أبوريحان‌ البيروني‌

 و منجزاته‌ العلمية‌ في‌ حقول‌

 الرياضيات‌ و علم‌ النجوم‌ و الجغرافية‌

       أبوريحان‌ محمد بن‌ أحمد الخوارزمي‌ البيروني‌ أحد اكبر العلماء و المحققين‌ المسلمين‌ . ولد أبوريحان‌ البيروني‌ عام‌ 362 هجري‌ في‌ ضواحي‌ مدينة‌  "كاث‌ " التابعة‌ لمنطقة‌ خوارزم‌ و كان‌ منذ البداية‌ مولعا" بدراسة‌ العلوم‌ الطبيعية‌ و الرياضيات‌ ،  و قد تتلمذ في‌ الرياضيات‌ علي‌' " ابونصر منصور " .

           بعد انقضاء مرحلة‌ الشباب‌ قام‌ البيروني‌ بعدة‌ سفرات‌ داخل‌ منطقة‌ خوارزم‌ ،و اما الفترة‌ الواقعة‌ بين‌ عام‌ (338 و حتي‌' 403 ) هجري‌ فقد قضاها في‌ بلاط‌ الملك‌ " شمس‌ المعالي‌ قابوس‌ بن‌ وشمگير " في‌ منطقة‌ جرجان‌ ، و استطاع‌ خلال‌ هذه‌ الفترة‌ من‌ تأليف‌ عدد من‌ الكتب‌ منها كتاب‌ (الا´ثار الباقية‌ ) ألفه‌ خلال‌ عام‌ 390 هجري‌ .

           اصطحب‌ السلطان‌ محمود الغزنوي‌ المحقق‌ و العالم‌ البيروني‌ بعد فتحه‌ خوارزم‌ الي‌' مدينة‌ غزنة‌ و عينه‌ المنجم‌ الرسمي‌ للبلاط‌ الملكي‌ ، كما و جعله‌ الملك‌ الغزنوي‌ مشاوراً له‌ في‌ أسفار و مغازيه‌ . بعد رجوعه‌ من‌ الهند الي‌' مدينة‌ غزنة‌ عام‌ 420 هـ قام‌ البيروني‌ بتأليف‌ كتاب‌ " في‌ تحقيق‌ ماللهند " و كتاب‌ " التفهيم‌ " .

           بعد وفاة‌ السلطان‌ محمود الغزنوي‌ استمر البيروني‌ في‌ عمله‌ داخل‌ البلاط‌ مع‌ السلطان‌ مسعود الغزنوي‌، و هو ابن‌ السلطان‌ محمود و كانت‌ تربطهما علاقة‌ صداقة‌ شديدة‌ . قام‌ البيروني‌ في‌ تلك‌  الفترة‌ بتأليف‌ كتاب‌ اسماه‌ " قانون‌ المسعودي‌ " و هو كتاب‌ في‌ علم‌ النجوم‌ اهداه‌ الي‌' السلطان‌ مسعود و سماه‌ باسمه‌ ، و قضي‌' البيروني‌ بقية‌ أيام‌ حياته‌ متنقلا" في‌ بلاد الغزنويين‌ الي‌' أن‌ وافاه‌ الاجل‌ عام‌ 442 هـ .

 تأليفات‌ البيروني‌ العلمية‌ :

             قام‌ البيروني‌ بعد ما ازدادت‌ معرفته‌ في‌ العلوم‌ الرياضية‌ و تبحر في‌ هذا العلم‌ و تمكن‌ منه‌ بالتوجه‌ نحو علوم‌ التاريخ‌ و الجغرافية‌ و تأريخ‌ الايام‌ و الازمنة‌ (الحساب‌ ).

           حيث‌ بذل‌ كافة‌ جهوده‌ و مساعيه‌ لاجل‌ اكتشاف‌ الحقائق‌ العلمية‌ في‌ علوم‌ أخري‌' كعلم‌ الطب‌ و المعادن‌ و الصيدلة‌ ، و كانت‌ للبيروني‌ رغبة‌ شديدة‌ في‌ التعرف‌ علي‌' الاديان‌ و الملل‌ و النحل‌ ، و يمكن‌ اعتبار تحقيقاته‌ و دراساته‌ في‌ مجال‌ الاديان‌ مقارنة‌ مع‌ تحقيقاته‌ و كتبه‌ في‌ المجالات‌ الاخري‌' من‌ أفضل‌ هذه‌ التحقيقات‌ و الدراسات‌  التي‌ كتبها .

