مع تشغيل المرحلتين (2 و3) من مشروع بارس لجنوبي العملاق

* ايران تنطلق في استثمار 13 تريليون متر مكعب من الغاز في اضخم حقول العالم

* عقود العمل مع الاجانب تنتهي باكتساب الايرانيين كامل الخبرات التقنية‌والفنية

 

في اجواء مفعمة‌بالبهجة‌والسرور تم افتتاح المرحلتين الثانية والثالثة من مشروع استثمار حقل بارس الجنوبي العملاق للغاز في ميناء عسلوية على الخليج الفارسي. وكان لرئيس الجمهورية السيد محمد خاتمي نصيبا وافرا من هذه البهجة بحضوره مراسم الافتتاح في الخامس عشر من شباط الماضي؛ هذا الحضور كان له بعده الاقتصادي داخل ايران وبعده السياسي في الخارج، فمشروع الاستثمار كان الخطوة الاولى للرئيس خاتمي بعد اشهر من انتخابه رئيسا للجمهورية‌للمرة الاولى عام 1997، وهذا المشروع بحد ذاته كان بمثابة القنبلة‌تحت جدار العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة‌الاميركية‌على ايران فيما اطلق عليه بـ (قانون داماتو)، فشاركت ثلاث شركات فرنسية وروسية‌واندونيسية في المشروع الضخم بصفقة‌بلغت قيمتها 10 مليارات دولار.

ان تشغيل المرحلتين الثانية والثالثة من بارس الجنوبي هو في الحقيقة‌جزء من المشروع الضخم المكون من عشره‌مراحل والمتفق على تشغيلها مع كل من شركة توتال الفرنسية‌وغاز بروم الروسية‌وبتروناس الاندونيسية، ويؤكد المسؤولون بان الحقل العملاق ذو قابلية‌توسيع ليصل الى ثمانية‌عشر مرحلة في السنوات القادمة، فهذا الحقل الذي يعد من اضخم حقول الغاز في العالم وتتقاسمه الجمهورية الاسلامية‌مع دولة قطر،‌تبلغ سعته 3700 كيلو متر مربع ويضم احتياطي يصل الى 13 تريليون  مترمكعب من الغاز و17 مليار برميل من السوائل، ويقع على بعد (105) كيلو متر عن منطقه‌ساحلية على الخليج الفارسي تسمى (عسلوية) على بعد 270 كيلو متر جنوب شرق مدينة بوشهر، وحسب التقديرات النظرية‌فانه في حال استثمار جميع المراحل في هذا الحقل فان ايران ستحصل على عائد يبلغ 13 مليار دولار سنويا.

أما المرحلتين  الثانية والثالثة حيث علت شعلة النار إيذانا  ببدء الانتاج،‌فانه ينتج يوميا 54 مليون متر مكعب من الغاز و 80 الف برميل من السوائل و 400 طن من الكبريت ويدر على ايران مليارا  و 320 مليون دولار سنويا؛ هاتين المرحلتين  تشملان على مصفى في البر ومنشآت بحرية‌و 22 منبعا للغاز وخطين للانابيب تحت البحر بطول 105 كيلو متر. وتعمل المنشات البحرية في كل مرحلة بصورة آلية يتم التحكم بها من مركز مراقبة‌في المصفى، فيما يتم ضخ الغاز عبر انبوب قطره 56 إنجا ليتصل بالشبكة الرئيسية‌العامة للغاز في البلاد.

وقد اجرى الرئيس خاتمي زيارة‌تفقدية لمناطق العمل في هذه المراحل، كما تفقد العمل في مجال البتروكيمياويات في منطقة بارس الجنوبي.

