الاسلام و النظريات الغربيه حول حقوق الانسان

الدكتور محمد لغنهاوزن

تعريب: امين محمد

 

     لقد اضحت كلمات مثل: «المساواه» و «حقوق الانسان» شعارات سياسيه، بيد الظلمه و غير العدول، و القاده المسلمون و المثقفون الغربيون يطالبون بوضع حدّ  للأخطاء الواضحه التي ترتكب تحت مظلّه هذه الشعارات. و على المسلمين ان يتجنبوا بيان مطاليبهم الاخلاقيه و السياسيه بلغه القانون و الحقوق، لان لغه القانون المتداوله في المناظرات السياسيه و الدوليه الغربيه هي حصيله مفاهيم تختلف عن القيم التي يدافع عنها الاسلام.

     و من غير المعقول تصور امكانيه الاستفاده من هذه المفاهيم دون التورط بالاطر المفهوميه المبنيه على بعض القيم، التي قد تتعارض مع القيم الاسلاميه. و اذا وجدنا من الضروري الدفاع عن الحقوق و المساواه على اساس القيم الاسلاميه، علينا طرح النظريه الاسلاميه في العداله، و التي يمكن من خلالها ان تجد الحقوق و المساواه مكانتها الحقيقيه. و من خلال ذلك تتضح معالم النظريه السياسيه الاسلاميه، بشكل يميزها عن اهداف النظريات الليبراليه الغربيه. و هذا لايعني تعارض القيم الاسلاميه مع الغربيه بشكل تام، بل و على خلاف هذا التصور، فان نقاط الالتقاء و الاشتراك بين القيم الاسلاميه و الغربيه كثيره، لهذا نجد المسلمين يستخدمون اصطلاحات التساوي في الحقوق لبيان شكواهم و عقابهم.

     و من اجل تجنب الوقوع في الخطأ فيما يتعلق بالحقوق و الاسلام، نجد من الضروري اخذ جانب الاحتياط و المراقبه عن كثب، فالخطأ الاول، هو ان المسلمين استخدموا لغه المساواه و الحقوق، في مقام الدعوه للعدل، بشكل غير نقدي. و الخطأ الثاني، هو حذف و اهمال كل دعوى غربيه في باب الحقوق لتصورهم أنها غير اسلاميه. فتجنب هذه الاخطاء، يتطلب تقديم نظريات اسلاميه في الاخلاق و الفلسفه و السياسه، و هذا ليس باليسير، و نحن لانسعى هنا للقيام بهذا الجانب. بل سنلقي نظره عابره على مباني النظريات الغربيه في المساواه الحقوقيه، و سنشير خلالها الى مختلف نقاط الضعف و القوه، و المسائل التي هي مورد اهتمام في الفلسفه السياسيه و الاخلاقيه الاسلاميه.

 

العداله عند ارسطو

     لابد من الرجوع الى كتابات ارسطو لفهم النظريات المعاصره في مجال التساوي الحقوقي. و قد قسم ارسطو العداله في كتاب «الاخلاق» الى مقولتين: توزيعيه و اصلاحيه.

     فالعداله الاصلاحيه، تقوم بإصلاح الاخطاء، و موضوع العقاب هو من عناوينها. في حين ان العداله التوزيعيه على حد قول ارسطو نفسه هي توزيع صحيح «للكرامه او الثروه او المواهب التي يمكن تقسيمها بين اعضاء المجتمع». و يقول: العداله في التوزيع تعني ان يحصل كل فرد من افراد المجتمع على ما يستحقه، و هنا يمكننا الوصول الى مفهوم المساواه كما يراه ارسطو، «جميع البشر يتصورون ان العداله يجب ان تكون نوعاً من المساواه لانهم يقولون انه يجب ان تكون الامور متساويه بين المتساوين»1، لكن هذا لايعني توزيع جميع خيرات المجتمع بين اعضائه بالتساوي، لانه لايمكن لاعضاء المجتمع ان تكون لهم استحقاقات متساويه في الحصول على مختلف الخيرات.