            كان‌ البيروني‌ ذا معرفة‌ واحاطة‌ كاملة‌ بعلوم‌ الحكمة‌ و الفلسفة‌ و العرفان‌ ، و بلغت‌  مؤلفاته‌ اكثر من‌ 140 كتابا" ، حيث‌ تلفت‌ ـ مع‌ شديد الاسف‌ ـ اغلبها بتقادم‌ الايام‌ و الازمنة‌ و كانت‌ اغلب‌ تاليفات‌ البيروني‌ يكتبها باللغة‌ العربية‌ ، و امّا تاليفاته‌ بالفارسية‌ فكانت‌ قليلة‌ جدا". واليكم‌ نظرة‌ سريعة‌ في‌ أهم‌ مؤلفات‌ البيروني‌ العلمية‌ .

                    ـ الا´ثار الباقية‌ :  كتاب‌ في‌ معرفة‌ التقاويم‌ و تاريخ‌ الايام‌ و الاعياد المشهورة‌ لدي‌' الشعوب‌ القديمة‌ .

                    ـ الصيد لة‌ :  كتاب‌ في‌ علمي‌ النبات‌ و الصيدلة‌ .

                    ـ قانون‌ المسعودي‌ :  كتاب‌ يبحث‌ في‌ علم‌ النجوم‌ و الهيئة‌ .

                    ـ المجاهر في‌ معرفة‌ الجواهر:  تحقيق‌ حول‌ الفلزات‌ و الاحجار الكريمة‌ .

                    ـ التفهيم‌ :  كتاب‌ في‌ العلوم‌ الرياضية‌ و علوم‌ الهيئة‌ و النجوم‌ باللغتين‌ العربية‌ و الفارسية‌

                    ـ مقاليد علم‌ الهيئة‌ :  كتاب‌ في‌ علم‌ المثلثات‌

                    ـ تحديد نهايات‌ الاماكن‌ :  تحقيق‌ في‌ الجغرافيا الرياضية‌ .

                    ـ في‌ تحقيق‌ ماللهند :  دراسة‌ عن‌ الهند

 تقسيم‌ العلوم‌ عند البيروني‌

              قام‌ البيروني‌ بتقسيم‌ تأليفاته‌ و كتبه‌ الي‌' عشرة‌ أقسام‌ في‌ علوم‌ مختلفة‌ ، حيث‌ فهرس‌ العلوم‌ كالتالي‌ :

                    اولا" - العلوم‌ الطبيعية‌ و تشمل‌ الجغرافيا و الفلزات‌ و المعادن‌ و الجواهر الكريمة‌ و الطب‌

                    ثانيا"- العلوم‌ الرياضية‌ : و تشمل‌ علم‌ النجوم‌ و الحساب‌ و الهندسة‌

                    ثالثا"- العلوم‌ الانسانية‌ : و تشمل‌ الاديان‌ و المذاهب‌ و الادب‌ و التاريخ‌ و العقائد و الملل‌ و النحل‌ .

 طرق‌ بحث‌ البيروني‌ في‌ العلوم‌ الطبيعية‌ :

             اولي‌' البيروني‌ لمسألة‌ الاستقراء و التجربة‌ الحسية‌ اهتماما" خاصا" خلال‌ ابحاثه‌ و تحقيقاته‌ ،و كان‌ يعتمد اسلوب‌ البرهان‌ الرياضي‌ في‌ القضايا العلمية‌ الكلية‌ و اسلوب‌ الاستقراء و التجربة‌ الحسّية‌ في‌ القضايا العلمية‌ الجزئية‌ و بذلك‌ استطاع‌ البيروني‌ ان‌ يحصل‌ علي‌' المعارف‌ و الحقائق‌ من‌ خلال‌ الاستفادة‌ من‌ اسلوب‌ المشاهدة‌ و التجربة‌ و العلوم‌ الرياضية‌ اثناء دراسة‌ الطبيعة‌ حيث‌ بقيت‌ هذه‌ الحقائق‌ و المعارف‌ معينا" دائما" يرفد العلماء و لقرون‌ عديدة‌ في‌ مجال‌ دراسة‌ العلوم‌ الطبيعية‌ .