 

*طريق صعب ومستقبل واعد*

اذا القينا نظرة‌على الجانب النظري للمشروع نجد ان الصعوبات لم تكن اقل من الجانب العملي والتنفيذي، لان المشروع قائم اساسا على فكرة‌المقايضة في العمل والانتاج وهي نوع مستحدث من المضاربة وتسمى في ايران (بيع متقابل)، وهي فكرة غير مسبوقة‌وليس للمسؤولين والمعنيين عهدا بها، لاسيما في السلطه‌التشريعية، حيث أورد نواب مجلس الشورى الاسلامي اشكاليات عديدة‌خلال السنوات الماضية‌ على هذا المشروع مما دفع وزير النفط الحالي والذي احتفظ بحقيبته في الولاية الثانية للرئيس خاتمي، لان يبذل قصارى جهده لايصال الاستنتاج الصحيح للكم الهائل من المناقشات والمداولات حول جدوائية الاستثمار في هكذا مشروع وبمبالغ عالية جدا.

ان اهم ما يؤكده بيجان نامدار زنكنة وزير النفط في حديث صحفي خاص، هو «اننا بتشغيلنا المرحلتين  (2-3) من مشروع بارس الجنوبي مع شيء من التأخير، تمكنا من الحؤول دون ضياع حقوق الشعب الايراني، اضافة الى اننا تمكنا من خلال ذلك من نسف العقوبات الاقتصادية الاميركية والقضاء عليها الى الابد»

ويشير وزير النفط في حديثه الى ان التنمية‌قبل ان تكون مسألة‌ اقتصادية فهي مسألة ثقافية، اي ان الشعب الذي يطمح للنمو يحب الا يكتفي بالموجود ويحطم الحدود والسدود ليصل الى المستوى الاعلى من النمو والتطور، وهنا لا تكفي الارادة‌- حسب الوزير- وانما لابد من ان يشمر الجميع عن سواعدهم وينطلقوا للعمل.

وفي معرض اشارته الى مبلغ الملياري دولار الذي تلتزم به ايران حاليا في اطار العمل بالمرحلتين  (2و3) قال وزير النفط انه وبعد ستة اشهر من التشغيل الاختباري والتأكد لدى الجميع بجدوائية‌وعملية‌المشروع، وجدنا الاستجابة والتفاعل في مجلس الشورى الاسلامي اذ صادق النواب دون اثارة‌الكثير من المناقشات، على لائحة ترخيص العمل في اربع‌مراحل  اخرى من مشروع بارس الجنوبي.

ومن الجدير بالذكر هنا ان فكرة (بيع متقابل) تقضي بان يعمل الطرف الاجنبي في المشروع ويكسب فوائده وعوائده من الانتاج بنسبة يتفق عليها الطرفان في نص الاتفاق، وبعد الانتهاء من تشغيل المنشآت ينتهي عمل الشركات الاجنبية وتحل محلها الشركات الايرانية وخلال ذلك يكون الايرانيون قد اكتسبوا غير قليل من الخبرات بتجارب التقنية‌والمهارات الفنية في مجال استخراج الغاز ونصب الابراج والانابيب. وغيرها من اقسام العمل المختلفة‌ والمتشعبة.

ويتابع وزير النفط الايراني حديثه عن آفاق العمل في هذا المشروع الضخم، اذ اعلن انه الى جانب المراحل العشرة الموجودة، بامكاننا التوجه لعقد صفقة‌جديدة‌لثمان مراحل في بارس الجنوبي وذلك في حال توفر الدعم والمساندة‌الكافية، ولاشك ان ذلك عمل شاق ومجهد لكن بامكاننا حسم قضية‌ المناقصة‌اوائل العام الميلادي القادم -2004-، أما مايتعلق بالمراحل  العشر فيمكن القول ان كل مرحلة منها قادرة على انتاج 25 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي للاستهلاك الداخلي و 40 الف برميل من السوائل للتصدير و 200 طن من الكبريت ومقادير اخرى من غاز الميثان لرفدها الى منشآت البتروكيمياويات والغاز السائل للتصدير.

وتطرق وزير النفط الى المقاولين العاملين في حقل بارس الجنوبي بالقول: لابد من القول ان المقاولين الرئيسيين في مرحلتين (2-3) هم شركات (توتال) الفرنسية‌و(غاز بروم) الروسية‌ و (بتروناس) الاندونيسية)، أما في مراحل (6-7-8) فان المقاولين ايرانيين وهم  من شركة بتروبارس وقد ابرمت العقد في صيف عام 2000، فيما أتفقت شركة (أجيب) الايطالية مع شركتي (بتروبارس) و (نيكو ايران) الايرانيتين للعمل في (4-5)، وقد تم ابرام العقد في الفترة‌المشابهة.