 

حقوق الانسان في العصر الحديث

     من بدايه العصر الحديث و الى اليوم فسر علماء الحقوق الطبيعيه العداله على اساس التساوي الحقوقي بين جميع البشر. و على هذا الاساس، تتخذ المطالبه بالتساوي الحقوقي احياناً طابع المطالبه باحترام حقوق الانسان. و حقوق الانسان، هي الحقوق التي يجب ان يتمتع الناس بها بشكل متساو لمجرد كونهم بشراً. و حول الحقوق التي يجب مراعاتها بشكل متساو، و حول امكانيه القول بالتمايزات و الاختلافات بين الناس و الذين نفترض لزوم تمتعهم بهذه الحقوق، هناك اختلاف في وجهات النظر. ففي اعلان الاستقلال الامريكي سنه (1779م) هناك ادعاء، بأن «جميع البشر خلقوا متساوين، و قد منحهم الله حقوقاً لايمكن سلبها عنهم، من جملتها: حق الحياه و الحريه و طلب السعاده». و مع ذلك هناك العديد من الاشخاص يرون القوانين التي تميز بين الناس على اساس الجنس و العرق، منسجمه مع دعوى التساوي الحقوقي، لانهم يرون دعوى التساوي الحقوقي هي في الاساس انكار للامتيازات القانونيه الخاصه التي كانت للنبلاء و القساوسه تحت لواء السلطنات الاوربيه. و على سبيل المثال، نشاهد كيفيه الادغام بين فكره التمييز العرقي و فكره المساواه في افكار «هيستينغز رشدال» (1858م-1924م)، فهو عندما لم يكن مطلعاً على اي تناقض بين الفكرتين كتب يقول: «للبشر قيم ذاتيه متساويه، و على هذا الاساس لهم حق احترام متساو»، و باتخاذ هذا الرأي، يكون الله هو الذي الغى «عدم المساواه التي لاتستند الى حقيقه في كيفيه التعامل مع الافراد عدم المساواه التي لايسوّغها الرفاه الاجتماعي او الاصول العقليه و العامه الاخرى -». ثم يضيف: «يجب التضحيه برفاه ادنى لربما الوجود نفسه للصينيين لكثرتهم و للسود، حتى يمكن توفير حياه افضل لعدد قليل من البيض»2.

 

تعاليم المساواه الذاتيه للبشر

     و مهما يكن تعقيد تفسير تعاليم المساواه الذاتيه بين البشر، فإن العديد من المنظرين في العصر الحاضر اعتبروها بديهيه، في حين أن الآخرين اعتبروا الإلهيات منشأ هذه التعاليم. او انها صادره عن الفطره الانسانيه3. و مع افول الفلسفات المبنيه على الدين في الغرب، فإن تعاليم المساواه الذاتيه، تركّز على الفطره الانسانيه. و قالوا إن البشر بشكل عام لهم قدرات و قرائح و حاجات و متطلبات غير متساويه، لكنهم ادعوا انَّ البشر متساوون لانهم يشتركون في الكثير من الحاجات و المتطلبات الاساسيه. و هذا القسم من الحلول لايتحمل البحث الدقيق و التفصيلي، لان الاطفال المرضى، لايشتركون ظاهراً في الاحتياجات و القدرات التي تميز البالغين و الناس العاديين عن انواع الحيوانات الاخرى، و مع هذا فإن لهم حق التمتع ببعض الحقوق الاساسيه لكونهم بشراً.

