تاثير شرعية قانون العقوبات في التنمية و الازدهار

الدكتور محمدجعفر حبيب‏زاده (استاذ مساعد في جامعة «تربيت مدرس‏»)

ان ضمان الحقوق والحريات الاساس للفرد والمجتمع من المبادى الحقوقية المسلم لها . وهو، الى ذلك، يلعب دورا مهما في استتباب الامن والنظام الاجتماعي . انه من جهة يضمن التزام العقد الاجتماعي وقيام الحكومة بتنفيذ واجباتها للمحافظة على حقوق الشعب، وهو من جهة اخرى، بعلاقته المنطقية والايجابية، يخلق علاقة قلبية بين الناس والحكومة، ويكون ضامنا للامن والنظام الاجتماعي، وعاملا مؤثرا في تحقيق التنمية والتقدم . ان دراسة موضوع مهم كالحقوق والحريات الفردية وكيفية ضمانها وحدودها التنفيذية تعتبر من المواضيع الاساس التي تناولها الفصل الثالث من دستور الجمهورية الاسلامية الايرانية، ومن اهم المصاديق المهمة لهذه الحقوق هو التزام شرعية قانون العقوبات كما ورد في الفصل المذكور وفي غيره بحيث‏يبدو ان المشرع قد جعلة متقدما على ساير الحقوق . واليوم ، على الرغم من تاريخية تلك الشرعية وقبولها في الفقه الاسلامي والدستور، فان بعضا من القونين العادية تتعامل معها بلا ابالية وتهاون مما يؤدي الى الحيولة دون التنمية والتقدم .

يحاول الكاتب في هذا البحث ان يشرح اصول الدستور ويثبت ضرورة رعاية قانونية الحقوق الجزائية ونتائج اغفالها .

