الولادة
الغراء
المقدمة
ما
اعظم هذا
البيت؛ بيت
الله
العتيق،
الذي هو مهوى
قلوب
العاشقين و
محط انظار
المحبين،
فهو المحل
الذي
يستقبله
المسلمون
خمس مراتٍ في
اليوم و
الليلة، و
اليه يسعى
الحجيج
الاعظم من كل
حدبٍ و صوب
يبغون وجه
الله
الأكرم، و هو
البيت الذي
وصفه الله
تعالى
باوصافٍ
كريمةٍ شتى
في كتابه
المجيد،
منها (البيت
العتيق) فقد
قال تعالى: (و
ليوفوا
نذورهم و
ليطّوّفوا
بالبيت
العتيق)، فمن
أي شيءٍ
عُتِقَ هذا
البيت
الكريم؟
لقد
ورد عن
الإمام
الصادق عليه
السلام قوله:
«إنما سُمّي
البيت
العتيق لأنه
اعتق من
الغرق و اعتق
الحرم معه،
كفّ عنه
الماء».
فاي
منزلةٍ
عظيمة لهذا
البيت و لهذه
البقعة
المباركة
عند الله
تعالى، حين
تغرق الارض و
ما عليها من
جبالٍ و
وديان و سهول
في طوفان
نوحٍ عليه
السلام
لتبقى هذه
القطعة من
الأرض دون أن
يمسها الماء
فاية كرامةٍ
هذه؟!.
مع كل هذا
الفضل و هذه
المنزلة
لهذا البيت
تعال معي أخي
القارئ
العزيز
لننظر ماذا
جرى على هذا
البيت
الكريم من
حدثٍ فيما
بعد؟ تعال
لنرحل في
اعماق الزمن
الماضي و على
وجه التحديد
في السنة
العاشرة قبل
البعثة
النبوية
المباركة ـ
في العام 600
ميلادي ـ و
بالدقة في
اليوم
الثالث عشر
من رجب
المرجب،
ماذا جرى في
هذا اليوم
المبارك؟.
ها
هي إحدى نساء
قريشٍ
الكريمات
امرأة
هاشمية
وقور، تمشي
بخطى
متثاقلة
بطيئة نحو
البيت
الحرام، لقد
أثقلها
الحمل الذي
في بطنها
واجهدها،
وقفت حيال
البيت
الحرام
رمقته
بنظرها
الكريم و
تمتمت
بكلماتٍ؛
ترى ماذا
قالت؟!
«يا
ربي، اني
مؤمنةٌ بك، و
بما جاء من
عندك من رسلٍ
و كتب، و اني
مصدقة بكلام
جدّي
ابراهيم
الخليل عليه
السلام و إنه
بنى بيتك
العتيق،
فبحق الذي
بنى هذا
البيت، و بحق
المولود
الذي في
بطني، الا ما
يسرت عليَّ
ولادتي». بهذه
الكلمات دعت
ربها فاطمة
بنت أسد بن
عبد مناف بن
هاشم، و ما أن
أتمت هذه
المرأة
الجليلة
كلامها حتى...
رَبّاه،
ما هذا!! ماذا
جرى!! لماذا
تهرع قريش
نحو البيت
الحرام؟ ما
هذا الحدث
الذي أخرج
القريشيين
من بيوتهم و
جعلهم
يحتشدون عند
بيت الله
الحرام؟
لنترك الامر
ليزيد بن
قعنب ـ أحد
الرواة و كان
حاضراً
يومئذٍ ـ
ليحدثنا
عمّا جرى في
ذلك اليوم
العظيم، قال:
«كنتُ جالساً
مع العباس بن
عبد المطلب و
فريق من بني
عبد العزّى
بازاء بيت
الله
الحرام، اذ
أقبلت فاطمة
بنت أسد؛ ام
اميرالمؤمنين
عليه السلام
و كانت
حاملاً به
لتسعة أشهر،
و قد أخذها
الطلق،
فقالت: يا
ربي، اني
مؤمنةٌ بك…
قال
يزيد بن قعنب:
فرأيت البيت
قد انشق عن
ظهره، و دخلت
فاطمة فيه و
غابت عن
ابصارنا، و
عاد البيت
الى حاله،
فرمنا أن
ينفتح لنا
قفل الباب
فلم ينفتح،
فعلمنا أن
ذلك من أمر
الله تعالى…».
