الوثبه الجماهيريه التي رافقت اعتقال الشهيد الصدر

 

     مثلت سيره حياه السيد الشهيد محمد باقر الصدر الانموذج الامثل في تجسيد الشخصيه الاسلاميه المنشوده بمختلف ابعادها. و مما يؤسف له ان العديد من صفحات تاريخ هذا المرجع المظلوم بقي خافيا علي الكثيرين حتي المقربين. و ربما كانت مبادره الشيخ محمد رضا النعماني و هو آخر من بقي مع الشهيد الصدر قبل استشهاده باصدار كتاب يستعرض فيه جوانب من الادوار الضخمه التي قام بها الشهيد في المجالات المختلفه جزءا من الوفاء الذي يستحقه هذا الرجل العظيم.

     شعرت، و الكلام للنعماني، بان هذه ساعه حرجه، لابد فيها من اتخاذ موقف سريع، فذهبت مع احد الاخوه المؤمنين ـ من طلاب السيد الشهيد (رض) الي بيت شخص آخر من زملائنا الاعزاء، فعقدنا هناك اجتماعا ثلاثيا للتخطيط حول ما يجري صنعه في هذه الساعات الحرجه، فكانت نتيجه هذا الاجتماع هو التصميم القاطع بتنظيم مظاهره جماهيريه للاحتجاج علي هذه الجريمه النكراء، مع وضع الخطه الكامله من حيث تعيين مكان التجمع، و ساعه الانطلاق، و كيفيه الاعداد، فقد علينا الحرم الشريف مكانا للتجمع، و صممنا علي الانطلاق من هناك علي راس الساعه العاشره بعد قراءه دعاء الفرج ـ و انما اخترنا دعاء الفرج من بين الادعيه الماثوره باعتبار ان هذ الدعاء يتنهي باسم الامام الحجه عجل الله فرجه،‌ و سيقوم الناس بطبيعتهم احتراما لاسم الامام (ع)‌،‌ فيكون هذا القيام اعدادا للانطلاق في المظاهره، ـ و هكذا كان، فقد خرجت انا و صاحبي من بيت ثالثنا لنبلغ المؤمنين بهذا القرار، فمررنا باكثر المدارس العلميه في النجف، و بلغنا من وجدنا فيها من الطلاب و المؤمنين، ‌و التقينا بمن التقينا من المؤمنين ايضا في الطرق و الشوارع و بلغناهم الامر.

     و لما قرب الموعد ذهبت الي الحرم الشريف،‌ و انتظرت هناك الي ان حان الوقت، و اجتمع عدد من المؤمنين، فشرعت بقراءه دعاء الفرج، و كان الجميع يرددون معي جمله جمله، الي ان بلغنا اسم الامام الحجه (عجل الله تعالي فرجه الشريف) فقمنا جميعا اجلالا له، ‌ثم بدات الشعارات:‌ الله اكبر الله اكبر،‌ نصر من الله و فتح قريب،‌ عاش عاش عاش الصدر .. و انطلقت المظاهره بركضه سريعه.

     و هنا لابد من الاشاره الي مشاركه المراه المسلمه العراقيه في هذه الانتفاضه، حيث تواجد عدد من المؤمنات الرساليات في تواجد عدد من المؤمنات الرساليات في الحرم الشريف،‌ و اشتركن في بدايه المظاهره، الا ان سرعه المظاهره منعتهن عن امكان الالتحاق بالرجال عند الخروج من الحرم الشريف، فتفرقن بطبيعه الحال، و تعرض بعضهن الي المراقبه و الملاحقه من قبل اعضاء جهاز الامن الارهابي في العراق.

     و لما انطلقت المظاهره التحق بنا جمع غفير من المؤمنين من خارج الحرم الشريف، و سرعان ما اتسع العدد ايضا عندما دخلت المظاهره شارع الامام الصادق (ع).

     و حاولت اجهزه الامن الارهابيه بشتي الاساليب ان تفرق المتظاهرين منذ خروجهم من الصحن الشريف فلم تستطع، حتي اقتحمت سياره الامن جموع المتظاهرين و هم في شارع الامام الصادق (ع)، فلم تحصل الا علي ضربات قاسيه علي زجاجها من قبل المتظاهرين.

     ثم واصلت المظاهره طريقها في شارع الامام الصادق (ع) الي ان واجهت قوي امنيه مكثفه من جهه الحرم الشريف،‌ فحرفت مسيرها الي جهه السوق الكبير من احد الازقه المؤديه اليه، و لما دخلنا السوق وجدنا المحلات كلها معطله، فواصلنا السير في داخل السوق الي اواخر السوق،‌ حيث وقع الاشتباك بين المتظاهرين و جهاز الامن الارهابي، رغم تجرد المتظاهرين من كل سلاح. و تعالت اصوات اطلاق الرصاصات من قبل الجلاوزه، ثم رجع المتظاهرون في داخل السوق باتجاه الحرم الشريف، حيث كان الجلاوزه ينتظرونا علي مدخل السوق، فاضطررنا الي الرجوع مره اخري من احدي الازقه الي شارع الامام الصادق (ع)، و بدا التفرق من هناك،‌ حيث هرب من هرب، و القي القبض علي الباقين.

