إنموذج الاسوه

القدوه في سيره الامام الخميني الراحل

محمد الخزرجي

 

     محطات ثلاث في حياه الامام جسدت تجسيداً رائعاً معالم شخصيته الفذه. كعالم دين. و مجاهد ثوري. و قائد حكيم.

     في حياه الامام الخميني الراحل اكثر من محطه لابد من التوقف عندما لاكتشاف المضامين المعبره و التي شكلت عناصر سلوك الامام الراحل عندما كان يمارس دوره و هو عالم دين مجتهد، و من ثم و هو يقود الثوره ضد الشاه، و بالتالي و هو يحتل بجداره موقع الولي الفقيه للدوله الاسلاميه في ايران.

     هذه المحطات الثلاث في حياه الامام شهدت دائماً نسيجاً خاصاً من السلوك لم يتغير بتغير الضرورات و المواقع و من اجل اكتشاف معالم شخصيه الامام و مضمونها الداخلي علي مستوي السلوك الفردي و الاجتماعي ننتقل في رحله ممتعه، واعيه مع ما تحدث به رجال كانوا حول الامام و قريبين منه في كل الظروف.

 

الامام و صلاه الليل

     يقول انصاري كرماني؛ ان الامام كان كثير الالتزام بصلاه الليل و ينقل عن ذلك مثالاً فيقول: المت بالامام و عكه صحيه عندما كان في قم (بعد انتصار الثوره الاسلاميه) فأمر الاطباء بنقله الي مستشفي القلب في طهران، و كان الجليد يغطي شوارعها و بعد دخوله المستشفي ادي الامام صلاه الليل، و يذكر انصاري كرماني ايضا ان الامام عندما عاد من باريس بالطائره ليلاً ادي صلاه الليل بالطائره.

 

الامام و تلاوه القرآن

     رغم المسؤوليه الضخمه التي كان يتحملها الامام (رض) فانه كان مواظباً علي قراءه القرآن يومياً و لعده مرات، حيث يذكر انصاري كرماني: كنا مرات عديده في اليوم نأتي الي الامام فنجده يقرأ القرآن .. لقد لاحظ مشاهد و التلفيزيون في الليله التي توفي فيها الامام (رض) انه كان يحتفظ بمصحف كان و هو في ساعاته الاخيره يقرأ فيه القرآن الكريم!

 

رباطه جأش قلّ نظيرها

     ينقل انصاري كرماني عن احد مقربي الامام قوله: طلب مني الامام في احد الايام (عندما كان في النجف الاشرف بالعراق) ان اذهب في التاسعه من صباح اليوم التالي لتفقد احوال احد العلماء و في صباح اليوم التالي و عند الساعه التاسعه صباحاً اليوم التالي و عند الساعه التاسعه صباحاً مررت بالقرب من بيت الامام، فوجدت الناس مجتمعين عند الباب، فراودني قلق شديد علي حياه الامام، فعرفت بنبأ استشهاد نجل الامام السيد مصطفي (رض)، فاسرعت بدخول الدار و دخلت علي الامام في غرفته و بعد السلام عليه بادرني هو بالسؤال عن موضوع الامس .. و كنت ذاهلاً فسأله اي موضوع؟ فذكرني بموعد الساعه التاسعه حيث يجب ان ازور احد العلماء. و في الوقت الذي كان جثمان الفقد علي الارض و الناس حوله يبكون، امرني الامام بوجهه المشرق و رباطه جأش بالذهاب فوراً الي ذلك العالم و تقديم الاعتذار له .. بعد ذلك خرج الامام الي المسجد لاعطاء دروسه علي التلاميذ.

 

بيت الامام

     بعد انتصار الثوره الاسلاميه في ايران، و نتيجه للجهود الكبيره التي كان الامام يبذلها داهمه مرض القلب و عندما تماثل (رض) للشفاء و اجاز الاطباء خروجه من المستشفي بعد ان طلبوا ان يسكن في طهران ليكون قريباً من المستشفي اخذ اعضاء مكتبه يبحثون له عن مسكن في شمال العاصمه لبعد المنطقه عن التلوث، فاختاروا له بيتاً بسيطاً يتكون من ثلاثه طوابق .. و لكن الامام بعد ان سكن فيه عده ايام طلب من اعضاء المكتب البحث عن بيت آخر و عندما سألوه عن السبب اخبرهم بان واجهه البيت مسكوّه بالمرمر و هذا لا يناسبه فهو يريد بيتاً مسكواً بالآجر العادي و الطين، و هكذا كان حيث استأجروا للامام بيتاً حسب المواصفات التي يطلبها .. لكنه لم يكتف بذلك فقد استدعي اصحاب البيت من الرجال و النساء و تحدث اولاً مع الرجال ان كانوا فعلاً راضين بسكنه في البيت فأجابوه بانهم يتشرفون بذلك، فدعي النسوه و تحدث معهن كذلك فاجبنه بنفس الجواب. و هكذا بقي الامام مستأجراً لذلك البيت حتي وفاته (رض).

