوات على قدم وساق لتغيير الاوضاع واعطاء المحور الاوربي دور فعال في مخرجات القرار السياسي العالمي».

واغلب الظن ان هذا المحلل السياسي العربي كان يتحدث تحديدا عن القضية الفلسطينية والصراع العربي - الاسرائيلي، وطبيعة الدور الاميركي في توجيه مسارات ذلك الصراع، مقارنة بالدور الاوربي الذي تمثله فرنسا والمانيا بالدرجة الاساس، ودول اخرى في الاتحاد الاوربي بمستوى اقل الى جانب روسيا، بعيدا عن بريطانيا التي لم تكن في يوم من الايام متقاطعة في مواقفها السياسية‌مع الولايات المتحدة الاميركية.

ولكن الا يبدو هذا التصور الانف الذكر منطبقا في جانب كبير منه على الازمة العراقية، التي كشفت عن وجود هوة عميقة بين العالم القديم اوربا - والعالم الجديد - الولايات المتحدة الاميركية، لا ترتبط بقضية انية عابره بقدر ما ترتبط بتأريخ طويل من التجاذبات والصراعات والنزاعات والتي كانت في وقت من الاوقات علنية بالكامل، وبرزت مصاديقها العملية على الارض من خلال الحربين العالميتين الاولى والثانية، بيد انه بعد كوارث هاتين الحربين باتت خفية ومستورة بحجة الخوف من كوارث مماثلة، والحرص على مصالح اقتصادية وعسكرية وسياسية استراتيجية  لم يعد من الصحيح لاي طرف التفريط بها وتعريضها للمخاطر؟

الجدل الذي شهدته اوساط مجلس الامن الدولي وحلف شمال الاطلسي (الناتو) في الاونة الاخيرة بين الولايات المتحدة الاميركيه من جهة، وفرنسا والمانيا ودولا اوربية اخرى، ووصف وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد كل من فرنسا والمانيا بأنهما تمثلان اوربا القديمة في اشارة الى المانيا النازية‌وايطاليا الفاشية، قد يكون ذلك وما افرزه من معطيات مؤشرا كافيا الى حد ما على طبيعة الصراع - او قل الخلاف - بين المعسكرين.

 

حسابات وارقام

 

ومن خلال المتابعة‌الدقيقة والتحليل المعمق لمسارات وتداعيات ذلك الصراع والخلاف يتضح ان المصالح والحسابات الاقتصادية هي العامل الرئيسي الموجه له،‌وتبقى المبررات والاسباب والحجج المطروحة مجرد خطوط تشكل الاطار العام للصورة الكلية.

فقد جاء في تقريرنشرته وكالة الصحافة الفرنسية (فرانس برس) منتصف شهر شباط فبراير الماضي تحت عنوان (فرنسا تخشى استبعادها من عملية اعادة اعمار العراق بعد الاطاحة‌بصدام)، تحافظ الشركات الفرنسية العاملة في العراق التي تعتبر رائدة في بلد انهك الحظر اقتصاده على مواقعها رغم الصعوبات، املة الا يتم استبعادها في المستقبل من هذا البلد الذي يحتاج الى مشاريع اساسية كثيرة».

ويضيف التقرير «.. والشركات الفرنسية‌التي تبقي على علاقاتها مع العراق بعيدة عن الاضواء تنوي المحافظة على نشاطها في هذا البلد من دون التفكير على المدى الطويل في وقت يهدد فيه المسؤولون الاميركيون باحتمال استبعاد فرنسا من عملية‌اعادة بناء العراق في مرحلة ما بعد صدام».وعلى صعيد اخر فأن شركة توتال الف الفرنسية‌اعلنت انها على استعداد للدخول في تحد مع شركات النفط الاميركية الكبرى حول الاستثمار في العراق، علما ان النظام العراقي كان قد اختار تلك الشركة لتطوير حقلي مجنون وبن عمر اللذين تبلغ احتياطياتهما من النفط حوالي ستة وعشرين مليار برميل.