 اعتماد اسلوب‌ المشاهدة‌ و التجربة‌ :

             استفاد البيروني‌ من‌ اسلوب‌ المشاهدة‌ في‌ التعرف‌ علي‌' أنواع‌ النجوم‌ و طبيعة‌ الأرض‌ و جغرافيتها و علم‌ الاحياء و قد توخي‌' الدقة‌ و العناية‌ التامة‌ في‌ ذلك‌ ، و ان‌ تحقيقاته‌ في‌ الجغرافيا كما ذُكِرَت‌ في‌ كتابه‌ " تحديد الاماكن‌ " تركّزت‌ علي‌' التجربة‌ و المشاهدة‌ الميدانية‌. ان‌ كتاب‌ تحديد الاماكن‌ يتناول‌ شرح‌ النباتات‌ و الحيوانات‌ و الاحجار و الصخور المختلفة‌ لا سيما شرحه‌ الدقيق‌ لارض‌ الهند المبتني‌ علي‌' مشاهدة‌ الطبيعة‌ العجيبة‌ لهذه‌ المنطقة‌ ، حيث‌ نلاحظ‌ دقة‌ هذا العالم‌  وقدرته‌ في‌ شرح‌ و تفسير تنوع‌ الطبيعة‌ في‌ هذا البلد .

 اعتماد الرياضيات‌ لدراسة‌ الطبيعة‌ :

             بالاضافة‌ الي‌' اسلوب‌ المشاهدة‌ و التجربة‌ الميدانية‌ فقد استفاد البيروني‌ من‌ أدوات‌ القياس‌ في‌ تحقيقاته‌ التي‌ اجراها في‌ الهند و ساعده‌ في‌ ذلك‌ اهتمامه‌ و ولعه‌ بشكل‌ كبير بعلوم‌ الاعداد و الحساب‌ و الهندسة‌ .و يقول‌ البيروني‌ في‌ كتابه‌ " في‌ تحقيق‌ ماللهند " ان‌ الحساب‌ يعتبر أمرا" فطريا" لدي‌' الانسان‌ : فيمكن‌ الحصول‌ علي‌' وحدة‌ للتفاضل‌ بين‌ شي‌ و شي‌ آخر اذا كان‌ من‌ نفس‌ النوع‌ و له‌ نفس‌ الصفات‌ ، و هذه‌ وحدة‌ القياس‌  و التفاضل‌ و المعيار و الميزان‌ يحّددها العرف‌ و الانسان‌ نتيجة‌ التجربة‌ الحسية‌ ، فعلي‌' سبيل‌ المثال‌ ، نستطيع‌ ان‌ نعيّن‌ و نحّدد وزن‌ الاجسام‌ عن‌ طريق‌ آلة‌ الميزان‌ و القياس‌ التي‌ ذكرناها . ان‌ العلامة‌ البيروني‌ أيد نظرية‌ طيماووس‌ " افلاطون‌ " في‌ ضرورة‌ وجود علاقة‌ بين‌ الاشكال‌ المنتظمة‌ و العناصر المتكونة‌ منها اعتمادا" علي‌ هذه‌ النظرية‌ و اسلوبها .هذا و عرض‌ البيروني‌ في‌ كتابة‌ «قانون‌ المسعودي‌ » اسلوبا" جديدا" مبتكرا" للاستفادة‌ من‌ الرياضيات‌ في‌ مجال‌ الفيزياء و الجغرافيا ، لذا جدير بنا ان‌ نطلق‌ عليه‌ اسم‌ ، واضع‌  أو مؤسس‌ " علم‌ المساحة‌ " الاول‌ .