المقدمة

في المجتمع المنظم المبني على المبادئ الحقوقية، والذي يسمى بالمجتمع المدني ، وجود النظام والامن الاجتماعي من اهم عوامل التنمية والتقدم في الثقافة والسياسة والاجتماع والاقتصاد، وهذا ما لا يمكن تحققه بدون التزام الحقوق والحريات الفردية . اذا اطمان الفرد الى ان حقوقه مرعية، يصبح جادا في اداء واجباته وتعهداته نحو المجتمع، ويضع قدمه على طريق بناء المجتمع وتنميته وازدهاره . اما اذا لم ترع الحكومة الحقوق والحريات الفردية، . جعلت‏حدودها عرضة لاختلاف وجهات نظر القضاة استنادا الى نصوص غير معروفة، فان افراد المجتمع ايضا لا يجدون انفسهم ملزمين بالتزام رعاية شؤون المجتمع، وتكون نتيجة ذلك اختلال النظام والامن، وتتخذ رؤوس الاموال الانسانية والاقتصادية مجرى آخر غير الذي يريده المجتمع، لذلك فان ضمان حقوق الافراد السياسية والاجتماعية يؤدي الى التزام اصول التعايش الاجتماعي والزام الحكومة برعاية الحقوق الفردية والاجتماعية، مما يمهد الارضية للتنمية والتقدم في جميع النواحي . ان اعتداء احد طرفي العقد الاجتماعي على الطرف الآخر يؤدي الى اضطراب العلائق الحقوقية بينهما، ويعتبر من اهم عوائق النظام والامن الاجتماعي في طريق التنمية والازدهار الاجتماعي . تنظيم هذه العلائق من واجبات الحقوق الاساس . الدستور يتكفل ببيان الاطر والاصول العامة للحقوق والواجبات المتبادلة بين الحكومة والشعب . ان مصادقة النواب الذين انتخبهم الشعب على الدستور وتاييد الشعب لتك المصادقة في استفتاء عام يعتبر بمثابة اقرار عقد اجتماعي قائم على الارادة والوعي بين الشعب والحكومة، فكل اجراء ينقض العقد المذكور باطل . وطبقا لهذا العقد على الحكومة ان تبين بصورة صريحة وبترادتها حدود الحريات الفردية والاجتماعية، وواجبات الناس وضمانات تنفيذها . ان واجب الحكومة في ضمان حقوق الافراد وحرياتهم السياسية والاجتماعية يعين على استتباب الامن الحقوقي والقضائي ويوطد اواصر المودة بين الشعب والحكومة فتظهر في النظام والامن الاجتماعي . ان اي اضرار بالامن القضائي والحقوقي يقف حائلا دون التنمية الاجتماعية وازدهارها بابعادها المختلفة . ان مقولة التقدم لا معنى لها من دون رعاية الامن الحقوقي القائم على احترام الحريات الفردية وحقوق الشعب السياسية والاجتماعية . ان ميزان تقدم اي مجتمع يعتمد على ميزان احترام الحكومة للحريات الفردية وايجاد علاقة منطقية بين طرفي العقد الاجتماعي . في المجتمع المتقدم واجب الحكومة هو المحافظة على الحريات والحقوق الفردية . ان التنمية ليست مجرد مفوم اقتصادي ، بل يتقدمها المفهوم الثقافي والحقوقي ، وهي قائمة على وجود الامن الاجتماعي، وهذا يقوم على الامن الحقوقي والقضائي القائم على ضمان الحقوق والحريات الفردية . اذا لم يكن التقدم الثقافي لمجتمع ما - وفيه جانبه الحقوقي مهم ايضا - قاعدة التنمية ذلك المجتمع، ولا يقوم عليها الامن الاجتماعي، ولا يتحقق وجود نظام حقوقي منظم ثابت لكي يوطد علائق الافراد على اساس من الاصول والضوابط الحقوقية وملاحظة مبدا العدالة، لا يمكن ان تتحقق التنمية الاقتصادية وتوظيف رؤوس الاموال للازدهار الاقتصادي . لا ريب انه في النظام الاجتماعي المنظم انما يضمن حسن تنفيذ الحقوق والحريات الفردية من جانب الحكومة هو احترام افراد المجتمع المتبادل للقرارات الاجتماعية، اذ ان هذه العلاقة المتبادلة تضمن الامن الحقوقي والقضائي . ان انتهاك حقوق اي من طرفي العقد الاجتماعي من اهم اسباب تزلزل قواعد الامن والنظام الاجتماعي، وعامل مهم من عوامل عدم تحقق التقدم والتنمية . ان وقوع مثل هذا الامر في نظام حقوقي منسجم نادر او غير ممكن اطلاقا . لذلك فان الوقاية من احتمال وقوع مثل هذا الامر، من الناحية الحقوقية، تتطلب ان تبين العلاقة بين طرفي العقد الاجتماعي تبيانا منظما ودقيقا ومعاقبة الذين ينتهكونها . وهذا ما يشير اليه الفصل الثالث من الدستور . والفصل العاشر من قانون العقوبات الاسلامي يخص الذين يعتدون على حريم الحقوق الفردية ووالحريات الاجتماعية، فهو يتكفل بتنفيذ العقاب فيهم، وهو مايؤكد قانونية قانون العقوبات الوارد في الدستور حيث القرارات العدية تضمن تنفيذ الاجراءات الجزائية .

بحث و دراسة

1. مفهوم النظام العام

النظم في مقابل النثر يعني الكلام الموزن، ويعني نظم اللؤلؤ في الخيط، ويعني الانسجام والقضام . واذا رافق النظم الاتساق والترتيب يوصف بالانتظام ضمن نسق معين وترتيب ونظام جيد (1) ، كما هو المعروف في الاستفادة الجماعية من حبات المسبحة المنتظمة في خيط يجمعها في نسق واحد، فالخيط هو قوام المسبحة والمسبحة قائمة بالخيط، ففي المجتمع الانساني ايضا يكون قوام الامة بوجود نظام اجتماعي والوفاق والوحدة بين افرادها . وهذا يستوجب اقامة حكومة على اساس الراي العام . في‏نظام الحومة الاسلامية التي تقلم على اساس من البيعة، امام المجتمع الاسلامي وقائده امينا على قدرة الامة وحارسا للحقوق والحريات الاجتماعية والفردية ودعم عزة الامة ورفعتها، واساس كل ذلك هو النظام الاجتماعي وتنظيم امور المجتمع واصلاحه . وفي ذلك يقول الامام الرضا ( عليه السلام) :

ان الامام زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعزالمؤمنين .

ان الامام القائد اشبه بخيط قلادة اللؤلؤ يبعث على احكام الارتباط بين افراد المجتمع، وبالتالي يمكن الاستفادة الجماعية من طاقات الاجزاء التي تؤلف المجتمع . الامام القائد زينة الامة وموحدها، فهو فضلا عن كونه يوجد الاستقامة والتضام بين الافراد، يضع الطاقة الجماعية في خدمة التمية والتقدم في المجتمع، ويكون سببا في التقدم الثقافي والمعنوي للشعب . ان هذا الواجب القيادي وهو بذاته دليل الوحدة الوطنية، يعتبر بمثابة مؤسسة حقوقية توجد نوعا من النظام الاجتماعي . المفهوم الحقوقي في اي مدرسة فكرية، يظهر ظهورا مختلفا باختلاف ظروف الزمان والمكان، وطبقا لتقدم المجتمع وتطوره فكريا . النظام العام، تاريخيا، اصطلاحة وليد الحقوق الثورية في فرنسا، الا ان روحه كانت على امتداد التاريخ ملحوظة، وفي المراحل الاولى كان يطلق عليه اسم الاخلاق الحسنة . منذ القرن الثاني قبل الميلاد، على اثر تحول الاحكام الحقوقية وتكاملها، دخل اصطلاح الاخلاق الحسنة الى مباحث الحقوق في روما، ومن ثم انتقل الى الحقوق الفرنسية القديمة، وكان معناه يقرب من مفهوم المصلحة العامة والنفع الاجتماعي . لذلك فالاعمال الحقوقية دالمخالفة له تعتبر باطلة . ثم انفصل النظام العام تريجيا عن مفهوم الاخلاق الحسنة، وقام مقام مفهوم المصلحة العامة والنفع الاجتماعي ، واصطبغ اكثر بالصبغة العينية، واعتبر الى جانب الاخلاق الحسنة، من الاسس الحقوقية . يضاف الى ذلك انه باتساع المجتمعات ولزوم وجود مبادئ اساس، طرح النظام العام على انه حارس المؤسسات الحقوقية في كل بلد حيث مصلحة المجتمع ومنافعه قائمة على وجودها وبقائه . كل قاعدة او قانون يضمن وجود المؤسسات الحقوقية يكون مرتبطا بالنظام العام، وما يخالف ذذلك كان باطلا ومرفوضا، وكثيرا ما كان يصحب ذل ضمان تنفيذ العقوبات .

هناك اختلاف في تعريف النظام العام، فبعضهم يراه قابلا للتعريف، وبعضهم يراه غير قابل للتعريف .

و (3) ، فوفقا للنظرية الخارجية (النوعية) القريبة من نظرية الحقوق الطبيعية، يعتبر النظام العام نتيجة للعلاقات الطبيعية بين الاشياء واعضاء المجتمع، وهو اشبه بالامور التكوينية في عالم المادة . النظام العام ليس وليد الحقوق، بل هو خالقها . ان القوانين والتعليمات الحقوقية تحافظ على نظام موجود في الخارج بصورة طبيعية ومستقلة . بناء على ذلك، فالنظام العام واحد من مبادى الحقوق الطبيعية، وهو نفسه النظام الموجود في المجتمع الذي تقتضيه طبيعة الحياة الجماعية .

ان اتباع النظرية الداخلية (الشخصية) تميل اكثر الى نظرية اصالة الفرد . انهم يرون ان النظام العام ليس نظاما ماديا خارجيا او طبيعيا موجودا في الطبيعة او في المجتمع، بل النظام امر اعتباري ناجم عن القواعد والقرارات الحقوقية الموضوعة الخاصة بمجموعة من الاصول والاحكام التي تتعلق بالهيئة الاجتماعية بحيث انه لو زالت تلك الاصول والاحكام فلن يكون هناك مصداق للنظام العام . لذلك فان النظام العام يتغير بتغير القرارات الحقوقية، فهو، من حيث الزمان والمكان، امر نسبي، ومن حيث الكم والكيف، فان المؤسسات الحقوقية لاي مجتمع في اي زمان و مكان تتغير مصاديقها .

