|
المصلحون
المسلمون و
الفكر
السياسي
المعاصر
الكواكبي
نموذجا محمد
جواد
الصاحبي
يجب
الاعتراف
بأن الشيخ
عبد الرحمن
الكواكبي هو
اول من كتب
دراسه
مستقله حول
طبيعه
الاستبداد،
بحث فيها
موضوع
السياسه
كعلم، اذ
يعتقد بأن
الكثيرين من
علماء
السياسه
تطرقوا الى
هذا الموضوع
قبله، لكن
حصيله
ابحاثهم و
افكارهم،
وضعوها في
اطار الكتب
التاريخيه و
الاخلاقيه و
الادبيه و
القانونيه،
و لم يكتبوا
شيئاً
مستقلاً
بهذا الشأن،
سوى كتاب «جمهوريه
أفلاطون»
او الكتب
التي ألفت في
السياسه و
الاخلاق،
مثل «كليله و
دمنه» او
مؤلفات «غوريغوريوس»
اليوناني،
او كتب
سياسيه
دينيه، مثل «نهج
البلاغه» و
كتاب «الخراج».
و يضيف
الكواكبي: و
في القرون
الوسطى
لانشاهد
اثراً يختص
بهذا المجال
سوى كتب
العلماء
المسلمين.
فلم يتطرق
الى ذلك الاّ
بعض
المفكرين
المسلمين،
امثال:
الرازي و
الطوسي و
الغزالي و
العلائي. و قد
اخذوا هذا
الاسلوب من
الايرانيين
و مزجوه
بالادب، و
اتبعوا بذلك
اسلوب ادباء
العرب، مثل:
ابو العلاء
المعرِّي و
ابو الطيب
المتنبي. او
انهم مزجوه
بالتاريخ
مثل: ابن
بطوطه و ابن
خلدون
اللذين
اقتبسا هذا
الاسلوب عن
اهل المغرب1.
و كلام
الكواكبي
هنا غير تام،
و يدلل على
عدم اطلاعه
الكامل على
آثار و
تأليفات
الذين
سبقوه،
لوجود
اسلوبين
آخرين –
على الاقل – بين
المفكرين
المسلمين،
للتأليف في
مجال علم
السياسه، و
هذان
الاسلوبان
مهمان جداً،
و اكثر فائده
مما نقله، و
الاسلوبان
هما:
1. اسلوب
المؤلفات
الفقهيه –
السياسيه: اي
تلك الكتب
التي توفق
بين القضايا
السياسيه و
الاحكام
الشرعيه و
تراهما
متلازمتين،
مثل: «السياسه
الشرعيه»
لابن تيميه،
و «معالم
القربه في
احكام
الحسبه» لابن
أخوه، «سلوك
الملوك»
لروزبهان
الخنجي، و «الاحكام
السلطانيه»
لابن
الفراء، و
كتاب آخر
بنفس الاسم
للماوردي و ..
2. اسلوب
المعرفه
السياسيه:
التي
ابتدعها
الفلاسفه
المسلمون و
بحثوها
كسائر
العلوم، تحت
عنوان (الحكمه
العمليه) او (المعرفه
السياسيه) و
اشهر ما وجد
في هذا
المجال آثار
الفيلسوف
الاسلامي
الكبير ابو
نصر
الفارابي. و
بالخصوص
كتابه
الشهير: «آراء
اهل المدينه
الفاضله» و «السياسه
المدينه».
يقول
الكواكبي: «لقد
وسّع علماء
اوربا في
القرون
الحديثه هذا
العلم، و
كتبوا فيه
العديد من
الكتب، و
فصلوا
مباحثه
الواحد عن
الآخر، مثل:
السياسه
العامه و
السياسه
الداخليه و
السياسه
الخارجيه و
السياسه
الاداريه و
السياسه
الاقتصاديه
و السياسه
الحقوقيه، و
قاموا
بتبويب كل
واحده منها،
و جعلوا لها
اصولاً و
فروعاً.