ترى
أي حدث كوني
عظيم يريد أن
يحدث؟! لاي
أمرٍ انشق
هذا البيت
الذي حفظه
الله تعالى
من الطوفان؟!
لندع يزيد بن
قعنب يكمل
حديثه بعد أن
حاول هو و
غيره أن
يفتحوا باب
الكعبة أو
يكسروا
قفلها فلم
يفلحوا قال: «ثم
خرجت ـ يعني
فاطمة بنت
أسد ـ في
اليوم
الرابع و على
يدها
أميرالمؤمنين
علي بن ابي
طالب...».
رباه، ما هذا
السمو! ما هذه
الرفعة!! وليد
يُشق له بيت
الله ليولد
في حرم الله و
ليس لأمه من
النساء
القرشيات
واحدة
تعينها على
مصاعب
الولادة و
الوضع!! إنه
علي بن ابي
طالب عليه
السلام يولد
في بيت
التوحيد، في
بيت الله
الحرام. يا
لها من فضيلة
لم تسبق
بمثلها قبل،
و لم يحدث
مثلها من بعد.
فلنحاكي كتب
المسلمين و
صحائفهم و
لننظر ماذا
سطروا لنا
حول هذه
الواقعة
العظيمة؛
فهذا الحاكم
النيسابوري
في مستدركه
على صحيحي
مسلم و
البخاري
يقول:
«لقد
تواترت
الاخبار أن
فاطمة بنت
أسد ولدت
أميرالمؤمنين
علي بن أبي
طالب كرم
الله وجهه في
جوف الكعبة».
و ها هو
العلامة
الشهير سبط
ابن الجوزي
في تذكرته
يذكر تلك
الولادة
المباركة، و
جاء المؤرخ
المشهور
المسعودي
فيرسل حديث
ولادته عليه
السلام في
جوف الكعبة
ارسال
المسلمات، و
ذكره أيضاً
الشبلنجي في
نور الابصار
و محمد بن
طلحة
الشافعي في
مطالب
السؤول و ذكر
ذلك ايضاً
ابن الصباغ
المالكي في
فصوله
المهمة حيث
قال ما نصه:
«ولد
عليٌ عليه
السلام بمكة
المشرفة
بداخل البيت
الحرام في
يوم الجمعة
الثالث عشر
من شهر الله
الأصم رجب
الفرد، سنة
ثلاثين من
عام الفيل، و
لم يولد في
البيت
الحرام قبله
أحد سواه، و
هي فضيلة خصه
الله تعالى
بها اجلالاً
له و إعلاءً
لمرتبته و
اظهاراً
لتكرمته…».
و
هذا الحضرمي
يذكر تلك
المنقبة
ايضاً فيقول:
«ولد رضي الله
عنه يوم
الجمعة ثالث
عشر رجب
الفرد
الحرام سنة
ثلاثين من
عام الفيل … و
كانت ولادته
بالكعبة
المشرفة، و
هو أول من ولد
بها بل لم
يعلم أن غيره
ولد بها».
و
ذكر حديث
الولادة
المشرفة
الحافظ
الكبير أحمد
بن شعيب
النسائي في
خصائصه.
و
حق لكل ذي لب
أن يتوقف هنا
و للمتأمل أن
يتأمل في
هذا؛ ما معنى
ذلك؟ و لماذا
كل هذه
العناية
الألهية
الفائقة
بهذا
المولود
المبارك؟! ما
هي دلالات
هذه الولادة
الغراء؟! ثم
لماذا شُقَ
جدار البيت
حتى إن أثر
ذلك الشق
باقٍ و لحد
الآن في
الجانب
المسمى بـ(المستجار)؟!
هناك
محاولات
بذلت و تبذل
لحد الآن
لطمس هذا
المعلم و
الاثر
الرباني، و
لكن كلها
باءت بالفشل
و لله الحمد.