     ثم بدات عمليه القاء‌ القبض علي الناس بصوره عشوائيه في اكثر شوارع النجف الاشرف، مما يدل علي مدي الرعب و الوحشيه التي اصيب بها الجلاوزه اثر هذه المظاهره.

     و كان لهذه التظاهره ـ رغم عفويتها في التخطيط و التنفيذ ـ بالغ الاثر في اجبار السلطه علي الافراج عن السيد الشهيد، و تاجيل حكم الاعدام فيه، و قد نقل لنا المرحوم علي بدرالدين ان برقيه ارسلت من السلطات المحليه في النجف الاشرف الي احمد حسن البكر ذكر له فيها ان تظاهرات كبيره خرجت في النجف الاشرف احتجاجا علي اعتقال السيد الشهيد، و ان الاوضاع فيها علي و شك الانفجار.

     و قد حدثني السيد الشهيد (رض): «ان اسلوب فاضل البراك مدير الامن العام كان قاسيا،‌ و لهجته فضه حينما كان يستجوبني، و في اثناء ذلك دخل عليه شخص،‌ فسلمه ورقه صغيره، فلما قراها غير من اسلوبه معي في التحقيق،‌ و بعد ذلك بدقائق دق جرس الهاتف، و بدي لي ان المتحدث معه كان شخصيه كبيره،‌ اذ كان فاضل البراك يجيب بعبارات من مثل: نعم سيدي، امرك سيدي،‌و ما شابه ذلك».

     و قد علمنا فيما بعد ان المتحدث كان هو المقبور احمد حسن البكر رئيس الجمهوريه آنذاك.

     قال السيد الشهيد:

     «شعرت ان شيئا ما قد حدث غير من مجري التحقيق معي، و ان كنت لا اعرف حدوده،‌ الي ان قال لي فاضل البراك:‌ ماذا فعلنا حتي تخرج تظاهرات في النجف و الكاظميه احتجاجا علي ما يسمونه اعتقالا لكم، ان هذه زياره و ليس اعتقالا!!!».

     و كان المجرم (ابو اسماء) مساعد مدير الامن العام ـ و هو تركماني و عضو في حزب البعث العربي!! اول من استقبل السيد الشهيد في مديريه الامن العامه في بغداد، و قال له بلهجه ساخره: «سيدنا ضعفان»،‌ فاجابه (رض) بلهجه خشنه: «كلا،‌ لست كذلك،‌ انا طبيعي جدا».

     و كان رد الفعل الجماهيري علي اعتقال السيد الشهيد (رضوان الله عليه) سريعا و قويا،‌ و ذلك لاننا تمكنا من اخبار احد تلاميذ السيد الشهيد في ايران بخبر الاعتقال، و هو بدوره ابلغ وكالات الانباء العاليمه، و منها وكاله انباء المجهوريه الاسلاميه في ايران التي بثت الخبر و اذاعه راديو طهران بقسميه القارسي و العربي، و بهذا الاسلوب تمكنا من نشر الخبر علي اوسع نطاق، و كان طريقنا للاتصال يتم من خلال هاتف سماحه الاخ حجه الاسلام و المسلمين السيد محمد باقر المهري، الذي كان قد هاجر من العراق، و ترك لنا منزله للاستفاده من الهاتف الذي لم يكن تحت المراقبه.

     و لهذا السبب فان ردود الفعل علي حادث الاعتقال شملت عده مدن في وقت واحد تقريبا، كان منها النجف، و السماوه، و ديالي، و الثوره، و جديده الشط، و الكاظميه،‌ و ناحيه الفهود، و غيرها من المدن، مما ارعب السلطه و اقلقها،‌ و الفضل في ذلك كله يعود الي وسائل الاعلام.

     و علي كل حال، فان فاضل البراك غير من اسلوبه في التحقيق، فقال للسيد الشهيد: لم يكن هدفنا اعتقالكم، بل احببنا ان نتعرف بشكل مباشر منكم علي الاحداث.

     فقال له السيد الشهيد (رض): و هل يتطلب ذلك طرح هذا العدد الكبير من الاسئله، و بهذا الاسلوب، ثم هل يستدعي ذلك تطويق بيتي من العصر حتي الصباح، و بهذا العدد الكبير من القوات.