يبدو ان كلا من النظرتين المذكورتين قد اكتفتد بذكر جانب من الواقع . بالنظر لعلاقة الحقوق الالزامية مع المجتمع وتاثيرهما المتبادل بعض في بعض، لا يمكن انكار النظام الموجود في المجتمع والناجم عن النظم الطبيعي، اي ان النظم الطبيعي، مستقلا عن الاصول والقرارات الحقوقية، امر واقعي ، بمثلما ان النظم الناجم عن النظام الحقوقي لكل مجتمع واقع لا يمكن انكاره . ان الحقوق، فضلا عن كونها هي التي توجه النظام، فانها تدافع عن النظام الخارجي الناجم عن طبيعة الاشياء او االعلاقات الاجتماعية . لذلك فان النظام العام يحمل ملامح النوعي والطبيعي، كما يحمل ملامح الشخصي والتاسيسي، وان مجاله اوسع من المفهوم الحقوقي . ان للنظام العام مفهوما يتجاوز الحقوق، ويراقب تنفيذ القواعد والمقرارات الحقوقية، ويضمن الاصول التي تبين صحة تنفيذ المقررات الخاصة بالنفع العام . ان النظام العام مفهوم كلي‏ينبطق على الامن الاجتماعي وصيانة الحياة الفردية وحريتها وارواح الناس وناموسهم واموالهم، وللنظام العام شدة وضعف ومصاديق مختلفة . في الوقت الحاضر، حتى الامور التي يظن انها تخل بالنظام الاجتماعي، وان لم يكن لها وجود خارجي في عمل معين، فانها قد دخلت في مفهوم النظام العام . يخشى معه ان يرتكبوا جريمة، وهم، في مصطلح علم الجريمة، ذوو حالة خطرة قد يتسببون في اختلال النظام الاجتماعي (4) . وبناء على ذلك يعتمد النظام العام على وجود نظام اجتماعي وفكر فلسفي . لذلك فانه يؤخذ مفهومه من الاسس الفكرية لنظام اجتماعي . من خصائص النظام العام في الحقوق العرفية هو افتراقه عن النظام الديني والاخلاقي . ان النظام العام في الحقوق العرفية قائم على فكرة التحقق وقبول نظرية اصالة المجتمع التي ليست مقبولة في المنظور الاسلامي .

وجهة نظر الاسلام هي ان الاصالة لله وللاحكام الالهية، وان المصدر الحقيقي للحق والاحكام والالزامات هو الشارع المقدسى ، وهكذا نجد ان اساس النظام العام هو الاحكام الاسلامية، وان حقوق الافراد وخياراتهم مقيدة ايضا باحكام الشرع ومقرراته، وان كل من يحكم بغير ذلك فهو كافر وظالم وفاسق (الآيات 49 و 50 و 51 من سورة المائدة .) للنظام العام قواعد خاصة بصيانة اسس الحقوق الاسلامية، اي حكم الشريعة الذي يحدد الحدود لحفظ المصالح الخمسة (الدين والعقل والبنون والنفس والمال) والمصالح الاخرى التي يرتايها الشرع، ويمنع انتهاكها . ان المحور الاصلى للنظام الحقوقي الاسلامي هو الاحكام الشرعية، ومنشا جميع القيم هو طاعة الله تعالى . ان من دلائل تشريع الاحكام الاسلامية ضمان مصلحة الفرد مع مصلحة المجتمع فان مصلحة المجتمع هي المقدمة، الا اذا كانت مصلحة الفرد او الافراد ذات اهمية اكبر من االناحية الكيفية . وهكذا نجد النظام العام في الحقوقية لا تنفصم عن الاحكام الدينية والاخلاقية، فكل منهما يكمل الآخر، بل ان الاحكام الحقوقية قائمة على الاحكام الدينية (الدستور، المادة الرابعة .) القواعد الاخلاقية، وهي نابعة من الاحكام الدينية، تخلق القواعد الحقوقية، كما انها هادية في تنفيذها وتفسيرها ومرشدة للقاضي . لذلك فالنظام العام في الحقوق الاسلامية له جانبه الطبيعي كما له جانبه التعاقدي، وكلا الجانبين قائمان على التزام الاحكام الاسلامية، وفي دستور الجمهورية الاسلامية شكل خاص منهما يستند على السلطات الثلاث، تحت لواء قائد فقيه، عادل، تقي، عالم بزمانه، شجاع، مدير، مدبر، (المادة الخامسة)، و واجبات كل سلطة مذكورة بصورة منفصلة عن غيرها (المادة السابعة والخمسون من الدستور .)