ولعل هناك مخاوف روسية‌مماثلة للمخاوف الفرنسية‌من تعرض مصالح موسكو للخطر في حال قامت الولايات المتحدة الاميركية‌بالاطاحة بالنظام العراقي واحتلال العراق، وبالتالي السيطرة على كل حقول النفط. وما عزز المخاوف الروسية‌هو قيام حكومة بغداد بالغاء صفقة‌كانت قد ابرمتها شركة لوك اويل النفطية‌الروسية لاستثمار حقول عراقية‌بقيمة اربعين مليار دولار، وكذلك إعلان واشنطن بكل صراحة ان هدفها من الاطاحة بالنظام العراقي هو السيطرة على مصادر الطاقة (النفط)  في هذا البلد، اضف الى ذلك فأن زعماء في المعارضة العراقية‌اكدوا على هامش مؤتمر لندن الذي عقد منتصف شهر كانون الاول - ديسمبر الماضي انهم سيعيدون النظر بكافة الاتفاقات النفطية‌التي ابرمت مع النظام العراقي منذ عام 1991، بل اكثر من ذلك أن بعضا منهم اكدوا ان الدول التي تدعم النظام الان لن يكون لها نصيب في مشاريع اعادة‌ بناء العراق والاستثمارات فيه.

ولاشك ان واشنطن تدرك وتفهم حقيقة وجوهر المواقف الفرنسية‌والروسية، وفي هذا الشأن اتهم المستشار في وزارة الدفاع الاميركية (البنتاغون) ريتشارد بيرل الموقف الفرنسي في الازمة العراقية بأنه نابع عن رغبة باريس في الدفاع عن مصالحها التجارية، مشيرا الى ان عقد شركة توتال الف مع صدام تبلغ قيمته حوالي ستين مليون دولار، وهو ليس بعقد عادي».

ويرى محللون ان هناك سببا اخر يرتبط بشكل او بآخر بالسبب الانف الذكر، وقد يشكل هاجسا لالمانيا اكثر منه لفرنسا او روسيا، الا وهو ان الاطاحة بالنظام العراقي سيؤدي تلقائيا الى اماطه اللثام عن دور الشركات الاجنبية في بناء ترسانة النظام من الاسلحة المحرمة دوليا،‌لاسيما الشركات الالمانية مما قد يترك اثارا سلبية على برلين على الصعيدين السياسي والاقتصادي في المستقبل.

 

تقاطعات واختلافات قديمة!

 

ومن الطبيعي ان وضع اليد على مصادر الطاقة‌يعني فيما يعنيه فرض هيمنة متعددة‌العناوين والاشكال والمضامين، او بعبارة اخرى فرض نظام احادي القطبية من قبل طرف واحد، حيث ان القيام بصياغة المشاريع والخطط السياسية والعسكرية بصورة‌منفردة‌يعني بشكل او باخر الاستحواذ على كل اوراق اللعبة، ومن ثم فأن ذلك يفضي الى احتكار كل المكاسب والامتيازات وتوزيعها - او توزيع جزء منها  اذا كانت هناك نية للتوزيع - بصورة‌قد تكون مذله ومهينة بالنسبة لبعض الاطراف والقوى الدولية التي ترى انها يجب ان تحافظ على مصالحها بعيدا عن المساومات السياسية التي تحتم عليها تقديم تنازلات من نوع ما.

ولعل ذلك ما هو حاصل بين الولايات المتحدة الاميركية وعدد من القوى الاوربية وروسيا. وقد يكون من الخطأ الافتراض - او الاعتقاد - ان مثل هذا التقاطع او الاختلاف هو وليد الامس او اليوم، وانه مرتبط بأزمة‌الشرق الاوسط او الازمة‌العراقية، ولكن هذه الاخيرة بما انها بلغت مستويات خطيرة‌ودنت من مسألة‌ الحسم، الذي بدا انه سيكون على الارجح وفقا للمقاسات والمصالح والحسابات الاميركية، دفعها - اي التقاطع والاختلاف - الى الواجهة بحيث انه بات يمثل استحقاقا عالميا خطيرا يهدد بشق الصفوف في داخل مجلس الامن الدولي وفي داخل صفوف حلف الناتو.

فقوى مثل فرنسا وروسيا والصين والمانيا من الطبيعي ان ترفض النظام العالمي الجديد، او ما يطلق عليه محمد حسنين هيكل «الترتيبات العالمية الجديدة» الذي يجعل منها قوى هامشية تنضوي تحت مظلة‌الولايات المتحدة‌وتخضع لارادتها.