     و المدافعون عن حريه الحيوانات يعتقدون أنّه ليس للبشر خصائص تميزه عن غيره بحيث توجب اعطاءه حقوقاً متساويه له وحده، و اقترحوا تعميم الحقوق على جميع الموجودات (الكائنات) التي تمتلك ادراكاً حسيّاً. لكننا نعتقد بحقوق اكثر للإنسان العاجز عن اي حيوان نشط و ذي عقل استثنائي. و على هذا الاساس، يمكن استخدام الاستدلال الذي طرحه المدافعون عن حريه الحيوانات ضدهم. فهم يستدلون: بما ان الحقوق مبنيه على اساس القدرات و الحاجات، و لأن بعض الحيوانات اكثر قدره من بعض البشر و لها حاجات اكثر، لذلك وجب تعميم المساواه الحقوقيه على دائره الحيوانات مثل البشر. و في المقابل، نستطيع الاستدلال: بما اننا نرى لحياه البشر قيمه اعلي من الحيوانات، و نعتقد بحقوق للبشر لانراها لغيرهم من سائر افراد الانواع غير البشريه، و لانه قد تتساوى في بعض الاحيان قدرات و حاجات الحيوانات مع البشر، او انها تتفوق عليها، لذلك فلايمكن للحاجات و القدرات ان تكون منشاً للحقوق.

 

مسووليه البشر الاخلاقيه

     و من اجل التوصل الى حلّ لهذه المساله ضمن الاطار الاسلامي، علينا قراءه رساله اخوان الصفا: «دعوى الحيوانات ضد البشر في حضره الجان»4 قراءه جديده، ففي هذه يكون البشر هم الفاتحين على اساس اصل المسووليه الاخلاقيه للإنسان. و يقول هذا الاصل، ان المسووليه الاخلاقيه هي التي يمكن ان تكون قاعده للحقوق. لا الادراك. و المسووليه من الناحيه الكلاميه، مفسره من خلال صيغه الاجابه على الاعمال امام الله سبحانه و تعالى. و للمسووليه، ايضاً جانب اجتماعي إنساني. لقد وضع الله البشر امام مسووليه خاصه بعضهم تجاه بعض. كما انه سبحانه و تعالى وضعنا امام مسووليه تجاه الحيوانات ايضاً. و لكل واحده من هذه المسووليات تبعاتها الحقوقيه الخاصه. كما انه في بعض الموارد تكون هذه التبعات واحده. فللاثنين (الانسان و الحيوان) هذا الحق، و هو ان لايتعرض للتعذيب و الاذى، و لكن للبشر حقوقاً اكثر من ذلك. و على اساس المسووليه الخاصه الملقاه على عاتقنا علينا ان نتصرف بالعدل و الانصاف مع سائر البشر. و قد وضع الله مسووليه التصرف العادل و المنصف قبال الآخرين على عاتقنا، وسيله لتحقيق الكمال الفردي و الكمال الاجتماعي.

     و يظهر ان كتّاب العصر الحديث، غالباً ماتصوروا وجود حدود للقابليات في العمل، تعطي للإنسان على اساس حق امتلاك مجموعه كامله من الحقوق و دون الاخذ باختلاف الموقع و المستوى. و حول هذا الرأي ، هناك نوعان من المشاكل:

     الاول: مع انهم حصروا هذه الحقوق بالبشر و لم يعمموها على دائره الحيوانات الا انه و كما اشرنا مسبقاً قد تتجاوز بعض الحيوانات هذه الحدود، فيما لايستطيع بعض البشر تجاوزها.

     الثاني: لم يتضح فيما اذا كانت الحقوق مبنيه على اساس القدرات، و لماذا لاتطبّق بمستويات متفاوته و بشكل يتناسب مع القدرات و القابليات الموجوده.

 

