الامام المهدي المنتظر

يملأ الارض قسطاً و عدلاً كما ملئت ظلماً و جوراً

جعفر البياتي

 

     هو الامام الثاني عشر، محمد بن الحسن العسكري «عليهما السلام»، امه: نرجس بنت يشوعا بن قصير ملك الروم، و هي ولد الحواريين تنسب الي وصي السيد المسيح «ع» (شمعون)(1) .

     كنيته: أبو القاسم، و ألقابه: المهدي، صاحب الزمان، الحجه، الخاتم، المنتظر و القائم.

     ولادته: كانت ليله النصف من شعبان سنه 255 هـ في (سرمن رأي). اوصافه: ناصح اللون، واضح الجبين، أبلج الحاجب، بخده الأيمن خال، له سمت ما رأت العيون أقصد منه.

     غيبته الصغري: طالت تسعاً و ستين سنه، كان له فيها سفراء أربعه: عثمان بن سعيد العمري، و ابنه محمد بن عثمان، و أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي، و علي بن محمد السمري.

     و غيبته الكبري: بدأت سنه 329 هـ.

     محل ظهوره: مكه المكرمه. محل بيعته: بين الركن و المقام.

     و هو حي يرزق، اذ لابد لهذا العالم من وجود قائد ديني روحي تنشد اليه القلوب المؤمنه، تواليه، و تنتظر طلعته البهيه. فقد أبي الله «عز و جل» أن يترك عباده بلا امامٍ معصومٍ يقتدي به و يهتدي به:

     * قال الامام محمد الباقر «عليه السلام»: (و الله ما ترك الله أرضاً منذ قبض آدم «عليه السلام» الا و فيها امام يهتدي به الي الله، و هو حجته علي عباده، و لا تبقي الارض بغير امام حجه لله علي عباده)(2).

     اما تكليفنا نحن المسلمين- فهو: أن نعرف امام زماننا لنواليه و نؤمن به، فقد روي احمد بن حنبل في مسنده: ان النبي «صلي الله عليه و آله» قال: (من مات و لم يعرف امام زمانه مات ميته جاهليه)(3).

     علامات و دلائل: بما اننا في زمن امتد عن عصر الرساله و حياه المصطفي و آله «صلوات الله عليهم» دهراً طويلاً ناهز اربعه عشر قرناً، بعقودها: المشرقه و المظلمه.. كان علينا من أجل تشخيص الهاله المهدويه من خلال الروايات، لنعرف من هو؟ و الي من ينتسب؟ و عمن ينحدر؟

     و قد أغنتنا و لله الحمد- أخبار الكتب علي اختلاف أقلامها و انتماءاتها المذهبيه بما لا تبقي حيره في حائر و لاشك في شاك، و هذا بين يدينا غيض، من فيض:

     * روي السيوطي عن علي «عليه السلام» قال: قال رسول الله «صلي الله و آله و سلم»: (المهدي منا أهل البيت)(4).

     * و روي المتقي الهندي عن أم سلمه، عني النبي «صلي الله عليه و آله» قوله: (المهدي من عترتي، من ولد فاطمه)(5) .

     * و روي محب الدين الطبري عن أبي أيوب الانصاري، قال: قال رسول الله «صلي الله عليه و آله» لفاطمه «سلام الله عليها»: (نبينا خير الانبياء، و هو أبوك.. و منا سبطا هذه الامه الحسن و الحسين، و هما ابناك، و منا المهدي)(6).

     * و روي ابن ماجه في سننه عن سعيد بن مسيب قال: كنا عند ام سلمه فتذاكرنا المهدي، فقالت: سمعت رسول الله «صلي الله عليه و آله» يقول: (المهدي من ولد فاطمه)(7).

     * و كتب ابن حجر الهيثمي في كتابه المعروف (الصواعق المحرقه) تحت ظل الآيه المباركه: «و انه لعلم للساعه»(8).

     قال مقاتل بن سليمان و من تبعه من المفسرين: ان هذه الايه نزلت في المهدي، و ستأتي الاحاديث المصرحه بانه من اهل البيت النبوي، و حينئذ ففي الايه دلاله علي البركه في نسل فاطمه و علي «رضي الله عنهما»، و ان الله ليخرج منهما كثيراً طيباً، و ان يجعل نسلهما مفاتيح الحكمه، و معادن الرحمه..).