 

زهد الامام

     و ينقل الشيخ فردوسي بور و كان مديراً لمكتب الامام عندما كان بباريس. هذه الحادثه عن زهد الامام و حبه لشعبه فيقول: في تلك الايام التي اعدت فيها خطه حركه الامام من باريس الي طهران نظمت «لجنه الاستقبال» مراسم استقبال الامام بشكل عظيم يليق بسماحته و في اليوم الذي اتصلت بنا لجنه الاستقبال تلفونياً من طهران كنت انا مسؤول المكتب، و كان المتحدث من طهران الشهيد المظلوم آيه الله الدكتور بهشتي حيث قال «لقد قمنا بتنظيم برنامج لاستقبال الامام و لكي يعرف الامام ذلك اخبره بما يلي: سنفرش المطار و نزيّنه بالمصابيح و سنأخذه من المطار الي «بهشت زهراء» بالهيلوكوبتر ..

     فذهبت الي الامام و اخبرته بذلك، و بعد ان صغي الي بدقه كعادته ـ حيث ان من عادته الاصغاء للمقابل بدقه ثم يجيب بكل صراحه و حسم ـ رفع رأسه قائلاً: قل لهؤلاء الساده: هل تريدون استقبال «كوروش» في ايران؟ لا حاجه لهذه الاعمال ابداً، فكل ما حدث هو ان واحداً من الطلبه كان قد خرج من ايران و هو الآن يعود اليها .. انني اريد ان اكون بين ابناء شعبي و لو سقطت بين الاقدام».

 

الامام و التعامل مع المحتاجين

     و حول اسلوب الامام في تعامله المحتاجين نذكر الحادث التالي: كان من ضمن برنامج الامام (حينما كان في النجف الاشرف) ان يحضر كل ليله مده ساعه في غرفه الاستقبال ثم يذهب بعدها الي زياره حرم جّده امير المؤمنين عليه السلام.

     و في احدي الليالي جاء رجل فقير الي الغرفه يطلب مساعده، فلم يلق معامله حسنه من بعض المسؤولين عن اداره منزل الامام، و كان الامام يراقب الوضع عن بعد و حين نهض للذهاب الي الزياره توقف عند المسؤول و قال له: اي نوع من المعامله هذا؟ فاعتذر المسؤول قائلاً: لقد جاء هذا الرجل بالامس و اليوم الذي قبله! فقال الامام: دعه يأت، انه محتاج و قد اجبرته حاجته علي المجيء فاما ان نقضي حاجته او، نرضيه بقول ما، فلا تجرحوا مشاعر الناس، و كانت آثار الانزجاع و الغضب واضحه علي الامام.

 

بصيره الامام النفاذه

     و حول بصيره الامام النفاذه ينقل السيد حميد الروحاني حادثه علي غايه من الوضوح في قدره الامام (رض) علي تشخيص الامور و رؤيه عواقبها .. حيث يقول:

     و لما قامت مجموعه من الشاب الايرانيين تنتمي الي منطقه تطلق علي نفسها اسم «مجاهدي خلق» باختلاف طائره ايرانيه من مطار دبي هبطت بهم في مطار بغداد، حضر احد افراد هذه المجموعه عند الامام و ادعي انه «ينتمي الي مجموعه اهدافها النهوض باهداف الدين الاسلامي الحنيف و مناصره نهضه الامام الاسلاميه، و قال اننا سائرون علي طريق الاسلام، نقرأ القرآن دوماً، و كذلك نهج البلاغه و نبتغي منك تأييد منظمتنا»

     فاجابه الامام:

     «انا لا استطيع تقديم التأييد لكم، قبل ان اطلع علي هويه منظمتكم و يقتضي ذلك البحث و الاطلاع علي ادبياتكم و كتبكم».

     و قد قدّم هذا الشخص للامام وعداً باحضار ما لديهم منها، كما ان الامام خصص ساعه او نصف ساعه من وقته ـ يومياً لملاقاته و مناقشه مدعيات ذلك الشخص، و مضي علي هذه الحاله شهر من الزمان كان خلالها هذا الشخص يحضر عند الامام ـ كما قال الامام ـ و قد تحدّث كثيرا حول مناهجم و خططهم و سوابقهم و آرائهم «الاسلاميه» و نظراتهم الخاصه في المسائل الاسلاميه و الاجتماعيه و السياسيه، و الامور المتعلّقه بادراه الدوله و في مختلف المسائل الاخري.

