ابوعلي مسكويه الرازي

جعفر صادق الخليلي

 

     هو احمد بن محمد الرازي (توفي 421ه /1030م) المؤرخ، و الفيلسوف، و الطبيب، و الاديب الايراني المبرز. اسمه بالفارسية (مشكويه) و تعريبه هو (مسكو يه). و الاسم ماخوذ من اسم تابع من توابع الري، الا ان هناك خلطا في اسم ابيه، فهو نفسه يقول في بعض كتبه انه (احمد بن محمد مسكويه) و مرة اخرى يقول (احمد بن يعقوب مسكويه)، و قد ادى هذا الى عدم تثبت المؤرخين المحدثين، بل و المعاصرين له فسموه (ابن مسكويه) معتبرين مسكويه اسم ابيه او جده. الا ان ابا علي في كثير من كتبه، مثل: العقل و المعقول، و الشوامل، و رسالة في اللذات و الآلام، و مقالة في النفس و العقل، يقول انه (ابو علي مسكويه)، و كذلك ايضا كان يعرفه بعض معاصريه، مثل ابي‏حيان التوحيدي، و ابي بكر الخوارزمي، و الثعالبي.

     لايعرف شيئا عن تاريخ ولادته، و لكن بما انه يشير الى كثرة تردده على ابي محمد المهلبي، وزير معزالدولة البويهي، و انه استقى معلوماته عن سنة 320ه و ما بعدها شفاها من المهلبي، و في موضع آخر يقول انه كان مصاحبا للمهلبي سنة 341، فبديهي ان عمره يومئذ لم يكن ليقل عن عشرين سنة، فلابد ان تكون ولادته في حوالي سنة 320ه، و يكون قد توفي و هو في حوالي المئة سنة من عمره.

     يقول ياقوت:

     انه كان مجوسيا ثم اسلم، و لكن بما ان اسم ابيه هو محمد، فيستبعد ان لا يكون مسلما بالولادة، خاصة و ان هذا لم يرد في اي مصدر آخر.

     عن سنوات حياته الاولى لايوجد ما يعتمد عليه، و لكن يبدو انه لم يقض سنوات حداثته في راحة و طمانينة، و هو يذم اسلوب ابويه في تربيته، و الظاهر ان اباه كان يحمله على حفظ الشعر الجاهلي و روايته، و انه كان في اوائل شبابه كثير اللهو، و لكنه سعى بعد ذلك الى تهذيب نفسه و نجح فيه.

     كانت لمسكويه علاقات وثيقة مع وزراء آل بويه و امرائهم في شؤون الديوان و المكتبات و الامور المالية، و في منادمتهم و مصاحبتهم، و الاخذ و العطاء في ميدان العلم و الادب، و لهذا امضى معظم سنوات حياته في مدن متفرقة مثل، الري، و بغداد، و شيراز، و اصفهان، و احسب ان طلب العلم كان له دخل في تلك الرحلات.

     كان مسكويه من الري اصلا، و لعله قضى العقدين الاولين من عمره فيها، ثم التحق بالبويهيين في بغداد، و امضى نحو اثنتي عشرة سنة مصاحبا و نديما خاصا لابي محمد المهلبي، وزير معزالدولة. ثم قضى سبع سنوات بصحبة ابي الفضل ابن العميد، وزير ركن الدولة البويهي يدير مكتبته في الري. و الظاهر انه بعد ذلك دخل في خدمة ابي الفتح ابن العميد وزير ركن الدولة و مؤيد الدولة. و بعد مقتل ابى الفتح رفض مسكويه خدمة الصاحب بن عباد، الوزير الجديد لمؤيد الدولة، الذي كانت ‏بينهما منافسة. و حتى بعد موت الصاحب بن عباد لم يغفر له و قدح فيه في شعره.

     ثم التحق ابو علي بعضد الدولة، سلطان آل بويه الكبير، في شيراز و اصبح احدا ندمائه و رسله، و عهد اليه بادراة مكتبته و بيت ماله، و بقي في منصبه هذا حتى مات عضد الدولة. كانت تلك المكتبة تجمع جميع مصنفات ذلك الزمان، و الى هذا يشير مسكويه، كما الف باسمه كتاب تجارب الامم، و في المقدمة اشار الى كونه من موظفيه. و كان عضد الدولة قد عين مكانا في قصره و بالقرب منه لجمعية الحكماء و الفلاسفة ليجروا مناقشاتهم العلمية فيه، و كان هو نفسه من اعضاء الجمعية البارزين.