وعن عوائد هذا المشروع الضخم اوضح الوزير انه في حال تشغيل واستثمار جميع المراحل  العشر فان ايران ستحصل على 2/7 مليار دولار سنويا، وفي حال استبدلت انواع الوقود المختلفة‌في البلاد بالغاز فان الرقم سيصل الى 8/13 مليار دولار، طبعا - يتابع الوزير - تبلغ عائدات المرحلتين (2و3) العاملتين حاليا مليوني دولار وذلك فقط من تصدير السوائل، اضافة‌الى الاستخدامات الاخرى في البلاد والذي من شانه ان يترك اثرا واضحا على العجلة الاقتصادية في البلاد.

من جانب آخر تحدث الوزير عن العمل الدؤوب والمتواصل لتغطية‌النسبة الاعلى من الاستهلاك الداخلي للوقود بالغاز، هذا المصدر الجديد الذي يؤكد الخبراء ان استخدامه يترك اثرا طيبا وكبيرا على البيئة نظرا لضآلة الفضلات المتسربة‌منه الى الجو قياسا الى الانواع الاخرى من الوقود مثل النفط الابيض وزيت الغاز والبنزين، فاعلن ان الخطوات متلاحقة‌في هذا المجال، وقال: في عام 1997 كان 19 مليون شخص يستخدمون الغاز في البلاد، أما اليوم اي عام 2003 فان الرقم بلغ 35 مليون شخص، ونأمل قبل نهاية هذا العام ان يرتفع الرقم الى 38 مليون شخص، وفي نفس الوقت ارتفع حجم اعتماد ومنشآت انتاج الطاقة‌الى الضعفين، فيما بلغت نسبة‌الغاز في انتاج الطاقة حوالي 50 بالمئة، وبشكل عام فان 85 بالمئة من ساكني المدن الذين يشكلون ثلثي سكان ايران يتمتعون بنعمة الغاز، واذا ارتفعت هذه النسبة‌الى 93 بالمئة عام 2004 فان ايران ستكون البلد الفريد في العالم في مجال تغطيه‌حاجات الناس من الوقود بالغاز.

 

*اكستاب الخبرات وصولا الى الاكتفاء الذاتي*

من المسائل المهمة‌والحساسة المتعلقة‌بمشروع بارس الجنوبي، مسألة الاكتفاء الذاتي وحرص ايران على الاستغناء تدريجيا عن الخبرات الاجنبية‌ في استثمار المراحل العشر‌ وغيرها من المحاولات القادمة لتوسيع‌نطاق الاستثمارات في حقول الغاز، عن هذا الموضوع كان للمشرف والمسؤول عن المرحلة الاولى من بارس الجنوبي الذي ينتظر التدشين، حديثا مسهبا حول مسألة الاكتفاء الذاتي معتبرا اياها انجازا ومكسبا لا يقل اهمية‌عن الغاز المستخرج نفسه، وعندما سئل محمد اسماعيل كراشيان عن اهم ما تنجزه المرحلة الاولى في بارس الجنوبي، قال:‌ان مايميز المرحلة الاولى من بقية‌ المراحل  في بارس الجنوبي هو كسب التجارب والخبرات في المجال الهندسي والفني ففي هذا المقطع خاض المهندسون تجربة‌العمل والادارة، ففي الوقت الذي عمل 1700 شخص من الاجانب في مرحلتين (2و3) فان هذا العدد بلغ في المرحلة الاولى وعلى مدى الثلاث واربع سنوات الماضية 150 شخصا فقط.