     و يضيف الامام: كان هو يتكلم و انا انصت اليه، تكلم عن برامج هذه المنظمه و افكارها و ايديولوجيتها، و اطلعت علي ما قدمه من كتب و مطبوعات، و قرأتها فتوصّلت الي حقيقه واضحه هي: ان هؤلاء من اولئك المنحرفين اليساريّين الذين يعرفون ـ حق المعرفه ـ ان الشعب الايراني شعب تغلغل الدين في اعماقه و اكنافه منذ ألف سنه، و لذلك فان ايه حركه تولد في هذا الوسط و لا تستند الي الاسلام سوف يكون نصيبها الفشل، اتخاذه ستاراً يطرحون من ورائه آراءهم التي هي الآراء و المعتقدات الالحاديه نفسها التي تطرحها الفئات الماركسيه و الشيوعيه الاخري».

     و هكذا فان الامام لم يؤيد هذه الحركه مطلقاً و كان حذراً منها، علي الرغم من محاولات مختلف الاطراف و الجهات السياسيه و الوطنيه. ان كل الضغوط الناشئه عليه بهذا الخصوص لم تستطع ان تغير من ارادته و تصميمه شيئاً.

 

كرامات الامام

     و ينقل الشهيد صدوقي حادثه اوضحت كرامه الامام و معرفته لعواقب الامور حيث يقول: سافر احد التجار الايرانيين الي النجف الاشرف «عندما كان الامام فيها»، و كانت حكومه الشاه في ذلك الحين قد جعلت لها عيوناً لمراقبه كل من يأتي الي الامام. جاء التاجر الي الامام و هو يحمل معه اموالاً (حقوق شرعيه) تمثل سهم الامام ليعطيها اياه، و حين قدمها للامام قال: هذه الاموال هي من سهم الامام و قد أتيت بها من ايران اليكم. فرفض الامام تسلم الاموال. فاصّر التاجر علي الامام لاستلامها قائلاً: لقد اتيت بها من مكان بعيد و هي تخصكم، عندها قال له الامام:

     ليس من الصالح ان استلم منك هذه الاموال اذهب بها الي المرجع (و ذكر اسمه) و خذ منه ورقه باستلام الاموال، فحمل التاجر تلك الاموال الي ذلك المرجع فسلمها له و اخذ منه ورقه بالاستلام.

     و حين عاد التاجر الي ايراان القي عليه القبض في الحدود. و حققوا معه و قال له «مسؤولو الامن» نحن نعلم كل شيء لقد ذهبت الي النجف و زرت الامام و قد اعطيته اموالاً كثيره، و لكن التاجر قال لهم انني لم اعط الامام حتي شاهياً واحداً (و الشاهي هو اقل فئه قديمه في العلمه الايرانيه)، بل انني اعطيت الاموال لشخص آخر و هذا هو وصل الاستلام، ثم اخرج ورقه باستلام المبلغ من المرجع الآخر.

     فلو ان الامام كان قد استلم المبلغ من الشخص المذكور لكان من المحتمل ان يسجن ذلك التاجر مدي الحياه.

 

صلابه  الامام

     تنقل عن الامام (رض) قصص و احاديث واقعيه توضح صلابته و تماسكه عند حلول الشدائد حتي اضحي في الشدائد و الصعاب ملاذا يلوذ به الجميع ..

     و كان الشهيد آيه الله بهشتي أثيراً عند الامام لحد كبير و يروي السيد انصاري كرماني كيف انهم حاولوا التخفيف من وطأه خبر شهاده الدكتور بهشتي علي الامام فقال:

     في الليله التي وصلنا خبر شهاده الدكتور بهشتي و اصحابه اصابنا الذهول، و لم ندر كيف يتسني لنا اخبار الامام بهذه الفاجعه حيث انه كان يحب بهشتي من صميم قلبه. و قررنا ليلتها ان يقوم كل من الحاج احمد (نجل الامام) و الشيخ هاشمي رفسنجاني (رئيس مجلس الشوري الاسلامي آنذاك) باخبار الامام بالنبأ في صباح اليوم التالي، و ثم ابلاغ الاذاعه و التلفزيون بعدم بثّ الخبر مساء ذلك اليوم و الانتظار حتي صباح اليوم التالي لان الامام قد تعودّ علي سماع اخبار آخر الليل.

     و تم الاتفاق ايضاً علي رفع جهاز الراديو من غرفه الامام لكي لا يستمع الي اخبار الساعه 7 او 8 صباحاً، و لكن عندما همّت احدي النساء برفع المذياع من غرفه الامام قبل الساعه 7 صباحاً .. قال لها الامام: اتركي المذياع في مكانه فقد سمعت بالفاجعه من احدي الاذاعات الاجنبيه مساء امس.

     و عندما دخل الحاج احمد و الشيخ الرفسنجاني ليخبراه بالحادثه، و لكن قبل ان يقولا شيئاً بادرهما بالتعزيه و اخذ يواسيهما ليقوي عزيمتها.

 

الوحده العدد 191