     و اذ تسنم صمصام الدولة الحكم بعد ابيه ازدادت علاقة مسكويه به، و كان يحضر المجالس العلمية التي كان يعقدها ابن سعدان، وزير صمصام الدولة، حيث كان يحضر ايضا اشخاص مثل ابن زرعة، و ابن الخمار، و ابن سمح، و القومسي، و نظيف الرومي، و يحيى بن عدي و عيسى بن علي. و بعد صمصام الدولة، ظل مسكويه في خدمة رجال الدولة الآخرين في بلاط الري. في اول الامر كان هو و جمع آخر من العلماء، مثل ابن سينا و البيروني، في خدمة خوارزمشاه، و لكنه رفض الالتحاق بخدمة السلطان محمود الذي كان قد طلب‏ تلك ‏الجماعة ‏من ‏خوارزمشاه، الا ان هذا ليس مؤكدا و لا يعدو ان يكون مجرد اقاويل.

     امضى ابوعلي ايامه الاخيرة في اصفهان و فيها توفي و دفن في محلة تسمى (خواجو)، الا ان القمي في السفينة، و في الكنى قيل انه دفن في محلة اسمها درب جناد او جناب.

 

اساتذته وطلابه

     لا يعرف الكثير عن اساتذة مسكويه، فهو يقول في التهذيب: في شبابي شجعني ابي لدراسة الادب و الشعر.

و في مكان آخر يقول: انه قرا استطالة الفهم للجاحظ يقول: ابن حيان في الامتاع ان مسكويه ابدى رغبة شديدة في ‏الكيمياء و تتلمذ فيها على ابي الطيب الكيميائي الرازي، كما شغف بكتب محمد بن زكريا الرازي و جابر بن حيان. و كانت له التفاتات نحو التاريخ فدرس تاريخ الطبري. على ابن كامل الذي كان من اصحاب محمد بن جرير الطبري. و درس علوم الاوائل (اليونان) عند ابن الخمار، و قد برع في هذه العلوم، و خاصة في المنطق و الطب حتى لقب ببقراط الثاني.

     بعض المؤرخين يعتبرون مسكويه استاذ ابي‏حيان و دليلهم في ذلك كتاب الهوامل و الشوامل الذي اجاب فيه مسكويه عن اسئلة ابن حيان، و دلائل اخرى، مثل رسالته ماهية العدل او مقالته في ماهية الكيمياء، اذ انهما ايضا ردود اسئلة ابن حيان، التي يوردها بلحن التلمذة.

 

معاصروه

     كانت لابي علي علاقات وطيدة مع الحكماء و العلماء و الادباء في عصره. من هؤلاء كان ابو سليمان السجستاني الذي اعتبر مسكويه من كبار علماء العصر و مدحه كثيرا، كما جاء في كتابه صوان الحكمة الذي الفه في حياة مسكويه عن رجال العلم و الحكمة.

     كان تعامل ابي حيان التوحيدي مع مسكويه، مثل تعامله مع سائر معارفه العلماء، متناقضا، فمرة هو مسرور و مادح، و اخرى هو غير مسرور و قادح، متهما مسكويه بالتقلب و البخل . . . و في الوقت نفسه يصف شعره بالجمال و الفاظه بالطهارة، و يعتبره «كنز العلوم العجيبة و اسرار الحكمة».

     و من المقربين اليه كان ابوبكر الخوارزمي. اما بديع الزمان الهمداني الذي خاصم معاصريه، بمن فيهم الخوارزمي، احنى راسه احتراما لمسكويه و تعظيما و لم يهاجمه.

     من معاصري مسكويه الآخرين في النصف الثاني من عمره كان ابن سينا، الذي ولد يوم كان مسكويه في الخمسين من عمره. يقولون ان ابن سينا لم يجد مسكويه سريع الفهم. و في يوم جمعهما مجلس حيث كان طلاب مسكويه حاضرين، فرمى ابن سينا جوزة نحو مسكويه و قال له: «احسب مساحتها!» فالقى اليه مسكويه رسالة له في الاخلاق و قال:

     ابدا انت ‏بتهذيب اخلاقك اولا حتى اقوم انا بحساب مساحة الجوزة، لانك احوج الى تهذيب اخلاقك مني الى استخراج مساحة الجوزة!