     فقال: ان هذا خطا ارتكبه مدير امن النجف،‌ و كنا قد قلنا له: اننا نريد ان نستفسر من السيد الصدر عن بعض الامور، و طلبنا منه ان يصحبكم الي بغداد بكل احترام!! ثم قال:‌ ان احببت العوده الي النجف فانت حر،‌ و اهلا بك.

     قال لي السيد الشهيد (رض):

     «رفضت الافراج عني و العوده الي النجف، الا اذا افرج عن مرافقي،‌ و عن جميع الذين اعتقلوا في هذه الاحداث».

     فقال فاضل آلبراك: «‌اما المرافقان فنعم، سيفرج عنها فورا، و اما الآخرون، فان هذا يحتاج الي قرار من السلطات العليا».

     و وعد السيد الشهيد ان يتوسط شخصيا لدي رئيس الجمهوريه احمد حسن البكر للافراج عنهم، و ذكر ايضا ان قسما منهم قد قتل او جرح عددا من قوات الامن، فلا يمكن لمديريه الامن الافراج عنهم،‌ لانه خارج عن صلاحياتها.

     لم يقتنع السيد الشهيد بكلامه،‌ و لم يثق بوعده،‌ فرفض العوده الي النجف الا بعد تنفيذ هذا الشرط. هنا حاول البراك ان يتوسط و بحضور السيد الشهيد، الا ان محاولته فشلت، و اقسم امام السيد الشهيد علي ان يفرج عنهم في اقرب فرصه ممكنه.

     عاد السيد الشهيد الي النجف الاشرف، فاخبرته بان اعتقالات واسعه شملت وكلاءه و عددا كبيرا من المؤمنين، و خاصه اولئك الذين اشتركوا في وفود البيعه،‌ فقال لي:

     «كان ظني ان ذلك قد حدث و انا في مديريه الامن العامه: لاني اعلم ان السلطه لن تكتفي باعتقالي فقط، بل انها ستعتقل عددا كبيرا من المؤمنين».

     ثم امر (رضوان الله عليه) سماحه الاخ حجه الاسلام السيد محمود الخطيب (حفظه الله) ان يتصل بفاضل البراك، و يطالبه باسم السيد الشهيد بالافراج عن جميع المعتقلين. و فعلا فقد تم الافراج عن عدد كبير منهم، و احتجز آخرون.

     و كان ممن اعتقل اثر انتفاضه رجب ثله من العلماء‌الافاضل، و قد استشهد بعضهم فيما بعد خلال فتره الاحتجاز، و هنا اذكر اسماء البعض ممن استشهدوا او اعتقلوا علي سبيل المثال لا الحصر:

     1ـ آيه الله المجاهد الشهيد السيد قاسم شبر (رض). و يعتبر هذا السيد الجليل (شيخ الشهداء)، استشهد و عمره قد جاوز التسعين.

     2ـ الشهيد السعيد حجه الاسلام السيد قاسم المبرقع.

     3ـ الشهيد السعيد حجه الاسلام عبد الجبار البصري.

     4ـ الشهيد السعيد حجه الاسلام الشيخ سامي طاهر العلي.

     5ـ‌ الشهيد السعيد حجه الاسلام الشيخ محمدعلي الجابري.

     6ـ الشهيد السعيد حجه الاسلام الشيخ عبد الجليل مال الله.

     7ـ الشهيد السعيد حجه الاسلام السيد محمدحسين المبرقع.

     8ـ الشهيد السعيد حجه الاسلام السيد عبد الرحيم الياسري.

     9ـ الشهيد السعيد حجه الاسلام الشيخ عبدالامير الساعدي.

     10ـ‌ الشهيد السعيد حجه الاسلام الشيخ خزعل السوداني.

     11ـ الشهيد السعيد حجه الاسلام و المسلمين الشيخ مهدي السماوي.

     12ـ الشهيد السعيد حجه الاسلام الشيخ محمد يونس الاسدي.

     13ـ الشهيد السعيد حجه الاسلام السيد عزالدين الخطيب.

     14ـ سماحه حجه الاسلام و المسلمين  الشيخ حسن عبدالساتر.

     15ـ سماحه حجه الاسلام و المسلمين الشيخ عفيف النابلسي.

     16ـ سماحه حجه الاسلام و المسلمين السيد حسين الصدر.

     17ـ سماحه حجه الاسلام و المسلمين السيد حسين السيد هادي الصدر.

     18ـ سماحه حجه الاسلام و المسلمين السيد علي اكبر الحائري.

     19ـ الشهيد سماحه حجه الاسلام و المسلمين الشيخ عبد الرحيم فرج الله.

 

وقائع التحقيق

     يقول السيد الشهيد (رضوان الله عليه): «ان كل الدلائل كانت تشير الي ان السلطه كانت عازمه علي اعدامي، و كان فاضل البراك متشنجا، مكفهر الوجه، ‌خشن المعامله».