           و يذهب‌ البيروني‌ الي‌' ان‌ مكان‌ تعيين‌ مدار الارض‌ كما جاء في‌ كتابه‌ "رسالة‌ في‌ الاسطرلاب‌ " يتحقق‌ و ذلك‌ بالصعود علي‌' قمة‌ جبل‌ قريبة‌ من‌ البحر ، و من‌ خلال‌ مشاهدة‌ قرص‌ الشمس‌ و اجراء عمليات‌ قياس‌ لغروب‌ الشمس‌ و قياس‌ مقدار سقوط‌ قرص‌ الشمس‌ و ارتفاع‌ الجبل‌ يمكننا حساب‌ مدار الارض‌ كالتالي‌ : نقوم‌ في‌ البدء بعملية‌ ضرب‌ بين‌ ارتفاع‌ الجبل‌ و جيب‌ (سينوس‌ ) الزاوية‌ المكملة‌ لسقوط‌ الافق‌ (القرص‌ ) و بعد ذلك‌ نقسم‌ النتيجة‌ علي‌' الجيب‌ المعكوس‌ لزاوية‌ سقوط‌ قرص‌ الشمس‌ و أخيرا" نضرب‌ هذه‌ النتيجة‌ في‌ 26 فنحصل‌ علي‌' طول‌ مدار الارض‌ .و يضيف‌ البيروني‌ في‌ كتابه‌ هذا : ان‌ هذه‌ الحسابات‌ تحتاج‌ الي‌' التجربة‌ و المشاهدة‌ و لا يمكن‌ تصديق‌ ذلك‌ الا بعد التجربة‌ و انه‌ قد قام‌ بتجاربة‌ علي‌' ضوء نظريته‌ هذه‌ و حصل‌ علي‌' نتائج‌ طيبة‌ وجيدة‌ .

           ان‌ العلامة‌ البيروني‌ و لاجل‌ الحصول‌ علي‌' وحدة‌ وزن‌ معينة‌ قد استفاد من‌ الطرق‌ الرياضية‌ و ادوات‌ القياس‌ المعروفة‌ في‌ زمانه‌ ، و هذا المعني‌' ظاهر في‌ كتابه‌ " المجاهر في‌ معرفة‌ الجواهر " .

 تحقيقات‌ البيروني‌ في‌ علم‌ النجوم‌ :

             لم‌ يكن‌ العلامة‌ البيروني‌ متبحرا" في‌ علم‌ من‌ العلوم‌ كما كان‌ الحال‌ بالنسبة‌ الي‌' تبحره‌ في‌ علوم‌ النجوم‌ و الهيئة‌ . و لهذا اشتهر البيروني‌ بانه‌ أكبر استاذ في‌ هذه‌ العلوم‌ و الفنون‌ لا سيما و انه‌ كان‌ علي‌' اطلاع‌ واسع‌ بآراء الحكماء و العلماء الاقدمين‌ و آرائهم‌ حول‌ المبادي‌ء الاساسية‌ لعلم‌ النجوم‌ التي‌ أتي‌' بها هرمس‌ "النبي‌ ادريس‌ (ع‌) " مؤسس‌ علم‌ النجوم‌ . اذن‌ فمبدأ علم‌ النجوم‌ سماوي‌ .

           ان‌ البيروني‌ لم‌ يقتصر في‌ تحقيقه‌ و دراساته‌ و مطالعاته‌ علي‌' البحث‌ في‌ كيفية‌ نشوء علم‌ النجوم‌ و اتكاله‌ علي‌' معلومات‌ المنجمين‌ المسلمين‌ القدماء و اليونانيين‌ بل‌ استمر في‌ مطالعاته‌ و تحقيقاته‌ و استطاع‌ ان‌ يطور تلك‌ المعلومات‌ القديمة‌ وبالاخص‌ في‌ مسألة‌ تحديد و ترتيب‌ اماكن‌ الكواكب‌ السيارة‌ و العناصر، و ما كتابه‌ " قانون‌ مسعودي‌ " الاّ و يعتبر اكبر دائرة‌ معارف‌ اسلامية‌ في‌ علم‌ النجوم‌ و ان‌ قانون‌ مسعودي‌ يبحث‌ موضوع‌ علم‌ النجوم‌ و جغرافيا النجوم‌ وفيه‌ رسوم‌ و خرائط‌ للمدارات‌ و الاشكال‌ الخاصة‌ بالنجوم‌ .و يتناول‌ الكتاب‌ كذلك‌ العمليات‌ الرياضية‌ حسبما جاءت‌ في‌ النقوش‌ و الكتابات‌ اليونانية‌ و الهندية‌ و البابلية‌ و الايرانية‌ القديمة‌ و كذلك‌ اسماء علماء الرياضيات‌ في‌ تلك‌ الحقب‌ من‌ الازمنة‌ . و ذكر الكتاب‌ كذلك‌ أقيسة‌ الوزن‌ و المساحات‌ و انواع‌ المراصد المختصة‌ بعالمنا البيروني‌ . هذا و دعم‌ البيروني‌ النظريات‌ الاسلامية‌ حول‌ الكون‌ و اعتبرها نظرة‌ واقعية‌ وحقيقية‌ ، و حارب‌ النظريات‌ الخرافية‌ الهندية‌ التي‌ عبرت‌ عن‌ الحقائق‌ الكونية‌ علي‌ شكل‌ رسوم‌ و قصص‌ ، و كان‌ يميل‌ الي‌' الاستفادة‌ من‌ الفكر الهندسي‌ و الانتزاعي‌ لعلماء الاسلام‌ الذي‌ أخذوه‌ من‌ الحضارات‌ التي‌ قامت‌ علي‌' اطراف‌ بحر الابيض‌ المتوسط‌ كحضارة‌ اليونايين‌ التي‌ انتشرت‌ بين‌ المسلمين‌.