منشأ الحقوق

     قلنا فيما سبق ان منظري الحقوق في العصر الجديد، قلبوا برأي ارسطو حول العداله التوزيعيه، و انهم طبقوها على الحقوق، و اعتبروا الحقوق بما يماثل البضاعه التي توزع بين اعضاء المجتمع بواسطه المؤسسات السياسيه و الاجتماعيه. و قد بحثنا في الدلائل التي اقيمت على التساوي الحقوقي بين جميع البشر، و اشكلنا عليها. لكنه، بالتأكيد هناك حقوق اساسيه يجب تعميمها على جميع البشر. و ان رفض النظريات المعاصره في الحقوق، لايعني رفض هذا الادعاء، بل هو رفض للاستدلالات التي تشكل الارضيه لذلك. و لو صار من المفترض نفي نظريات الحقوق الطبيعيه، فلابد من مصدر و منشأ آخر نبني عليه دعوى الحقوق. فهناك عده بدائل لهذا الامر، ابسطها هو اننا نجعل التكاليف و الالزامات هي الاصل و نجعل الحقوق فرعاً منها. و ان نعتبر الخير و الحسن العقليين مقدمين على الحقوق و على التكليف ايضاً. فعلى اساس نظريه ارسطو مثلاً جميع البشر يبحثون بطبيعتهم عن السعاده. و ما يقصده ارسطو بالسعاده، هو ليس مجرد اللّذه بل حصول حياه جيده للإنسان. و في هذه الحاله، يمكن اعتبار الحقوق و التكاليف مؤسسات تسوق الانسان نحو تطور و تنميه المجتمع الفاضل. و في هذا الاتجاه الفكري نفسه، يقدم الفارابي نظريته السياسيه في كتاب «المدينه الفاضله». و نظريه الفارابي فيها نقد مفيد للنظريات الليبراليه في الحقوق، لانه يؤكد على ضروره وجود تشكيل و جهاز سياسي لتحقيق العديد من الفضائل الفرديه و الاجتماعيه. و هو الموضوع نفسه الذي انتقد به هيجل الليبراليه ايضاً5.

     و بغض النظر عن كيفيه تبرير تعاليم المساواه الذاتيه في الحقوق، تبقى هذه المسأله تلعب دوراً محورياً في جميع النظريات السياسيه المطروحه في العصر الحديث. لكن القبول بشكل من اشكال تعاليم المساواه الذاتيه، لايستلزم الدفاع عن الاتجاهات الاجتماعيه التي تدعو للمساواه. فمثلاً، يعتبر هوبز (Hobbes) من اتباع تعاليم المساواه الذاتيه، لكنه و على اساس المساواه الذاتيه، يستدل من خلال تفسيره لنظريه العقد الاجتماعي لصالح تركيبه سياسيه متسلطه و مستبده.

 

النظريات الليبراليه في الحقوق

     و لكي نفهم كيف تحولت تعاليم المساواه الذاتيه في النظريه الليبراليه الى تعاليم في حقوق الانسان، من الضروري ابتداءً فهم النظريات الليبراليه في الحقوق بشكل جيد.

     ان استخدام لفظه «حق» اتسع اليوم ليشمل جميع المجالات السياسيه و الفلسفيه و الحقوقيه. و علماء القانون يشتركون في مفهوم الحقوق بنفس مستوى الفلاسفه و الفكرين السياسيين. و تمكن جذور مفهوم حقوق الانسان في تعاليم القانون الطبيعي. لقد رأى الفلاسفه الرواقيون ان القوانين الوضعيه البشريه و التي كانت مجهوله آنذاك لايمكن ان تكون عادله، لأنها تتنافى و القانون الطبيعي. و كان الرواقيون يتمسكون خاصه بـ«رقيق» المجتمع اليوناني، الذين كانوا اكثر الناس مظلوميه تحت سلطه قوانين اليونان، لان النظريه الرواقيه في القانون الطبيعي، كانت سبيلاً لنقد عقلاني للصبر امام قوانين تعتبر السبب في الظروف القاسيه التي كان يعيشها الرقيق، و قد هيأ اتساع الامبراطوريه الرومانيه فيما بعد الارضيه السياسيه و القانونيه لتأثير القوانين الرومانيه على نظريه القانون الطبيعي عملياً، لانهم كانوا يدّعون انه يمكن تطبيق القوانين الرومانيه على جميع الاعراق و الاقوام و القبائل، لأنها قوانين طبيعيه، و بهذا النحو استخدمت نظريه القانون الطبيعي من قبل اباطره الرومان و الرقيق اليونان على حدّ سواء، و يمكن الاستدلال بهذه النظريه على التحرر و على التسلط و السيطره في الوقت نفسه.