و في الوقت
نفسه، لم تقف
جهود علماء
الشرق و خاصه
الاتراك،
فقد كتبوا
آثاراً
مستقله و
ممزوجه، مثل
كتابات: احمد
جودت باشا، و
كمال بيك، و
سليمان
باشا، و حسن
فهمي.
اما العرب
فقليلاً ما
كتبوا في هذا
المجال، سوى:
رفاعه بك
الطهطاوي،
خير الدين
باشا
التونسي و
احمد فارس و
سليم
البستاني و
مبعوث
المدني»2.
و مما يبعث
على العجب،
ان الكواكبي
لم يذكر
شيئاً عن
آثار السيد
جمال الدين
الاسدآبادي
و الشيخ محمد
عبده، في حين
كان من
معاصري
الثاني
تقريباً. و
كذلك لم يذكر
المفكرين
الايرانيين
الذين كتبوا
دراسات
عديده في هذا
المجال،
منها كتابات
الميرزا
ملكم خان و
عبد الرحيم
طالب اوف3.
و على
الرغم من ان
كتابات ملكم
خان و طالب
أوف تعتبر
نوعاً من
الترجمه
لافكار
مفكري
القرون
الحديثه في
اوربا، بشكل
ممزوج مع
الثقافه و
الادب
الايرانيين،
و لكنها – و على ايه
حال –
لاتقل اهميه
عما كتبه
المفكرون
الاتراك و
العرب الذين
يشير اليهم
الكواكبي،
بالاضافه
الى
التأليفات
التي ظهرت
على يد علماء
الدين في هذه
البلاد في
فتره الحروب
الايرانيه –
الروسيه،
لمواجهه
مؤامرات
السياسه
الخارجيه و
الانحرافات
و الفساد و
الاستبداد
الداخلي4. و
لابداء
رأيهم في
السياسه و
اداره
الدوله و
اصلاح
النظام
السياسي و
الاجتماعي. الاستبداد
في المجتمع
الاسلامي
لقد ألف
الكواكبي
كتاب «طبائع
الاستبداد و
مصارع
الاستعباد»
لتنوير
اذهان
المسلمين
العرب و قد
عبر فيه عن
حقيقه المرض
الذي يعانيه
الشرق و
علاجه، و هو
الاستبداد.
فالكواكبي
يرى
الاستبداد
اكبر مشكله
يعانيها
الشرق. و يعرف
الاستبداد
بقوله: «الاستبداد
في اللغه،
بمعنى
اكتفاء
الشخص برأيه
في موضوع
يحتاج الى
الشورى، لكن
هذه اللفظه
عند ذكرها
بالصيغه
المطلقه
تفهم
باستبداد
الحكام، اما
في اصطلاح
اهل السياسه
فهي تعني
تصرف فرد او
جماعه بحقوق
شعب دون
الخوف من
المؤاخذه و
الاستجواب. و
يرى ان
الاستبداد
هو من صفات
الحاكم
المتفرد و
المطلق
العنان،
الذي يتصرف
في امور
رعيته
بإرادته و
دون خوف من
المحاسبه او
العقاب.
ان منشأ
الاستبداد
هو عندما
لايرى
الحاكم
ضروره
انسجام
تصرفاته مع
الشريعه او
القانون او
اراده
المكلّف»5.