           و كان‌ البيروني‌ يدخل‌ العمليات‌ الرياضية‌ و يستفيد من‌ التنسيق‌ بين‌ المعلومات‌ التي‌ حصل‌ عليها ، و يوجد التصورات‌ المنتزعة‌ من‌ الحقائق‌ و يربطها ببعض‌ اكثر من‌ اعتماده‌ و تأثره‌ بالتصورات‌ الخرافية‌ و التشبيهات‌ التي‌ طغت‌ علي‌' الحكايات‌ و القصص‌ الهندية‌ . و اما ما يتعلق‌ بتيعيين‌ المسافات‌ التي‌ تفصل‌ بين‌ الكواكب‌ فقد كان‌ يعتمد علي‌' قواعد و اصول‌ " بطليموس‌ " في‌ ذلك‌ و كان‌ بعض‌ الاحيان‌ يستفيد من‌ الاساليب‌ المعروضة‌ في‌ كتاب‌ "المجسطي‌ " .

           استطاع‌ ابوريحان‌ و كما جاء في‌ كتابه‌ " التفهيم‌ " ان‌ يقيس‌ حجم‌ الكواكب‌ و مقدار المدارات‌ و يثبتها في‌ جداول‌ خاصة‌ مع‌ مراعاته‌ الدقة‌ في‌ الارقام‌ . و لم‌ يكن‌ للبيروني‌ رأي‌ واضح‌ حول‌ نظرية‌ مركزية‌ حركة‌ الشمس‌ و الارض‌ ، ولكنه‌ تبني‌' في‌ أواخر أيامه‌ نظرية‌ مركزية‌ الشمس‌ و ان‌ الارض‌ هي‌ التي‌ تتحرك‌ حولها بناء" علي‌' بحوث‌ و حسابات‌ أجراها عن‌  ذلك‌ . وخلص‌  بنتيجة‌ ان‌ السرعة‌ اللازمة‌ لحركة‌ الارض‌ في‌ حالة‌ قبول‌ نظرية‌ حركة‌ الشمس‌ حول‌ الارض‌ ستجعل‌ الارض‌ اكبر من‌ حجمها العادي‌ عدة‌ مرات‌ ، و ستؤثر بالتاكيد علي‌ وضع‌ الموجودات‌ التي‌ تعيش‌ علي‌' سطح‌ الكرة‌ الارضية‌ .

           و من‌ الطبيعي‌ ، الجرأة‌ في‌ ان‌ اظهار الرأي‌ هذا والمخالف‌ للنظرية‌ التي‌ كانت‌ سائدة‌ و هي‌ نظرية‌ أرسطو ، يعتبر أمرا" غير طبيعي‌ لذا فقد خاف‌ ابوريحان‌ من‌ الاعلان‌ عن‌ رأيه‌ لان‌ النتائج‌ و العواقب‌ الي‌' هكذا تصريح‌ و اعلان‌ سوف‌ لن‌ تكون‌ طيبة‌ .