     لقد سرى مفهوم الحقوق من اليونان و الرومان الى نظريات القانون الطبيعي في القرون الوسطى، و كانت لها اهميتها الخاصه في افكار «ويليام اوكامي» William of Ockham (1285م 1349م)، الذي عرّف الحق الانساني بقدره العمل حسب القانون الطبيعي. و الحق: هو ان تمتلك القدره او الصلاحيه في القيام بفعل على اساس الاستحقاق بالنحو الذي ترغب فيه، و التصرف بهذا الشكل يعني استخدام ذلك الحق. فصاحب قرص الخبز، له القدره على آكله في اي وقت يريد على اساس الاستحقاق، اذن فهو يمتلك حقاً في ذلك، فإذا جاء شخص واكل هذا القرص من الخبز دون رخصه المالك يكون قد نقض هذا الحق الانساني، و عمله يعد نقضاً للحق المالي للمالك. و مع ان «ويليام اوكامي» يصور الحق على اساس القدره، لكنه و بحصره للحقوق في القوه الضاغطه داخل اطر القانون الطبيعي، يكون قد ميّز بين الحق و القدره (للقوه).

     اما توماس هوبز Thomas Hobbes (1588م-1679م) فإنه يرى الحق في الحريه و ليس في القدره، و لاتحصل «حريه القيام بعمل» الاّ بشرط عدم وجود الزام يوجه للشخص في حال عدم قيامه بذلك. فإذا قلنا ان للشخص حق الدفاع عن النفس، فهذا يعني ان بإمكانه عدم استخدام هذا الحق عندما يتعرض لهجوم ما.

     و العديد من الفلاسفه، يرون وحده الحقوق مع الوظائف التي تستلزمها هذه الحقوق. و يرى جون اوستين John Austin (1790م-1895م) ان الحق وظيفه نسبيه. و القول بأن للطالب الحق بأخذ طلبه من المطلوب، يتساوى و القول بأن مسؤوليه المطلوب هي دفع طلبه. و بنحو مماثل يرى جون استورات ميل John Stuart Mill (1806م-1873م) ان الحق الانساني هو وظيفه الانسان النسبيه. اما حق السائل في ان يجيبوه بحقيقه العباره من وظيفه المجيب في تقديم الاجابه الصحيحه.

     و يستدل المنظر المعاصر الكبير «جول فينبرغ Joel Feinberg » ان مايصرف النظر عنه من تبديل الحق بالوظيفه. هو تعقيب قانوني للدعوى، لان النشاط هو التمايز في كل حق و الاكثر قيمه في الشيء. و يعرّف الحق بالدعوى المعتبره (الموثقه). و الادعاء بشيء يعني الوقوف في موضع المطالبه بذلك الشيء الذي يعد طلباً، مثل الادعاء بحق استخدام مبنى من خلال عرض وثائق تثبت ملكيته. و الدعوى المعتبره هي التي تُسوّغ بالضوابط الخاصه بها. و تثبت الحق القانوني بالضوابط القانونيه. كما ان الحقوق الاخلاقيه، و على اساس هذا الرأي، فما يقدمه الشخص في مجال الحقوق الاخلاقيه، يرتبط بالحلول الغائيه او الوظيفيه او القضائيه التي يتخذها في الاخلاق. و للحقوق اهميه، لانها تعطي الحق و تطبق الوظائف التي يستلزمها للجهه المطالبه بها، و ليس لمجرد امكانيه المطالبه بها6.

     و الدراسات الحاليه في النظريات الحقوقيه، تبدا من نظريات «وسلي.ن. هوفيلد Wesley.N.Hohfeld » (1879م-1918م) فقد شاهد هوفيلد ان لفظه «حق» تستخدم بمعان مختلفه في الكتابات القانونيه و لذلك فقد حدد هوليفد اربعه انواع من الحقوق الاساسيه:

     - الحقوق الادعائيه (المطالب بها).