الكواكبي
ليس من ذلك
النوع من
المصلحين
الذين
يقنعون
بظاهر
الانظمه
السياسيه،
او يكتفي
بألفاظ مثل
الدستوريه
او
الجمهوريه. و
نعلم جيداً
ان العديد من
المجددين في
البلاد
الاسلاميه
امتدحوا تلك
الصيغ
السياسيه،
مقلدين بذلك
الانظمه
الديمقراطيه
الاوروبيه،
اما هو فيقول:
«كما ان
الملكيه و
حكم الفرد
المطلق
العنان،
الذي وصل الى
السلطه
بالوارثه او
القوه، يوصف
بالاستبداد،
كذلك يمكن ان
يشمل هذا
الامر
الحاكم الذي
تكون حكومته
مقيده
بالظاهر او
انه وصل
إليها
بالانتخاب
او
بالوراثه،
لان مجرد
مشاركه
الناس
بالرأي او
الانتخاب
لاينفي
الاستبداد،
و كثيراً ما
يكون حكم و
تسلط مجموعه
اشد و اكثر
ضرراً من حكم
و تسلط فرد.
على هذا
الاساس،
فالملكيه
الدستوريه
التي تفصل
فيها القوه
التشريعيه
عن
التنفيذيه،
لاتنفي
الاستبداد،
اذا لم يكن
المنفذون
مسؤولين
امام
المشرعين»6.
و لهذا
السبب، يضيف:
«لاتخرج
الملكيه
بشتى
اشكالها عن
صفه
الاستبداد
الا
بالمراقبه و
الاشراف
الشديد و
المحاسبه
الجادّه،
كما كان عليه
في صدر
الاسلام زمن
عثمان او في
بعض موارد
فرنسا
المعاصره.
فحتى
الحكومه
العادله،
ستنتهي الى
الاستبداد
اذا لم تخف
المسؤوليه
او
المؤاخذه،
لان القوه
التي
تمتلكها من
جهه و جهل
الشعب من جهه
اخرى
سيسوقانها
بالتدريج
إلى هذا
الاتجاه»7.
و يرى
الكواكبي ان
حكام الغرب،
فيما بعد
النهضه
ايضاً،
يمتلكون صفه
الاستبداد،
لكن وعي شعوب
تلك البلاد
حال دون
دكتاتوريتهم.
و قد ادرك
الكواكبي من
خلال علم
الانسان (Anthropology)
الاسلامي،
انه في حاله
عدم وجود
روادع
داخليه
كالايمان و
التقوى او
خارجيه
كالقانون و
الاشراف
العام، فمن
الممكن ان
تجعل النفس
الانسانيه
الاماره،
الانسان
الصالح
مستبداً و
ظالماً، و
بهذا سيتصرف
حسب ارادته
الفرديه في
شؤون الناس،
لا على اساس
ارادتهم، و
سوف يحكم على
اساس اهوائه
لا في ضوء
القانون او
الشريعه، و
لانه يعرف
نفسه غاصباً
لحقوقهم و
معتدياً،
فسوف يدوس
برجله على
افواه
ملايين
الناس، حتى
لايتمكنوا
من المطالبه
بحقوقهم8.
و لايخفى
اليوم على من
درس التاريخ
الاجتماعي و
السياسي
للدول
الاسلاميه،
ان الكثير من
النهضات و
الانتفاضات
الدمويه
انتهت بسقوط
الانظمه
القديمه و
تأسيس انظمه
حديثه، لكن
جهل الناس و
عدم وعيهم
العميق، ادى
بتلك
الحركات و
الانظمه الى
الاستبداد
ثانيه.
و تدلّ
التجارب
الثوريه و
الانتفاضات
الشعبيه في
الجزائر و
مصر و
اندونوسيا.
كيف ان
الحكام
المستبدين و
الفاسدين
اصبحوا ورثه
المجاهدين
القدامى.
فالكواكبي
يرى انه –
و من اجل
الخلاص من
الاستبداد –
يجب ان يمتلك
الناس
ارواحاً
لاتقبل
بالاستبداد
و الظلم، ايّ
ان على الناس
تربيه
الاستعداد
على مواجهه
الشرّ و
السوء في
داخلهم. الاستبداد
الديني
يقول
الكواكبي: «يرى
الكتاب
الاوروبيون
ان
الاستبداد
السياسي
ينشأ من
الاستبداد
الديني، و
قليل منهم
يقولون: حتى
اذا لم يولد
الاستبداد
الديني و
الاستبداد
السياسي،
فإنهما
توأمان و
زوجان يحتاج
احدهما
الآخر، و
يساعد
احدهما
الآخر في
اذلال
الناس، لان
الاول يحكم
القلوب و
الثاني
الابدان»9.