 

مؤلفاته

     يذكر المؤرخون ان له مؤلفات كثيرة تشمل الكتب و الرسائل و المقطوعات الشعرية العربية و الوصايا، و لكنها لم تصل الينا جميعها. اما المطبوع منها فيشمل:

     1. تجارب الامم، و هو اشهر كتب ابي علي التاريخية، و توجد منه عدة نسخ، كما طبعت فصول منه.

     2. ترتيب السعادات و منازل العلوم. طبع هذا الكتاب في مصر تحت عنوان السعادة (1928)، و طبع في طهران تحت عنوان ترتيب السعادات (1314 ه. ش) (1935 م) في حاشية مكارم الاخلاق للطبرسي، و في السنة نفسها طبع ملحقا بكتاب المبدا و المعاد للملا صدرا.

     3. تهذيب الاخلاق و طهارة الاعراق في فلسفة الاخلاق، و قد نشر مرات عديدة في الهند و القاهرة و اسطنبول و بيروت. و هو يبين نظريات مسكويه في الحكمة العملية.

     4. الحكمة الخالدة الذي ينسب الى هوشنك بيشدادي، و قد ترجمه حسن بن سهل الى العربية، و اكمله مسكويه. و يشتهر هذا الكتاب باسم آداب العرب و الفرس، و يدور حول حكمة الايرانيين، و الهنود، و اليونانيين و العرب.

     5. بعض االرسائل و المقالات القصيرة في الفلسفة، نشر بعضها في دمشق و القاهرة و ليدن.

     6. رسالة في دفع الغم من الموت (لماذا اخاف الموت) هذه الرسالة جزء من تهذيب الاخلاق لمسكويه، و لكن مرن نسبها الى ابن سينا و نشرها ضمن مجموعة رسائل الشيخ الرئيس. و اشار شيخو الى هذا الخطا في مجلة المشرق. و قد نشر نص هذه الرسالة و ترجمتها في قم سنة 1327 ه. ش (1948 م).

     7. الفوز الاصغر و يحتوي على ثلاث مسائل، و نشر في عدة مرات في بيروت (1319 ه) و القاهرة (1325 ه) و نشر في طهران مع فوز السعادة (1314 ه)

     8. فوز السعادة، و هو، كما يقول الشيخ آقا بزرگ في الذريعة، غير ترتيب السعادات.

     9. لغز قابس (لوح قابس) هذا في الواقع جزء من كتاب الحكمة الخالدة، و قد طبع عدة مرات، منها في مدريد (1793م) و في باريس (1873م) و في الجزائر (1898م)

     10. الهوامل و الشوامل (الهوامل) هي مجموعة اسئلة ابي حيان التوحيدي، و الشوامل هي اجوبة مسكويه عنها. و قد طبع هذا الكتاب سنة 1370ه /1951م في القاهرة برعاية احمد امين و احمد صقر.

 

مؤلفاته الخطية

     1. رسالة في ذكر الحجر الاعظم، في الكيمياء. توجد نسخة منه في مكتبة جامعة طهران.

     2. رسالة في الكيمياء، توجد نسخة منه في مكتبة اصغر مهدوي الخاصة.

     3. رسالة في ماهية العدل، النسخة الوحيدة لهذا الكتاب موجودة في مكتبة آستان قدس رضوي، تحت العنوان الكامل: رسالة الشيخ ابي علي احمد بن يعقوب مسكويه الى علي بن محمد ابي حيان الصوفي في ماهية العدل.

     4. كتاب الاشربة، في العقاقير الطبية. مختارات منه موجودة في مكتبة صائب في انقرة.

     5. كتاب في ترتيب الباجات من الاطعمة (كتاب الطبيخ) توجد نسخة منه في مكتبة احمد ثالث ‏باسطنبول.

     6. الكنز الكبير، في الكيمياء. توجد نسخة منه في مكتبة بشير آغا.

     7. نديم الفريد (انس الفريد) القندوزي الحنفي ينقل عن هذا الكتاب احتجاج المامون في قضية ولاية عهد الامام الرضا (عليه السلام) و هناك من مؤلفاته المفقودة التي لم يعثر عليها، منها:

     1. رسالة الى بديع الزمان الهمداني، و هي نظم و نثر، جوابا عن رسالة بديع الزمان الاعتذارية.

     2. مجموعة شعرية تضم امثلة لشعر ابي علي.

     3. عهد ابي علي مسكويه مع نفسه الذي يذكره الحموي تحت عنوان وصيته.

     4. وصية مسكويه، و هي نصائح يقدمها للباحثين عن الحكمة، و هي موجودة في صوان الحكمة لابي سليمان. كما ان ابا علي قد ذكرها في الحكمة الخالدة في فصل حكمة حكماء الاسلام، من دون ذكر اسمه.