     * و في (فرائد السمطين) روي الجويني عن عبدالله بن عباس، قال: قال رسول الله «صلي الله عليه و آله»: (ان خلفائي و أوصيائي و حجج الله علي الخلق بعدي لأثنا عشر، أولهم اخي و آخرهم ولدي. قيل: يا رسول الله! و من أخوك؟ قال: علي بن ابي طالب. قيل: فمن ولدك؟ قال: المهدي، الذي يملأ الأرض قسطاً و عدلاً، كما ملئت ظلماً و جورا)(9).

     * في (ذخاير العقبي): 136- عن حذيفه، ان النبي «صلي الله عليه و آله» قال: (لو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتي يبعث رجلاً من ولدي، اسمه اسمي، فقال سلمان: من اي ولدك يا رسول الله؟ قال: من ولدي هذا. و ضرب بيده علي الحسين «عليه السلام»).

     * و في (ينابيع الموده) للشيخ سليمان القندوزي الحنفي باب 76 ج 2 ص 440 طبعه 1302 هـ عن الحمويني في (فرائد السمطين)، عن ابن عباس ان النبي «صلي الله عليه و آله» أجاب نعثلاً اليهودي علي ما سأله عن أوصيائه: (ان وصيي علي بن ابي طالب، و بعده سبطاي الحسن و الحسين،.. فاذا مضي الحسين فابنه علي، فاذا مضي علي فابنه محمد، فاذا مضي محمد فابنه جعفر فاذا مضي جعفر فابنه موسي، فإذا مضي موسي فابنه علي، فإذا مضي علي فابنه محمد، فإذا مضي محمد فابنه علي، فإدا مضي علي فابنه الحسن، فإذا مضي الحسن فابنه الحجه المهدي، فهؤلاء اثنا عشر).

     حجج مقنعه: اننا في هذا العصر مع تباعد التواريخ نستحضر الوقائع من خلال الكتب، مستدلين علي وجود الأمم فيما قبل، و بعثه الأنبياء و توارد الحوادث و حقيقه الشخصيات التي عاشت في الأزمان السالفه. و شخصيه الامام المهدي «عليه السلام» لم ينحصر ذكرها في مؤلفات الشيعه ابداً كما أقر ذلك الكثير- و ذلك لان الرواه بالعشرات، و المؤلفات بالعشرات، و الروايات بالمئات كلها تصرح بذكره «صلوات الله عليه»، و لا يبقي مجال للشك او التوهم أو التجاهل.

     لكن قد يحاول البعض الاحتيال علي نفسه و علي الحقيقه فيهرب من التحديد: هل ولد المهدي أم سيولد في أخر الزمان؟

     - هل هو من ذريه الامام الحسين (ع) أم من ذريه الامام الحسين (ع)؟

     - هل هو من عتره النبي و أهل بيته أم من بني‌أميه أو بني‌العباس؟

     و كل هذه التساولات و التشكيكات لا تصمد امام البراهين الروائيه القاطعه، و أمام المؤلفات العديده و الصريحه، حتي لقد أفرد عشرات من كبار أئمه الحديث و أعلام التاريخ و رؤساء المذاهب من اهل السنه كتباً و رسائل مستقله حول ما يتعلق بشؤون الامام المهدي المنتظر «عجل الله فرجه الشريف».

     علي سبيل المثال لا الحصر نذكر:

     سنن ابن ماجه ج 2/ الفتوحات المكيه لابن عربي مج 3/ التذكره في احوال الموتي و الآخرين للحفاظ القرطبي/ فرائد السمطين للجويني مج 2/ الفتن و الملاحم لابن كثير الشافعي/ مجمع الزوائد و منبع الفوائد لابن حجر الهيثمي ج 7/ عرف الوردي في أخبار المهدي للسيوطي الشافعي و الحاوي للفتاوي ج 2/ اليواقيت و الجواهر لعبدالوهاب الشعراني ج 2/ كنز العمال للهندي ج 14/ الإشاعه في أشراط الساعه للبرزنجي/ نور الأبصار للشبلنجي/ إسعاف الراغبين لابن الصبان الشافعي/ إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون لأحمد بن محمد الصديق/ فتح المنان للمنيني الحنفي/ القول المختصر في علامات المهدي المنتظر لابن حجر/ و صحيح البخاري ج 2 ص 178 و غيرهم العشرات من المؤلفات الني نقلت عن عشرات الرواه، منهم: ايوب الانصاري، و ابوذر الغفاري، و ابوسعيد الخدري، و ابو هريره، و عائشه بنت ابي بكر، و أم سلمه، و ابن عباس، و الحسن و الحسين، و سلمان الفارسي، و جابر الانصاري، و انس بن مالك، و عبدالله بن عمر، و عمر بن الخطاب، و معاذ بن جبل، و الامام علي، و عبدالله بن مسعود، و عبدالرحمن بن عوف، و عثمان بن عفان، و عمار بن ياسر، و الصديقه فاطمه بنت رسول الله «صلي الله عليه و آله».. و غيرهم العشرات، بل المئات، فضلاً عن التابعين الذين بلغوا اكثر من خمسين.