وعن نسبة‌المشاركة الايرانية مقابل الاجنبية قال كراشيان: في الاعمال التي تمت على اليابسة كانت حصة‌اليد العاملة الايرانية‌65 بالمئة، اي انه بدلا من انفاق مليار دولار كثمن عقد الاستثمار تم اختزال الـ مبلغ  الى650 مليون دولار وبين المسؤول المشاكل التي يمكن ان تحدث لو وقع المشروع في يد الاجانب بالقول: ان الاجانب اول ما يقومون به هو تقسيم العمل الى اجزاء بين مجموعات عمل عديدة في ذلك البلد، .ومن اجل استعادة المشروع منهم لابد لنا من مطاردة هذا وذاك لانهاء العمل معهم جميعا واعادته الى الايدي الايرانية، وتابع قوله؛ في دورة‌العمل بالمرحلة الاولى كان ثمة ثمانية آلاف عامل من 47 شركة ايرانية كانوا جميعا يعملون لحساب شركة بترو بارس، وخوض هذه الشركات لغمار العمل يوفر الفرصة لهم للنمو والتوسع في مجال الخبرات العملية‌وتوفير التجهيزات والمستلزمات بانفسهم وهو بدوره سيزيد من فاعلية المنشآت الانتاجية والصناعية، وعن العمل في المنشآت البحرية يقول: من بين تلك الشركات العاملة تم إبرام عقد عمل مع ثلاث شركات ايرانية، العقد الاول لمد انبوب قطره 32 انج بطول 105 كيلومتر من منطقه بارس الجنوبي وحتى مرفأ عسلوية بقيمة ‌56 مليون دولار، والعقد الثاني تم مع شركة تصميم المنشآت البحرية (I-O-E-C) بقيمة‌29 مليون دولار والعقد الثالث مع شركه‌(صدرا) بقيمة 200 مليون دولار.

ويتحدث المشرف على مشروع المرحلة‌ الاولى من بارس الجنوبي عن كيفية اكتساب الايرانيين للخبرات الفنية والتقنية‌وخوضهم غمار الاعمال الصعبة خدمة‌لوطنهم لتوفير اكبر قدر ممكن من التكاليف، ويقول: فيما مضى من الزمن لم يكن بمقدور الايرانيين نصب منصات استخراج الغاز بالرغم من ان شركة (I-O-E-C) كانت تصنعها، وخلال العمل في المرحلة‌ الاولى  كانت هذه الشركة تريد العمل في مد الانابيب مستخدمة في ذلك الناقلة‌العوامة الخاصة بذلك، لكن نظرا لاستعجالها في أمر نصب المنصة تخلت عن الانابيب تاركة العمل لتشارك في قسم منه شركة ايطالية، وبذلك فان الشركة اكتسبت خلال ذلك خبرة‌العمل في مد الانابيب، وفي العقد الثالث وهو مع شركة (صدرا) فانها كانت تفتقر للخبرة في انتاج ناقلة‌عوامة‌بحجم ضخم، فعقدت اتفاق شراكة مع شركة (سامسونغ) الكورية الجنوبية وبنسبة متساوية‌-50 مقابل 50 بالمئة -؛ الشركة الكورية‌قامت بانتاج ناقلتين ضخمتين في ايران واثنان صغيرتان في كوريا الجنوبية، وبهذه الطريقة اكتسبت(صدرا) الخبرة والتجربة التقنية، وعندما تقدمت لخوض المناقصة في المراحل  (6-7-8) من بارس الجنوبي فانها تمكنت من احراز العقد دون وجود منافسة (سامسونغ)، وتابع قوله: ان نصب المنصة تم بنجاح للمرة الاولى من قبل شركة (I-O-E-C) التي انتجت قبل ذلك 11 منصة لبارس الجنوبي كان ابرزها منصة (ابوذر) وهي اول منصة تنتجها وكانت لمرحلتين  (2و3).

ويخلص المسؤول الى نتيجة مفادها: انه بوجود شركه (I-O-E-C) والناقلة العوامة‌(ابو ذر 1200) فان اجرة‌العمل خلال المناقصة تنخفض بنسبة‌30 بالمئة. ويوضح قوله: بان الشركات الاجنبية‌ليس بمقدورها رفع الاسعار بوجود شركات ايرانية وقادرة على الانتاج والعمل.