و يرى
الكواكبي
هذا القول
اتهاماً
للتوراه و
الانجيل
الحقيقيين،
لانه يؤمن ان
ما جاء به
المتولون
على الكنيسه
و ما شاهدناه
من تصرفاتهم
و اعمالهم
لاينسجم و
حقيقه
تعاليم موسى
و عيسى (ع).
و يؤكد
خاصه تبرئه
القرآن من
هذه التهمه،
لكنه يعطي
هؤلاء
الاشخاص بعض
الحق في
حكمهم، لان
ذلك الحكم
يصدر على
اساس تصرفات
و اقوال و
حقائق
المجتمع
الديني
المرّه، و
ليس على اساس
جوهر ديانه
الناس. فهم
لاينظرون
الى حقيقه
الدين، و
انما الى
القساوسه و
علماء الدين
و اتباعهم و
يعتبرونهم
الملاك في
التقييم.
يقول
الكواكبي:
الاستبدادان
الديني و
السياسي
متلازمان و
متعاضدان في
سوق الناس
نحو تعظيم
الحاكم
الظالم و
عبادته
كالاله، و
هذا العمل
ادى في الامم
السابقه الى
ان يدعي
المستبدون
الالوهيه
بشكل يتناسب
و عقل و فهم
الرعيه. و يرى
ان ذهاب
احدهما يعني
زوال الآخر.
و على هذا
الاساس،
كثيراً ما
تحدث
المستبدون
عن الدين، او
انهم روجوا
لافكار و
عقائد باسم
الدين،
لانهم يرونه
افضل اسلوب و
اداره لفرض
مطاليبهم. و
يشير في هذا
العدد الى
تحريف
الاديان
الالهيه، و
يوضح كيف ان
المسيحيين
فهموا تعبير
الاب و الابن
الذي
استخدمه
الانجيل
مجازاً عن
الله و عيسى،
حقيقهً، و
بهذا الشكل
لوثوا دين
عيسى
التوحيدي
بالشرك.
و يعتقد،
ان الجبابره
المستبدين
وجدوا ان
ترويج هذه
الفكره ينفع
اغراضهم، و
ان بعض
المسلمين و
من خلال
تفسيرهم و
فهمهم
الخاطىء
لبعض
المفاهيم
الاسلاميه
كالقضاء و
القدر،
انحرفوا عن
طريق
التوحيد، و
جعلوا هذه
الفكره
الاصلاحيه
وسيله
لافساد
المجتمع10.
و بما ان
التوحيد او
وحدانيه
الله، هو
اساس عقائد
الاديان
السماويه،
يرى
المصلحون
الدينيون،
انه اذا كان
هناك فهم و
استخدام
صحيح لمفهوم
التوحيد،
فإن جميع
الامور
الثقافيه و
الاجتماعيه
و السياسيه
تؤول الى
الصلاح، لان
كلمه «لا اله
الاّ الله»
باعتبارها
اول شعار
توحيدي،
تدلل على هذا
المعنى،
اذن،
فالايمان
بهذا الشعار
يشمل
مرحلتين
متضادتين من
النفي و
الاثبات. نفي
عبوديه و
سلطه و حكومه
جميع الآلهه
المزيفه، و
في المقابل
القبول
بالذات
الاحديه،
باعتبارها
الخالق و
المالك و
الحاكم و
المدير و
المدبر لكل
الكون و
الوجود، و
هذا من اوضح
المفاهيم
التي يقدمها
هذا الشعار
المقدس.