2. مفهوم الامن الاجتماعي و علاقته بالنظام العام

الامن الاجتماعي جزء من مفهوم الامن القومي الاقرب الى ان يكون داخليا . وعلى الرغم من ان مفهوم الامن القومي اكثر ما يرتبط بالشؤون الخارجية، ولذلك فهو يحظى بالدراسة ضمن العلوم السياسة، ولكن يمكن القول دون تردد ان العوامل الداخلية المؤثرة فيه ليست اقل اهمية من العوامل الخارجية، لذلك ففي تعريف الامن القومي يلحظ الجانبان معا .

يرى آرنولد و الفرز ان الامن القومي يعني عدم الخوف من وجود خطر على القيم الحياتية، ويقول ان الامن نفسه ددليل على عدم ووجود ما يهدد القيم المكتسبة، وهو دليل، من الناحية الفكرية، على انعدام الخوف من ان تعرض هذه القيم للهجوم (5) . هذا التعريف، فضلا عن كونه يحافظ على السيادة الاقليمية، والنظام الاجتماعي، واستقلال البلد، فانه يشمل ايضا الامن الاجتماعي ورعاية الحقوق الاساس . لذلك فان الامن القومي فضلا عن ضمان القوة العسكرية والقدرات الاستراتيجية في العلاقات الدولية، فان له ابعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية‏الداخلية، الشاملة على قضايا مهمة مثل الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي والحقوق والحريات الفردية والوحدة الوطنية، ان الامن القومي، في كل وحدة سياسية يعتمد على ما فيهما من ظروف اجتماعية و ثقافية واقتصادية وسياسة داخلية، حيث الامن الاجتماعي يؤلف جزءا منه . في المجتمع الذي يتمتع بنظام اجتماعي منظم يكون الامن القومي نتيجة لوجود النظام العام . الامن والنظام متلازمان، فالمجتمع الذي يفتقر الى النظام الاجتماعي يفقد الامن، وفقدان الامن يدل على عدم وجود نظام اجتماعي منظم وقوي ومهيمن على الامور . ان فقدان الامن يؤدي الى ضياع القوى البناءة التي يجب ان تكون فعالة على مختلف الصعد التنموية والتطويرية . وعلى الرغم من ان الامن ظاهرة اجتماعية وحقوقية، فهو ايضا احساس داخلي من مقولة المعرفة، وهو يوجه الانسان نحو المستقبل والظروف التي سوف يوجدها له، والاستفادة مما هو موجود، للتوصل الى المستقبل المطلوب . ان المجتمع النامي هو الذي يمهد الطريق، بضمان امن الفرد والمجتمع، لخلق العلاقة بين المستقبل والماضي، والا فلن يكون هناك احتمال لتحقق النمو والازدهار حقيقة، ويصحبان عرضة للاهواء الفردية، ومن الناحية السياسية، اذا فقد الامن الاجتماعي يصبح النشاط السياسي مضطربا مذبذبا، وقد يخل باسس النظام الاجتماعي ويقوم مقامه ويؤثر في النمو الاقتصادي ايضا، بينما بوجود الامن الاجتماعي تتهيا الارضية لظهور النشاط السياسي السليم، ويستطيع الفرد ان يعبر بحرية عن معتقداته وآرائه لاصلاح الامور السائدة في المجتمع، وبالفهم الحقيقي للمشاركة السياسية تتغير المواجهة بين طرفي العقد الاجتماعي الى التفاهم واتحاد وجهة النظر والوفاق الوطني، ومن الناحية الاقتصادية يتشجع اصحاب رووس الاموال في استثمارها في المشاريع الرئيسة والانتاجية . لذلك فان الامن والنظام الاجتماعي، فضلا عن حفهما الوحدة الوطنية وقوة النظام السياسة، يؤديان الى الاستثمار الاقتصادي السليم لرؤوس الاموال واستغلالها استغلالا ايجابيا . اما عدم وجود الامن والنظام فيدفع برؤوس الاموال الى مشاريع الدلالية والجعالة مما يخفض من فائدة راس المال . لذلك فان النظام والامن الاجتماعي ، اللذين يتجليان في الامن السياسي، يرتبطان ارتباطا وثيقا بجمع الظاهرات الاجتماعية بما فيها الثقافية والاجتماعية والحقوقية والاقتصادية، فتكون لهما بذلك اهمية خاصة . يتضح شكل الامن الاجتماعي، على اساس النظام العام، في مواد الدستور، وهذه المواد، التي تتجلى فيها ارادة الامة والميثاق الجماعي، تمثل جانبا من النظام العغام للنظام الحقوقي، لذلك فان اهم واجب من واجبات السلطة التشريعية هو حراسة تلك المواد وحمايتها، ولابد ان تكون اشدالمؤسسات السياسية الاخرى في التزام تنفيذها والاعتقاد بها، وان تكون دقيقة في المصادقة على القوانين العادية لكيلا يكون هناك تجاوز لمواد الدستور . ان اهمال هذا الواجب المهم يغري القائمين بتلامور على عدم التزام القواعد الخاصة بالنظام العام، ويبعث على التعرض للحقوق والحريات الفردية، ومن ثم يعرض الامن الاجتماعي ونظامه للخطر . ولما كانت مبادئ الدستور في الجمهورية الاسلامية الايرانية، المدونة على اساس الاحكام الاسلامية، هي الاساس الاول للنظام العام في الحقوق الايرانية، فكل قانون مباين للاساس المذكور لا يكون قانونيا ولا قابلا للتنفيذ . ان مسؤولية الشراف على هذا يقع على عاتق مجلس صيانة الدستور .