     * و قد كانت للشيخ عبدالمحسن العباد المدرس في الجامعه الاسلاميه في المملكه العربيه السعوديه محاضره مهمه عام 1969 نشرتها (مجله الجامعه الاسلاميه) في عددها الثالث من السنه الاولي ذي القعده 1388 هـ شباط 1969 م فاتسعت ستاً و ثلاثين صفحه من المجله، و كان عنوانها (عقيده اهل السنه و الأثر، في المهدي المنتظر)(10) أدرج فيها اسماء عشرات الصحابه و التابعين، و عشرات الكتب المعتمده لدي اهل السنه، و مصحوبه بالأدله: العقليه و النقليه علي ان المهدي «عليه السلام» حقيقه: تاريخيه و اعتقاديه، قلب بحثه هذا الموضوع الحساس و استدل عليه بما استعمله من أدوات البرهنه الحديثيه، أثبت من خلال جهده علي ان العقيده المهدويه لا تختص بالشيعه فحسب. و إن كان قد زاغ عن بعض الحقائق، و لكنه إجمالاً أقر بجمله من الأصول واقفه عليها مفتي الديار السعوديه (بن باز)، و أقر كثيراً من حقائقها و إن زاغ عن البعض.

 

الفرار من رحمه الله

     و لكن.. كيف لنا أن نتهرب من أمر جاءت به الرساله المحمديه الشريفه، و هي تدعونا الي: الايمان و العمل؟ و قد روي ابن حجر الهيثمي في كتابه (الفتاوي الحديثيه) عن أبي‌ بكر الإسمافي ان رسول الله «صلي الله عليه و آله» قال: (من كذب بالمهدي فقد كفر).. و ابن حجر عرف برده علي الشيعه و استهدافهم بأسوأ التعبيرات، و لكنه اعترف في كتابيه: (الصواعق المحرفه- الفصل الثاني منه) و (القول المختصر) بصحه عقيده الشيعه الإماميه في امر المهدي «سلام الله عليه».

     كما اعترف المتقي الهندي بذلك في فصل خاص عقده في كتابه (كنز العمال)، و في كتابيه: (تلخيص البيان) و (البرهان في علامات مهدي آخر الزمان).

     ثم لماذا الهروب من الحقيقه‌؟ و الي أين؟ أليس المهدي هو بشاره المصطفي «صلي الله عليه و آله» لنا؟! أليس هو الأمل المنشود و الأكيد معاً لنجاتنا؟!

     * عن أبي سعيد الخدوي كما نقل عنه الجويني في فرائد السمطين مج 2- قال: قال رسول الله «صلي الله عليه و آله»:

     - أبشركم بالمهدي، يبعث في امتي علي اختلاف من الناس و زلازل، فيملا الارض قسطاً و عدلاً، كما ملئت ظلماً و جورا، يرضي عنه ساكن السماء و ساكن الارض. يقسم المال صحاحا. فقال رجل: و ما صحاحا؟ قال: بالسويه بين الناس..

     * و أخرج الحاكم النيسابوري في (المستدرك علي الصحيحين)(11) علي ابي سعيد ان النبي «صلي الله عليه و آله» قال:

     - ينزل بامتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم لم يسمع بلاء اشد منه حتي تضيق عليهم الارض الرحبه، و حتي يملأ الأرض جوراً و ظلماً، لا يجد المؤمن ملجأ يلتجيء اليه من الظلم، فيبعث الله تعالي رجلاً من عترتي، فيملأ الأرض قسطاً و عدلاً كما ملئت ظلماً و جوراً، يرضي عنه ساكن السماء و ساكن الارض، لا تدخر الأرض شيئاً من بذرها الا أخرجته، و لا السماء شيئاً من قطرها الاصبته..)(12).

     * و في (حليه الأولياء) لأبي نعيم بسنده عن جابر عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: (ان الله تعالي يلقي في قلوب شيعتنا الرعب، فاذا قام قائمنا، و ظهر مهدينا، كان الرجل أجرأ من ليث و أمضي من سنان)(13).