ان نفي
جميع
الاشياء
التي تسيطر
على قلب
الانسان و
روحه، و
تمنعه من
الرقي و
التكامل، هي
ارضيه ذهنيه
و فكريه و
ثقافيه مهمه
لقبول
النظام
العقائدي و
الاجتماعي
الذي لا
سياده فيه
الاّ للكمال
و الجمال
المطلقين11.
لهذا نجد
الكواكبي –
كسائر
المصلحين
المسلمين في
العصر
الحديث –
يؤكد اهميه
عنصر
التوحيد،
فيقول: لقد
دعا النبي
الاكرم (ص)
الناس لمده
عشر سنوات
الى التوحيد
فقط، رغم
كثره
المشاكل، و
سمّى امته بـ«الموحده».
و انزل الله
ربع القرآن
الكريم في
مجال
التوحيد و
جعل دينه على
اساس كلمه (لا
إله الاّ
الله)، و جعل
هذه الكلمه –
على اساس
حكمه يعلمها –
افضل الذكر،
لان رسوخ
الايمان في
نفس المسلم،
يعني نفيه
الدائم
للشرك»12.
و يرى
الكواكبي
انه اذا فهم
التوحيد في
الاسلام
بشكل صحيح، و
ادرك الناس
المفهوم
الحقيقي
لكلمه
التوحيد، اي «لا
اله الاّ
الله»، فإنهم
سيحصلون على
احكم القلاع
في مواجهه
الاستبداد.
لانهم بهذا
الفهم لن
يعبدوا
احداً غير
الله و لن
يطأطئوا
رؤوسهم
امامه.
لهذا فهو
يؤمن: ان
التوحيد، ان
ساد في قوم
فسيحطم قيود
اسرهم، فلم
يُبتلَ
المسلمون
بالاسر الاّ
عندما كفروا
النعمه، و
ظلموا
انفسهم و
الآخرين»13.
و يعتقد
الكواكبي ان
الاسلام قام
بهدم قواعد
الشرك في
البدايه ثم
ارسى قواعد
الحريه
السياسيه
بشكل معتدل
بين
الديمقراطيه
و الحكم
الاستقراطي،
و جعل اساس
ذلك
التوحيد،
فظهرت على
يديه حكومه
كحكومه
الخلفاء
الراشدين
التي عجز
التاريخ ان
يأتي بمثلها
لحد الآن.
لربما
يكون هذا
التحليل
لنظام
الاسلام
السياسي،
بأنه حاله
وسط بين
الديمقراطيه
و
الاستقراطيه،
مسأله
يطرحها
الكواكبي
لاول مرّه و
لم يسبقه احد
في ذلك. و يرى
الكواكبي ان
حكومه
الخلفاء
الراشدين
حاله فريده
حتى في
التاريخ
الاسلامي، و
لايماثلها
الاّ حكم
اشخاص
نوادر، مثل «عمر
بن عبد
العزيز» و «المهتدي
العباسي» و «نور
الدين
الشهيد»
الذين
اشتهروا
بالعدل.
كما يرى ان
سبب نجاح
الخلفاء
الراشدين،
هو في فهمهم
للقرآن و
العمل
بأحكامه، و
يعدّ
المساواه و
مشاركه
المستضعفين
ما يعانونه،
و الاتحاد و
الشفقه و
الاخوه بين
المسلمين، و
التعاون و
التكاتف
الاجتماعي
بين من ثمار
ذلك.
ثم يأتي
شواهد من
تعاليم
القرآن
تتعلق
بالعدل و
المساواه و
عدم
انسجامهما
مع
الاستبداد،
خاصه الآيات
التي تدعو
الامراء الى
المشوره،
فيقول: «يتضح
ان اساس
النظام
الاسلامي
الديمقراطيه
و الشورى اي
مشاركه
الجميع الى
جانب
استشاره
هيئه من
الكبار»14.