 

 

 البيروني‌ و علم‌ الجغرافيا :

             يعتبر ابوريحان‌ البيروني‌ من‌ اكبر و اشهر علماء المسلمين‌ في‌ علم‌ الجغرافيا ، و قد كان‌ له‌ ولع‌ خاص‌ منذ ايام‌ شبابه‌ بالتحقيقات‌ و الملاحظات‌ الجغرافية‌ " ففي‌ سن‌ السابعة‌ عشرة‌ صنع‌ دائرة‌ مكونه‌ من‌ انصاف‌ درجات‌ لكي‌ يقيس‌ بها مقدار ارتفاع‌ الشمس‌ وسط‌ النهار و ذلك‌ في‌ مدينة‌ " كاث‌ " و استطاع‌ ان‌ يستخرج‌ العرض‌ الجغرافي‌ للارض‌ بالنسبة‌ الي‌' الشمس‌ ، و قسم‌ البيروني‌ الكرة‌ الارضية‌ الي‌' سبعة‌ اقاليم‌ و كما هو المشهور عند العلماء و عيّن‌ حدود الكون‌ . و كان‌ يعتقد ان‌ هناك‌  تنسيقا" و ارتباطا" بين‌ اجزاء الكرة‌ الارضية‌. ان‌ من‌ الممكن‌ بل‌ مما لا شك‌ فيه‌ ان‌ كل‌ ربع‌ من‌ ارباع‌ الكرة‌ الارضية‌ يرتبط‌  بالربع‌ الاخر المجاورله‌ بارتباط‌ و تأثير قوي‌ بحيث‌ يعتبران‌ وحدة‌ واحدة‌ من‌ حيث‌ التأثير و التأثّر و في‌ داخل‌ كل‌ ربع‌ هناك‌ تأثر و تاثير كما هو الحال‌ في‌ العلاقة‌ الموجودة‌ ما بين‌ اليابسة‌  والبحار .

           و يري‌' البيروني‌ ان‌ هناك‌ تطابقا" واضحا" بين‌ اقاليم‌ السماء واقاليم‌ الارض‌ حيث‌ قسم‌ الارض‌ الي‌' سبعة‌ اقاليم‌ ، و قسّم‌ السماء الي‌' سبعة‌ افلاك‌ و هذا الرأي‌ بالطبيعة‌ يخالف‌ عقيدة‌ علماء الجغرافيا القدامي‌' الذين‌ كانوا يعتقدون‌ ان‌ كل‌ اقليم‌ من‌ الاقاليم‌ يمتد علي‌' شكل‌ شريط‌ بالكرة‌ الارضية‌ .

 البيروني‌ و معرفة‌ المعادن‌ :

             أيد ابوريحان‌ البيروني‌ جابربن‌ حيان‌ في‌ نظريته‌ في‌ كيفية‌ تكوّن‌ المعادن‌ في‌ الارض‌ حيث‌ كان‌ يري‌' ابن‌ حيان‌ ان‌ الجمادات‌ مركبة‌ من‌ عنصرين‌ أساسيين‌ هما الكبريت‌ و الزئبق‌ ، و ان‌ جميع‌ الفلزات‌ تكونت‌ من‌ هذين‌ الفلزين‌ .والشي‌ء اللافت‌ للنظر هنا و المحيّر في‌ نفس‌  الوقت‌ هو الهجوم‌ الشديد الذي‌ قام‌ بها البيروني‌ علي‌' الكيمياء و رفضه‌ لها حيث‌ كان‌ يعتبر الكيمياء نوعا" من‌ السحر كما جاء ذلك‌ في‌ كتاب‌ " في‌ تحقيق‌ ماللهند " حيث‌ يقول‌ : رأينا ان‌ السحر هو وسيلة‌ تستخدم‌ لايهام‌ الا´خرين‌ بوجود شي‌ء معين‌ و هو غير موجود فعلا" و يحصل‌ ذلك‌ من‌ خلال‌ التلقين‌ و خداع‌ الحواس‌ . و ان‌ احد انواع‌ السحر هو الكيمياء و ان‌ كانت‌ الكيمياء لا تسمّي‌' سحرا" عند العرف‌ و عند المشهورين‌ العلماء .

           كان‌ يعتقد البيروني‌ شأنه‌ شان‌ الكثير من‌ العلماء القدماء بعدم‌ امكانية‌ تبديل‌ الفلزات‌ الموجودة‌ الي‌' فلزات‌ أخري‌' بسبب‌ عدم‌ وجود الشواهد و البراهين‌ الكافية‌ لتأييد هذا المطلب‌ و الادعاء . في‌ حين‌ ان‌ البيروني‌ أيد علماء الكيمياء في‌ نظريتهم‌ عن‌ كيفية‌ تكوين‌ الفلزات‌ و المعادن‌ و خصائصها و مميزاتها ، و كان‌ يدافع‌ عن‌ ذلك‌ بقوة‌ .