هذا المجلس ليس مسؤولا عن الاشراف على قوانين السلطة التشريعية فحسب من حيث مطابقتها مع الاحكام الشرعية والدستور، بل عليه عند بيان وجهة نظره ان يلتفت الى اسس النظام العام في حقوق ايران . في الوقت الحاضر توجد قوانين اقرها مجلس الشورى الاسلامي وصادق عليها مجلس صيانة الدستور، ولكنها مع الاسف مغايرة للنظام المذكور في الدستور . من ذلك يمكن الاشارة الى المادة (289) من قانون اصلاح ا . و . ك الذي اقر في 1368ه . ش . ، والمادة (29) من قانون تشكيل المحاكم الجزائية، 1 و 2 الذي اقر في 1368ه . ش . ، والمادة (8) من قانون تشكيل المحاكم العامة والثورة الذي اقر في 1370 ه . ش . ان القوانين المذكورة في قانون العقوبات تجبر للقاضي، في حالة عدم وجود قانون او السكوت، ان يقوم سلوك الاشخاص طبقا للمصادر والفتاوى الموثق بها، اي ان يقوم، في الواقع، مقام المشرع، وان يفرض الادانة والعقاب . ومن جهة اخرى، المادة (2) والبند (3) والمادة (4) من القانون المذكور تمنح صلاحية المحاكم الذاتية والمحلية لرئيس السلطة القضائية . هذا الاسلوب مخالف للاصول الحقوقية المسلم بها، كقاعدة قبح العقاب بلا بيان، ومبدا قانونية الجريمة والعقاب، وقانونية المحاكمة . ان الاصول المذكورة المقبولة في دستور الجموهرية الاسلامية الايرانية، والقائمة على الاحكام الشرعية لا تجيز هذا للمشرع العادي، والظاهر ان قيام مجلس صيانة الدستور بتاييدها ناجم عن التساهل، ولسوف نبين الاسس النظرية للاستدلال المذكور .