و يصف
الكواكبي
الشريعه
الاسلاميه
بانها سهله و
متسامحه، و
منشأ بعض
الاشكالات و
التفاسير
الباطله هو
الجهل و
الظلم، و ان
ما يحدث في
المجتمع،
باسم
الاسلام،
شيء لايمكن
اتباعه و
فهمه و العمل
به، كما انه
لاينسجم مع
روح و فطره
الانسان،
لهذا لايجد
المرء في
نفسه الجرأه
على تبليغه،
ففي
الحقيقه،
هذا الفهم
للدين بعيد
عن حركه
المجتمع و
صلاحه، و
يفتقد
للعناصر
البناءه،
كالامر
بالمعروف و
النهي عن
المنكر.
يقول: ان
بعض العلماء
و
الروحانيين
غير المتقين
و طلاب
الدنيا،
جعلوا
لانفسهم
امتيازات، و
اجبروا بعض
الجهّال و
السذج على
مدحهم و
عبادتهم،
مقلدين بذلك
تصرفات بعض
الرهبان و
الكاردينالات.
هؤلاء – و من اجل
استمرارهم
في مراكزهم – اوجدوا
بدعاً في
الدين و
الصقوا به
اموراً
زائفه،
فجعلوه
قبيحاً، كما
فعل ذلك
الكهنه
الكاثوليك
الذين جعلوا
فهم الانجيل
منحصرا بهم،
او كما فعل
احبار
اليهود،
الذين سدّوا
باب أخذ
المسائل من
التوراه، و
تمسكوا
بالتلمود، و
نشروا
الخرافات
بين الناس. و
يرى
الكواكبي
انَّ هؤلاء
سدّوا باب
المعرفه
امام الناس،
و حالوا دون
ظهور جوهر
الدين و
حقيقته،
بالشكل الذي
لازالت
معاجز كتاب
الله مكتومه
عن اتباعه15. العلوم
الحديثه
جاذبيه
العلوم
الحديثه و
تفاخر
الغربيين
باكتشافها و
اختراعها من
جهه، و غيره
الكواكبي و
تعصبه
الديني من
جهه اخرى،
أدت به، و
كغيره من
مفكري عصره
المسلمين،
الى ان يؤكد
ان العلم
خلال القرون
الاخيره
اكتشف بعض
الحقائق و
الطبائع
التي نسبت
جميعها الى
المخترعين و
المكتشفين
الاوروبيين
و
الامريكيين،
و لكن بقليل
من التدبر في
القرآن، نجد
ان اكثر ذلك
ذكر بصراحه
او بشكل ضمني»16.
لذلك فهو
يذكر بعض
الفرضيات و
الاكتشافات
العلميه، و
يأتي بشواهد
عليها من
القرآن. و من
الواضح ان
القرآن
الكريم
لايبحث في
دقائق
القوانين
العلميه،
لكنه يدل على
الافق
الواسع و
يفتح الطريق
امام العروج
الى ارفع
الدرجات
العلميه.
بعض
السطحيين
يتصورون ان
صناعات عالم
اليوم، ليست
من خلق الله،
لانها قامت
على يد
البشر، لكن
القرآن
الكريم اشار
من قبل الى ان
ما يصنعه
الانسان، هو
من صنع الله
لسببين:
الاول:
لانه نتاج
القدره التي
اودعها الله
في الانسان.
الثاني:
لأن الانسان
اكتشف
الحواس و
الآثار
الموجوده في
الكائنات و
فهم طريقه
الاستفاده
منها. اذن فهو
غير مبدع و
الله هو ]بديع
السماوات و
الارض[17. الاستبداد
و العلم
يرى
الكواكبي
عدم امكان
استعباد
الرعيه و
ظلمها
مادامت غير
حمقاء و غير
تائهه في
ظلمه الجهل،
و لان العلم
نور، و الله
خلق النور
للإناره و
الحراره و
الطاقه،
فالنور ينشر
الخير و يفضح
الشرّ و يوجد
في النفوس
حرارهً و في
الرؤوس
الغيره18
طبعاً
المستبد
لايخشى اي
علم كان، و
انما يخاف
العلم الذي
يقدم تعاليم
في الحياه،
مثل: الحكمه
النظريه و
الفلسفه
العقليه و
حقوق الامم و
السياسه
المدنيه و
التاريخ
التحليلي و
الخطابه
الادبيه، و
غير ذلك من
العلوم التي
تقشع سحب
الجهل و تطلع
الشمس
الساطعه.