وفي مناسبات عديدة فأن مسؤولين كبار من هذه القوى اكدوا بكل وضوح وصراحة رفضهم للمنطق الاميركي لانهم يدركون ان فرض واقع سياسي معين لابد ان يتم عبر وسائل عسكرية، الامر الذي يعين فرض وجود- او احتلال - عسكري على الارض. وبالتالي فأن ذلك يستتبع الاستحواذ على الثروات الاقتصادية وما يتعلق بها من امتيازات، وعندذاك فأن دخول اي طرف او سعيه الى الحصول على مكاسب وامتيازات فأنه سيتطلب المرور عبر قنوات اميركية، هذا بعد ان تحصل قناعة‌لدى صناع السياسات الاستراتيجية في واشنطن او يدركوا ان المصالح الاميركية‌تقتضي منح هذا الطرف او ذاك قدرا من المكاسب والامتيازات.

من هذا المنطلق ينظر حلفاء اميركا - او قل خصومها - الى اسلوب تعاطيها مع الازمة‌ العراقية، ومن هذا المنطلق فأنهم من الطبيعي ان يعارضونها، وفي هذا الصدد يقول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «لن نساوم على مواقفنا ومصالحنا»، اما وزير الدفاع الالماني بيتر شتروك الذي كان يتحدث على هامش اجتماعات اعضاء حلف شمال الاطلسي (الناتو) لمناقشة موضوع توفير الحماية لتركيا اواسط شهر فبراير الماضي فيؤكد «اننا لسنا اتباعا للولايات المتحدة الاميركية، وكل فرصة يجب ان تستغل لايجاد حل سلمي».

 

التراجع او الصمت

 

وبصرف النظر عن توقيت الحرب الاميركية‌المحتملة ضدالعراق وظروف تلك الحرب وافرازاتها وتداعياتها، فأن الاعتقاد الذي يطغي على ماسواه ان القوى الاوربية وروسيا والصين ومعها قوى اخرى في العالم العربي والشرق الاوسط ورأي عام رافض للحرب بشدة‌لا تستطيع ان تثني الولايات المتحدة عما تخطط له وتسعى الى تنفيذه، لان كل هؤلاء الرافضين يدركون تمام الادراك ان اي نوع من المعارضة لا يمكن ان يلغي خططا ومشاريع استراتيجية لقوة دولية كبرى، واقصى ما يمكن ان يحصل هو تأخير في تنفيذ وترجمة تلك الخطط والمشاريع على الواقع، والتجارب التأريخية، وخصوصا خلال العقدين الماضيين يؤكدان هذه المسألة بوضوح، فحتى الدول الدائمة‌العضوية في مجلس الامن الدولي والتي تمتلك حق النقض (الفيتو) لم تكن تلجأ الى استخدام ذلك الحق عندما يكون هناك تعارضا في مواقفها مع مواقف الولايات المتحدة، واقصى ما كانت تفعله هو انها تلوذ بالصمت وتمتنع عن التصويت وهو ما يمكن ان نطلق عليه «المعارضة السلبية الصامتة».

وربما كانت موافقة اعضاء (الناتو) على توفير الحماية العسكرية‌لتركيا في حال تعرضها للتهديد عند اندلاع الحرب بعد معارضة‌شديدة من قبل بعض الاطراف يؤشر الى ان التراجع الاوربي يبقى هو الاحتمال الاكثر رجحانا، سيما عندما تضع الولايات المتحدة الاميركية الجميع امام امر واقع وتبدأ حربها الشاملة على العراق.

وادراك الاوربيون والروس وربما غيرهم  لهذا الواقع قد يدفعهم  ولو بالسر حتى لا يبدو عليهم الضعف والانكسار والخنوع - الى التنسيق بمستوى ما مع الولايات المتحدة لضمان جزءا من مصالحهم اذا لم يكن بالامكان ضمانها وتأمينها بالكامل.

ولكن حتى لو حصل هذا الامر فأن «المعارضة السلبية الصامتة» او تلك التي ينطلق من خلالها همس قليل بين الفينة‌والاخرى ستبقى ضرورية‌ومهمة‌بالنسبة الى بعض الاوربيين كالفرنسيين والالمان ومعهم الروس والصينيين لان المواقف الظاهرة والمعلنة لا يمكن اسقاطها من الحسابات والمعادلات السياسية رغم انها قد لا تؤثر في الصياغات او تقرير النتائج البحتة.