     * و في (فرائد السمطين) بعد الخبر 594 روي الجويني عن الامام علي بن ابي طالب «عليه السلام» انه قال:

أذا اشتملت علي اليأس القلوب      و ضاق بما به الصدر الرحيب

و اوطنت المكاره و اطمانت      و ارست في اماكنها الخطوب

و لم ير لانكشاف الضر وجه      و لا اغني بحيلته الاريب

اتاك علي قنوط منك غوث      يجيء به القريب المستجيب

و كل الحادثات اذا تناهت      فموصول به الفرج القريب

     و ما اجمل ما قاله ذلك الشاعر في مدحه و شوقه لصاحب الزمان، حينما قال:(14)

سري البرق من نجد فجدد تذكاري      عهوداً بحزوي و العذيب و ذي قار

و هيج من اشواقنا كل كامن      و اجج في أحشاننا لاهب النار

فيا جيره بالحازمين خيامهم      عليكم سلام الله من نازح الدار

خليلي مالي و الزمان كانما      يطالبني في كل آن بآثار

فابعد احبابي، و اخلي مرابعي      و أبدلني من كل صفو بأكدار

     الي ان يتخلص الي موضوع الامام المهدي «عليه السلام» فيقول:

و معضله دهماء لا يهتدي لها      طريق، و لا يهدي الي ضوئها الساري

تشيب النواصي دون حل رموزها      و يحجم عن أغوارها كل مغوار

اجلت جياد الفكر في حلباتها      و وجهت تلقاها صوائب انظاري

فابرزت من مستورها كل غامض      و ثقفت منها كل اصور موار

أأضرع للبلوي، و اغضي علي القذي      و ارضي بما يرضي به كل مخوار؟!

و افرح من دهري بلذه ساعه      و اقنع من عيشي بقرص و أطمار؟!

اذن لا وري زندي و لا عز جانبي      و لا بزغت في قمه المجد اقماري

و لا بل كفي بالسماح و لا سرت      بطيب احاديثي الركاب و اخباري

و لا انتشرت في الخافقين فضائلي      و لا كان في المهدي رائق اشعاري

خليفه رب العالمين و ظله      علي ساكن الغبراء من كل ديار

هو العروه الوثقي الذي من بذيله      تمسك لا يخشي عظائم اوزار

امام هدي لاذ الزمان بظله      و القي اليه الدهر مقود خوار

علوم الوري في جنب ابحر عمله      كغرقه كف، او كغمسه منقار

فلو زار افلاطون اعتاب قدسه      و لم يغشه عنها سواطع انوار

راي حكمه قدسيه لا يشوبها      شوائب انظار و ادناس افكار

بإشراقها كل العوالم اشرقت      لما لاح في الكونين من نورها الساري

امام الوري، طود النهي، منبع الهدي      و صاحب سر الله في هذه الدار

به العالم السفلي يسمو و يعتلي      علي العالم العلوي من دون انكار

أيا حجه الله الذي ليس جارياً      بغير الذي يرضاه سابق اقدار

و يا من مقاليد الزمان بكفه      و ناهيك من مجد به خصه الباري

اغث حوزه الايمان و اعمر ربوعه      فلم يبق فيها غير دارس آثار

و انقذ كتاب الله من يد عصبه      عصوا و تمادوا في عتو و اضرار

و انعش قلوباً في انتظارك قرحت      و اضجرها الاعداء أيه اضجار

و خلص عباد الله من كل غاشم      و طهر بلاد الله من كل كفار

و عجل، فداك العالمون باسرهم      و بادر علي اسم الله من غير انظار

تجد من جنود الله خير كتائب      و اكرم اعوان، و أشرف أنصار..

 

المصادر

     (1) روضه الواعظين/ النيسابوري 1: 253.

     (2) أصول الكافي/ للكليني 1: 137 باب (أن الأرض لا تخلو من حجه) ح 8.

     (3) ج 2 ص 83 و ج 3 ص 446، و ج 4 ص 96.

     (4) الحاوي للفتاوي ج 2.

     (5) كنز العمال ج 14 ح 38662.

     (6) ذخائر العقبي: 44.

     (7) ج 2 ح 4086.

     (8) الزخرف: 61.

     (9) المجلد الثاني: الحديث 562.

     (10) أورد نصها كتاب (موسوعه الامام المهدي) نشر مكتبه أميرالمؤمنين (ع) العامه في اصفهان ص 593- ص 631.

     (11) ج 4 ص 465.

     (12) كنز العمال/ الخبر 38707. ج 14.

     (13) ج 3 ص 184.

     (14) يراجع شرح قصيدته في: فتح المنان في شرح الفوز و الامان لاحمد بن علي أبي النجاح المنيني الحنفي.