المستبد
يخشى العلوم
التي تفتح
الذهن و تنشر
الوعي بين
الناس و
تفهمهم ما هو
الانسان و ما
هي حقوقه؟ هل
هو مغبون؟
كيف يطالب
بحقوقه؟ و
كيف يمكنه
حفظها؟
فالمستبد
يفرح بجهل
الناس، لأنه
يستفيد من
جهلهم في نهب
اموالهم، و
اذا ما رأى
الناس
انفسهم
فقراء و
محتاجين،
فسيلجؤون
الى مدحه
لامرار
معاشهم. و
يسعى الحاكم
المستبد الى
نشر الفرقه
بين الناس،
ليفتخروا
بتدبيره و
سياسته في
احلال الامن
و ايجاد
النظام. و
عندما يصرف
اموالهم دون
اي رادع
يتحدثون عن
كرمه و بذله،
و عندما
يُقتل شخصُ و
لايولي هو اي
اهتمام،
سيقولون انه
انسان ذو
شفقه و رأفه.
اذا ما
عارض احد
ظلمه و جوره،
فسيقمعه
بهؤلاء
الجهله، و
كأنما
المتمردون
هم
المستبدون. و
في النهايه
سيقتل
العوام
احدهما
الآخر بسبب
الخوف الذي
ينشأ عن
جهلهم، و
عندما يرتفع
حهلهم
سيرتفع معه
الخوف
ايضاً، و في
تلك الحاله
سيضطر
المستبد لأن
يكون اميناً
و عادلاً
خلافاً
لطبائعه، و
سوف يخاف
الانتقام و
سيلتذ
بالمحبه
كالأب
العطوف و
الصبور.
في هذه
الحاله
ستكون
الحياه
مقبوله و
حلوه، و
سيضفي
الرخاء و
الهدوء و
السعاده
ضلاله
عليهم، و
سيلتذ و
يرتاح
الحاكم لهذا
الوضع اكثر
من غيره،
لانه في فتره
الاستبداد
كان من اشقى
الناس، و
لانهم في تلك
الفتره
كانوا
ينظرون اليه
بعين الحقد: و
لم يكن
يستطيع
اغماض عينيه
للحظه واحده
خوفاً على
نفسه. و بلا شك
فإن خوف
المستبد من
حقد الرعيه
اشد من خوفهم
منه، لان
خوفه يكون عن
علم، و
انتقامهم
يكون بحق،
لكن خوف
الرعيه ينشأ
عن الذل و
سببه الجهل. و
خوفه يكون
على النفس في
حين ان خوفهم
سببه لقمه
العيش، و
كلما زاد ظلم
المستبد زاد
خوفه من
الناس، الى
مستوى انه
سيخاف خواصه
و حاشيته، و
حتى انه
سيخاف من
خيالاته، و
كثيراً ما
كانت نهايه
المستبدين
من ضعاف
النفس،
الجنون19.
يقول
الكواكبي: و
اذا اراد أحد
دراسه
الخليفه
الاستبداديه
او التحرريه
في قومٍ ما،
فعليه
بدراسه
كلمات و
الفاظ اولئك
القوم، حتى
يرى هل هي مثل
الفارسيه
التي تكثر
فيها ألفاظ
التعظيم و
التملق ام
انها
كالعربيه
الفارغه من
هذه الالفاظ».