     و من مؤلفاته المفقودة الاخرى كتاب الفوز الاكبر.

 

افكاره الفلسفية

     بذل ابوعلي جهوده في اكثر ميادين الحكمة النظرية و العملية، و خاصة في فن تهذيب الاخلاق، بحيث ان بعضهم وصفه بالمعلم الثالث . . كان ينظر الى التاريخ بصفته مختبرا للفلسفة العملية، و هو متاثر اكثر من غيره بافكار ارسطو و افلاطون، فهوه مرة ارسطوي و مرة افلاطوني، بحسب الموضوع و البحث الفلسفي. في كتابيه تهذيب الاخلاق و الفوز الاصغر يشير ايضا الى سقراط و جالينوس و فيثاغورس و فرفريوس و برقلس و ينقل عنهم و ينقدهم، و لكنه كان قليل الاهتمام بالرواقيين.

     اما على صعيد الاسلام فقد عني بفلاسفة مثل الكندي و ابي عثمان الدمشقي و ابي الحسن العامري، كما كان يستند الى القرآن و الحديث. و في الحكمة النظرية كتب كتابين: الفوز الاصغر و الفوز الاكبر، و هذا الاخير مفقود، و لكن يظهر انه كتب على غرار الفوز الاصغر بتفصيل اوسع.

     اقبال اللاهوري يرى ان فلسفة ما بعد الطبيعة عند مسكويه اكثر انتظاما من فلسفة الفارابي. القسم الاول من الفوز الاصغر في عشرة فصول يدور حول اثبات الصانع. و القسم الثاني ايضا في عشرة فصول مختصرة حول معرفة النفس و في المعاد. القسم الثالث من الكتاب في عشرة فصول ايضا و تدور حول النبوة.

     اما في الحكمة العمليه فلمسكويه ثلاثة كتب مهمة: تهذيب الاخلاق و ترتيب السعادات و الحكمة الخالدة. ان الهدف من تهذيب الاخلاق هو الوصول الى الانسان الخير بالتعلم المستمر حتى يصبح ملكة من ملكات النفس.

     الطب: من الميادين الاخرى التي ولجها ابوعلي هو ميدان الطب. يقول الحموي ان له كتابا في هذا الباب باسم الجامع، و يعتقد آخرون انه كتبه على غرار كتاب الجامع الكبير المعروف بالحاوي لمحمد بن زكريا الرازي. و له كتاب آخر باسم في الادوية المفردة. و كتابه الآخر هو تركيب الباجات من الاطعمة او كتاب الطبيخ، و كتابه الثالث هو كتاب الاشربة.

     الكيمياء: يقول ابو حيان التوحيدي ان مسكويه قد بذل جهودا كبيرة في هذا الباب و اشتغل زمانا طويلا مع ابي الطيب الكيميائي الرازي. و له في هذا الميدان رسالة في الكيمياء، و ذكر الحجر الاعظم، و لعله يقصد به حجر الفلاسفة او الاكسير الاعظم. و ثمة رسالة باسم رسالة الحكمة النادرة تنسب اليه ايضا

 

المصادر:

     1. آقا بزرگ، الذريعة و طبقات اعلام الشيعة، برعاية علي نقي منزوي، بيروت، 1391ه /1971م.

     2. ابن ابي اصيبعة، احمد بن قاسم، عيون الانبياء، برعاية اوغوست مولر، القاهرة، 1299ه.

     3. ابو حيان التوحيدي، الامتاع و المؤانسة، برعاية احمد امين و احمد زين، القاهرة، 1942 م.

     4. ابو سليمان السجستاني، محمد بن طاهر، صوان الحكمة، برعاية عبدالرحمن بدوي، 1974م.

     5. ابو علي مسكويه، احمد بن محمد، تجارب الامم، برعاية ابو القاسم امامي، طهران، 1366ه. ش (1987 م).

     6. اقبال اللاهوري، محمد، سير فلسفه در ايران، ترجمة امير حسين آرين‏پور، طهران، 1349 ه. ش (1970 م).

     7. الامين، محسن، اعيان الشيعة، برعاية حسن الامين، بيروت 1403ه /1983 م.

     8. دفاع، علي عبدالله، اسهام العلماء العرب و المسلمين، بيروت 1406 ه /1986 م.

     9. شيخو، لويس، رسالة في الخوف من الموت، المشرق، بيروت، 1908 م، العدد 11