     و انا هنا اذكر بعض ما سمعته من السيد الشهيد (رض) فيما يتعلق بالتحقيق الذي جري معه في يوم (17) رجب عام 1399 ه.

     فاضل البراك: ما هي علاقتكم بالسيد الخميني؟

     السيد الشهيد: علاقه العالم بالعالم.

     البراك: الخميني سياسي، و ليس عالم.

     السيد الشهيد: انا لازلت اعتقد انه عالم ديني، و مرجع من مراجع المسلمين.

     البراك:‌ الخميني زعيم دوله،‌ و نحن نعتبر اي علاقه به خارج القنوات الدبلوماسيه للدوله العراقيه نوعا من العماله.

     السيد الشهيد: فسروا ذلك ما شئتم، اما انا،‌ فسيبقي السيد الخميني في نظري مرجعا من مراجع المسلمين.

     البراك: لماذا اصدرت بيانات تؤيد فيها الثوره الاسلاميه في ايران؟

     السيد الشهيد: واجبي الشرعي فرض علي ذلك،‌ و ليس فيها ما يضركم.

     البراك: هذا شان الدوله،‌ لا المواطنين.

     السيد الشهيد: ما صدر مني لا يخالف سياسه الدوله،‌ انتم تقولون نحن نؤيد الثوره الاسلاميه، و هذا الموقف ينسجم مع موقفكم.

     البراك:‌ اننا نعتبر ذلك تجاوزا للسلطه و القانون، الا اذا تم باشرافنا و موافقتنا،‌ و من خلال القنوات الدبلوماسيه.

     السيد الشهيد: انا عملت بتكليفي الشرعي و الاخلاقي،‌ و ليس وراء ذلك اهداف او اغراض سياسيه.

     البراك:‌ ما هو الهدف من زيارتك لبيت السيد الخميني في اليوم الذي غادر فيه العراق؟

     السيد الشهيد: هكذا هي العلاقه بين العلماء. لقد ذهبت لتوديعه، و هذا يؤكد ما قلته سابقا من ان علاقتي بالسيد الخميني قائمه علي اسس غير سياسيه، ان زيارتي له كانت قبل انتصار الثوره.

     البراك: ماذا يعني السيد الخميني بالبرقيه التي بعثها لك؟

     السيد الشهيد: .... (لا جواب).

     البراك:‌ اين السيد محمود الهاشمي؟ علمنا انه ذهب الي ايران ليمثلكم هناك؟

     السيد الشهيد: .... (لا جواب).

     البراك: الا يعتبر ارسال السيد محمود الهاشمي الي ايران عمليه تحريض ضدنا؟

     السيد الشهيد: فسروا ذلك بما شنتم.

     البراك:‌ الوفود التي جاءت الي النجف، من نظمها؟ و من يقف خلفها؟ و ما هو الهدف منها؟

     السيد الشهيد: الشعب العراقي كان وراءها، و هو الذي نظمها، جاؤوا يطلبون مني البقاء بينهم.

     البراك: و هل كنت تنوي مغادره العراق؟

     السيد الشهيد: كلا.

     البراك: اذا الا تعتبر ان ذلك تحريض مدروس،‌ و اتفاق مسبق بينك و بين السيد الخميني، قام بتنسيقه السيد محمود الهاشمي للاطاحه بالسلطه عن طريق تحريض الجماهير علينا؟

     السيد الشهيد: ليس بيننا اتفاق علي شيء.

     البراك: اذا لماذا طلب منك البقاء في العراق؟ هل لكي تقود الثوره ضدنا بمساعده ايران.

     السيد الشهيد: ليس لايران،‌ و لا لاي دوله اخري يد في ذلك، كل الذين جاؤوا هم من ابناء العراق، و انتم تعرفون ذلك.

     البراك:‌ اننا نعتبر ذلك تحريضا للشعب للاطاحه بالحزب و الثوره.

     السيد الشهيد:‌ انتم تقولون نحن اقوياء بما فيه الكافيه،‌ فهل يستطيع هؤلاء الاطاحه بالثوره من خلال تظاهرات سليمه غير مسلحه، و في النجف؟

     البراك: لقد ثبت لدينا انكم تحرمون الانتماء‌ لحزب البعث؟

     السيد الشهيد: .... (لا جواب).

     البراك: ان كل واحده من هذه الامور تستحق عليها الاعدام.

     السيد الشهيد: انا في قبضتكم،‌ فافعلوا ما شئتم.

     و هنا دخل احد الاشخاص و سلم البراك ورقه صغيره، ثم دق جرس الهاتف، و بعدها افرج عن السيد الشهيد كما ذكرنا.

     اما الاعتقال الرابع الذي انتهي الي الاستشهاد، فسوف نتحدث عنه فيما بعد ان شاء الله تعالي.

 

الوحده ـ العدد 203