     - و الحريات.

     - و القدرات (القوى).

     - و المسؤوليات.

     و قد سعى المنظرون الاخلاقيون الى نقل هذا التقسيم الذي اجراه هوفيلد من دائره القانون الى دائره الاخلاق، بشكل يمكن معه المطالبه بالحقوق الاخلاقيه حتى مع عدم ضمانه القانون لها. لكن الاطار الذي وضعه هوفيلد هو مجرد نقطه بدايه للبحث بالنسبه لأغلب المنظرين الذين يرون هذا الاطار غير وافٍ. فالبعض يدعي ان الحقوق الاخلاقيه تتضمن تراكيب متنوعه من جميع الانواع الحقوقيه الاربعه التي حددها هوفيلد، كما ان البعض الآخر يدعي ان التقسيم الذي طرحه هوفيلد لاينسجم مع الرأي القائل بأن الحقوق مصالح يحفظها القانون المدني او القانون الاخلاقي.

     و هناك قسم ثالث من المنظرين يقولون انه لايمكن اعتبار الحقوق نوعاً من المصلحه، بل هي «قيود و حدود» لتعقيب المصالح و الوصول اليها، لان هذه القيود تعود الى مصالح الفرد ذاته او مصلحه الآخرين. و بشكل عام فالنظريات الحقوقيه المعاصره تقسم في الاغلب الى نظريات مصلحيه و نظريات انتقائيه. و تبرر النظريات المصلحيه الحقوقيه على اساس المنافع او المصالح الشخصيه التي تمتلك الحق، بنحو يمكن الادعاء بمسؤوليه الآخرين المتنوعه بسبب مصالح الشخص التي له حق فيها. من جهه اخرى نجد النظريه الانتقائيه تقول: الحق يعني الوقوف في موقع من التسلط المبرر، بشكل يمكن تحديد كيفيه تصرف الآخرين دون الأخذ بمسأله المنفعه او المصلحه. و كما كان مؤملاً، فهناك فلاسفه سعوا الى وضع تركيب لما اعتبروه جوانب إيجابيه في نظريتي المصلحه و الانتقاء في الحقوق7.

     و قد انتقد النفعيون و الماركسيون و اصحاب الاتجاه الجمعي النظريات الليبراليه في الحقوق. و قد استندت مقوله «بنثام» التهكميه الى ان الحقوق «بنيه مبنيه على الماء» (اي هشّه) و هو ان ما يُعدُّ حقوقاً فرديه يجب ان يضحى به من اجل الرفاه العام. و نفي الماركسيين للحقوق هو في جوهره مشابه لهذا الشيء ايضاً. فهم يرون الحقوق قسماً من اخلاق البرجوازيه التي يجب التغاضي عنها و التضحيه بها من اجل الوصول الى اهداف الصراع الطبقي. و الظريف ان المفكرين المحافظين او التقليديين، يتهمون النظريات الليبراليه في الحقوق بالافراط في الاتجاه الفردي. و من اول الانتقادات في هذا المجال ما كتبه ادموند برك (Edmund Burke) (1729م-1797م) في كتابه «تأملات في الثوره الفرنسيه» Reflections on The Revilution in France و الذي يدافع فيه القائد الايرلندي عن الحريه «العقلانيه» و الحقوق «واقعيه»، في حين انه يقبّح ما كان ينسبه للثوار الفرنسيين من الحريه المطلقه و الحقوق العامه. و يرى برك ان الناس يستحقون الاستفاده من الحقوق بموجب تعلقهم بالمجتمع، و على ذلك يجب حصر حقوقهم و جعلها منسجمه و تابعه لخير إجتماعي معيّن، مثل النظام و السياده الحكيمه التي هي شروط مسبقه و لازمه للحريه الواقعيه. و مع انه كان لافكار برك تأثير و نفوذ بين المفكرين المحافظين، الاّ ان تأثيره بقي محصوراً بسبب عجزه عن تقديم فلسفه سياسيه منتظمه.