و خلاصه
القول، ان
الاستبداد
ضد العلم، و
كل واحد
منهما يحاول
التغلب على
الآخر، لهذا
نجد بين
الواعين و
العلماء من
جهه، و
المستبدين
من جهه اخرى
نزاعاً و
صراعاً
دائماً. الاستبداد
و العظمه
يرى
الكواكبي
أنّ
الاستبداد
هو اساس جميع
الفساد، و ان
عاقبته
لاتكون الاّ
أسوأ.
و بعد
البحث في
عواقب
الاستبداد
السيئه و
دوره في
افساده
العقل و
الدين و
العلم، يشير
الى هذه
القضيه، و هي:
ان
الاستبداد
لاينسجم مع
العظمه
الحقيقيه،
فهو يسعى الى
افسادها و
احلال المجد
و العظمه
المزيفه
مكانها. و
يقصد
الكواكبي
بالعظمه،
احراز حب و
احترام قلوب
الناس، و
طبعاً هذه من
الامنيات
الطبيعيه
لكل انسان
شريف»20.
لان الميل
نحو الكمال
ينبع من فطره
الانسان، و
ان كل فرد
يسعى لأن
تكون له صفات
و خصال
بارزه، و
لشده هذا
الميل في
الانسان،
يتساءل
بعضهم: هل
الحرص على
المجد و
العظمه اشد
ام الحرص على
الحياه؟
الكواكبي
بذاته يرجح
الحرص من اجل
المجد و
العظمه على
الحرص من اجل
الحياه، و
يرى فيه لذه
روحانيه
قريبه من لذه
العباده،
تعادل لذه
العلم عند
الحكماء، و
هي اكبر من
لذه استملاك
الارض عند
الامراء، و
اقوى من لذه
الاستطاعه
المفاجئه
عند الفقراء21.
و لهذا
السبب يتعرض
بالنقد لرأي
ابن خلدون،
لانه يرجح –
في مقدمته –
طمع حب
الدنيا على
الحرص على
الشرف و
العظمه، و
ينتقد
الامام
الحسين (ع) و
امثاله
الذين
فضّلوا
الموت من اجل
الشرف على
حياه الذلِّ.
اذ يقول ابن
خلدون: «و اما
سائر
الصحابه،
غير الحسين،
الذين كانوا
من الحجاز او
الشام و
العراق، و
ممن ساير
يزيد، و كذلك
التابعين،
فجميعهم لم
يجز الثوره
ضد يزيد، حتى
اولئك الذين
كانوا
يعتبرونه
فاسقاً، لان
الثوره ضده
تنتهي الى
الفوضى و سفك
الدماء، و
لذلك فقد
امسكوا عن
هذا الامر و
لم يتبعوا
الحسين (ع)
بذلك، و في
الوقت نفسه
لم يعيبوا
على الحسين
عمله، و لم
يروه
مذنباً، لان
الحسين كان
مجتهداً بل
زعيم
المجتهدين،
و يجب ان
لانتصور
خطاً ان
الذين وقفوا
بوجه الحسين
و لم ينصروه
قد أذنبوا،
لان اكثرهم
من الصحابه،
و كانوا
مسايرين
ليزيد، و لم
يروا ضروره
الثوره ضده»22. و بهذا الشكل يدين ابن خلدون غيره الحسين (ع) على الدين و عظمته و تحرره، و يعطي عذراً لتقاعس الاشخاص و طلبهم للعافيه و حبهم للدنيا، و بالطبع هو لايؤيد اعمال يزيد و كان يقول فيه: و كذلك يجب ان لانتصور ان اعمال يزيد كانت صحيحه عند اولئك الصحابه الذين لم يجيزوا الثوره ضده، و انما كان الفقهاء يرون نفوذ تلك التصرفات المشروعه فقط التي تصدر عن الخليفه الفاسق، و ان احد شروط محاربه الثائرين ضد الخلافه – برأي هؤلاء – هو فتوى الامام العادل. و لان القضيه التي نبحثها ليس فيها امام عادل، اذن فحرب الامام ال |