3. نظام قانونية الحقوق الجزائية

باعتبار المصطلح اللاتيني Nallum Crimen Nulla Poena Sine Lege مامن سلوك يعتبر جريمة، وما من عقاب يمكن ان ينفذ الا اذا اعتبره المشرع جرما قبل زمان الارتكاب و عين له عقابا . بناء على ذلك ، فالجريمة هي السلوك الذي عين النظام الاجتماعي لارتكابه عقابا، والعقاب رد فعل الهيئة الاجتماعية ازاء مرتكبي الجريمة . اي ان المشرع هو وحده القادر على تمييز الجريمة وتعيين عقابه . ان هذا المبدا، الناجم، منطقيا عن مبدا استقلال السلطات (المادة 57 من دستور الجمهورية الاسلامية الايرانية، يعتبر اساسا لحقوق الجزاء . وعلى اثر تحول القوانين الجزائية يسري ذلك الى جميع عناصره، بما فيها اصول المحاكمة وصلاحية المحاكم، اي ان المشرع ليس وحده الذي له ان يعين الجريمة والعقاب، بل انه هو وحده الذي له ان يعين المحاكمة، وصلاحية المحاكم، وكيفية التعامل مع المجرمين . ان المحكمة الصالحة للنظر في الجرائم هي كيعينها القانون (المادتان 36 و 37 من الدستور .) لذلك فان قانون العقوبات فرع من فروع قانون الحقوق الصرف بحيث ان مصادر الحقوق الاخرى، خاصة العرف والعقائد، لا دور لها في تعيين الاحكام، وانما يمكن ان يكون لعا تاثير في تفسير مواضيع الاحكام . لذلك، في تعيين عناوين الجرائم وميزان عقوباتها وانواعها وصلاحية المحاكم وكيفية تعقيب المجرمين ومحاكمتهم انما المطاع هي احكام المشرع الذي يعمل، طبقا للمادة 57 من الدستور ، تحت اشراف الولي الفقيه، ويؤيد مجلس صيانة الدستور قراراته .

بناء على ذلك ، اذا لم يكن للقانون وجود فان الاصل هو الجواز ، وما من محكمة تكون صالحة لتعقيب المجرمين . اصولا لا يمكن ارجاع قانون العقوبات الى ما سبق، وكل قانون نافذ المفعول بعد المرور بمراحل عديدة كالمصادقة، والتاييد، والتوشيح، والابلاغ، والنشر، وهو مؤثر في الآتي، لا الماضي .(المادة 4 من قانون العقوبات) ولا يشمل السلوك لما قبل الارتكاب . ان تعيين الحد الفاصل بين السلوك المشروع وغير المشروع من حق المشرع، بل هو من واجبه، بينما قاضي محكمة الجزاة ليس له ان يقوم سلوك الافراد ويعتبره جريمة ولا ان ينفذ عقابا من دون وجود قانون يستند اليه . حتى المشرع ليس له ان يخضع اعمال الاشخاص السابقة لاي قانون جديد يقره بالنسبة للجريمة والعقاب، وان ارتكاب اي عمل، وان كان خلاف الاخلاق او مضرا بالنظام العام، ما دام المشرع لم يمنعه، يكون جائزا ومباحا . لذلك، عند فقدان النص او عند سكوت القانون عنه، على القاضي ان يصدر حكما بالبراءة، لان القاضي هو وحده الناطق باسم المشرع، وواجبه هو تطبيق المصاديق مع القانون . اما تعيين مصلحة المجتمع واي سلوك يضر بها ويجب معاقبته، واي نوع من العقاب تستحقه كل جريمة، واي الاصول يجب ان تتبعها المحكمة ذات الصلاحية في النظر في الجريمة المرتكبة، فكل ذلك‏ك خارج وظيفة القاضي والذين يتولون السلطة القضائية، وهذا بذاته من المصاديق العليا للنظام العام . واتخاذ اي قرار مخالف له، ولو بقانون، يكون عديم المفعول . ان واجب المشرع في تعيين قائمة بالجرائم وعقوباتها وصلاحية المحكمة كان على امتداد التاريخ من مطاليب الانسان الطبيعية . الانسان فطريا يرى نفسه محقا في ان يطلع على موازين السلوك السليم والسلوك الممنوع في المجتمع . فاذا لم يجب المجتمع جوابا ايجابيا عن هذا الطلب الطبيعي، &#