 

نقد الرأي الليبرالي

     ظهرت في السنوات الاخيره، انتقادات عامه لليبراليه، شملت نظرياتها في الحقوق ايضاً، و سبب ذلك يعود في الغالب لاتجاهها الفردي المفرط. و يمكن مشاهده مثل هذه الانتقادات في كتابات فلاسفه مثل: جارلس تايلر (Charles Taylor)، و مايكل سندل (Michael Sandel)، و روبرت نيفل (Robert Nevelle)، و السادير مكنتاير(Alasdaer Macintyre)8 و قد دافع هؤلاء في كتاباتهم بشكل عام عن تقدم مفهوم الخير على مفهوم الحق و انه يجب البحث عن الحقوق ضمن مفهوم خاص للخير.

     و قد التفتت برندا الموند (Bernda Almond) الى انسجام الفكر الاسلامي مع هذه الانتقادات. فكتبت تقول: «يعترض المحافظون بان تعاليم الحقوق تؤدي الى تدمير و محو كل الثقافه و التقاليد، بشكل يجعلها خاصه بأزمنه و اماكن معينه. و لهذا السبب قد تعارض بعض الثقافات المعاصره، مثل الاسلام و المبنيه على اساس ديني، التمركز و الاستناد الذي تطرحه الليبراليه على الحقوق (الفرديه) قد يفهم على انه امبرياليه ثقافه من جانب الدول الليبراليه الغربيه»9.

     و تدعي الموند في دفاعها عن الليبراليه، ان مؤسسه الحقوق السياسيه محكومه بمعارضه الحركات السياسيه القويه و التي لها اهداف سلطويه.

     و كلام الموند هذا مغالطه، فحقيقه عدم امكان قبول النظريات الليبراليه من قبل المستبدين و الدكتاتوريين، لاينفع في الدفاع عن صحه هذه النظريات. فالكتّاب المحافظون امثال برك لاينكرون اهميه الحقوق السياسيه. و الخلاف بين الفكر الليبرالي و الفكر المحافظ في الحقوق، ليس لكون الفكر الليبرالي يدافع عن الحقوق في حين ان الفكر المحافظ يريد صرف النظر عنها، بل ان اختلافهم هو في النظريه الاخلاقيه. فإن الليبراليين يرون ان الحقوق اساسيه. في حين ان منشأ الحقوق حسب رأي المحافظين هو من عقيده في مجال الخير. و تستدل الموند على ان «الحقوق تنسجم مع المسؤوليه الاجتماعيه، و ان المسؤوليه الاجتماعيه هي فرض مسبق للحقوق، من حيث إنَّ تصديق الحقوق يتضمن اعتراف الشخص بحقوق الآخرين كما يراها لنفسه». لكن هذا الادعاء يعجر عن فهم هذه النقطه، و هو ان المحافظين لاينكرون انسجام الحقوق مع المسؤوليه الاجتماعيه. بل ربما يقبلون بأن المسؤوليه الاجتماعيه فرض مسبق للحقوق، لكن مع هذا يستدلون بأن النظريه الليبراليه تقول يجب التضحيه بالاهداف الاجتماعيه العامه في مجال الخير لمصلحه الحقوق الفرديه التي يرونها اساسيه و بنيويه. و هو ما يعترضون فيه على الليبرالين.

     و ترتكب الموند الخطأ نفسه في دفاعها عن الحقوق مقابل النفعيين، فهي تستدل على ان الحقوق وسيله للنفع العام، و لهذا السبب نرى بعض القائلين بالمنفعه مثل «مل» يدافع عن الحقوق. و تلتفت الموند الى هذه النقطه و هي ان الماركسيين موخراً فسروا الحقوق من جديد و دافعوا عنها، إذن فالمشكله هي في هذا النوع من التفسير للحقوق، و هل المفروض ان تكون الحقوق