كل
الاسئلة
المتقدمة و
غيرها نترك
الاجابة
عليها
للقارئ
الكريم؛
ليجول بفكره
النير و
يستنتج و لو
جزءاً
يسيراً من
الحكمة
الألهية في
ذلك. و لكن قبل
أن ننتقل عن
هذا الموضوع
لابد أن ننوه
هنا إلى
الحديث
المتواتر
بين
المسلمين، و
الذي نقله
الرواة و
المحدثين، و
أهل التفسير
و التاريخ و
غيرهم، و هو
قول رسول
الله صلى
الله عليه و
آله و سلم: «الحق
مع عليّ، و
عليّ مع
الحق؛ لن
يفترقا حتى
يردا عليَّ
الحوض»، فهذه
الشخصية
الكريمة على
الله تعالى
اصبحت
مناراً للحق
و مؤشراً و
مقياساً له؛
لما أهلها
الله تعالى
من مؤهلات و
مزايا لم
تثبت لغيرها.
و لعلَّ هذه
الولادة
الميمونة
اشارةً لهذا
المعنى؛
فكما أن
الكعبة هي
منار الحق
للمسلمين،
فعلي عليه
السلام هو لب
الحق و
باطنه؛ إذ
ولد في هذه
البقعة
الطاهرة.
الولادة
الغراء في
الادب
العربي
لم
يكن حظ
الشعراء و
الادباء
بأقل من حظ
المحققين و
المؤرخين في
نقل هذه
الفضيلة
الشريفة و
المزية
الرفيعة،
التي اختص
بها امامنا
أميرالمؤمنين
علي بن ابي
طالب عليه
السلام؛ فقد
هامَ الكثير
من الشعراء و
الأدباء
العرب
قديماً و
حديثاً بهذا
النور
الإلهي
الساطع،
فغرقوا في
بحر فضائل
علي عليه
السلام و
راحوا
يتغنون بحبه
و يلهجونه
بذكره؛ فمن
طبقة
الشعراء
الأقدمين
نذكر على
سبيل المثال
لا الحصر سيد
الشعراء
السيد
الحميري (المتوفي
سنة 173 للهجرة
النبوية)
الذي عشق
أميرالمؤمنين
علي عليه
السلام
عشقاً لا حد
له حتى انه
كان في
احتضاره و هو
على اعتاب
الموت ينشد:
أحبُّ الذي
من مات من اهل
ودّه
تلقّاه
بالبشرى لدى
الموت يضحك
و من مات
يهوى غيره من
عدوه
فليس له
إلاّ الى
النار مسلك
ابا حسنٍ
افديك نفسي و
اسرتي
و مالي و ما
أصبحت في
الأرض املك
ابا حسنٍ
إنّي بفضلك
عارفٌ
و انّي
بحبلٍ من
هواك الممسك
و أنت وصيّ
المصطفى و
ابن عمّه
فإنّا
نعادي
مبغضيك و
نترك
فنرى
هذا الشاعر
العظيم عند
ما يذكر
الولادة
الغراء
لأميرالمؤمنين
عليه السلام
في بطن
الكعبة
يصفها و كأنه
كان ممن حضر
تلك الحادثة
المباركة
فيقول:
ولدته في
حرم الاله و
امنهِ
و البيت حيث
فناؤه و
المسجد
بيضاء
طاهرة
الثياب
كريمة
طابت و طاب
وليدها و
المولد
في ليلة
غابت نحوس
نجومها
و بدا مع
القمر
المنير
الأسعُدُ
ما لُفّ في
خِرق
القوابل
مثله
الا ابن
آمنة النبي
محمد
اما
من الادباء
المحدثين
فقد ذكرت هذه
الحادثة
العظيمة
نثراً و
شعراً في
كتبٍ جمة، بل
ذكرها من
الادباء غير
المسلمين
الكاتب و
الشاعر
المسيحي
البارع بولس
سلامة في
ملحمته
الشعرية
المسماة بـ «عيد
الغدير» حيث
قال في مقدمة
تلك الملحمة
الشعرية
واصفاً
أميرالمؤمنين
علي بن ابي
طالب عليه
السلام:
«…و اعجب من
بطولته
الجسدية
بطولته
النفسية؛
فلم يُرَ
أصبر منه على
المكاره، اذ
كانت حياته
موصوله
بالآلام منذ
فتح عينيه
على النور في
الكعبة، حتى
اغمضها على
الحق في مسجد
الكوفة».
ثم
يقول واصفاً
لتلك
الحادثة
الميمونة في
ابياتٍ
رائعة:
سمع الليل
في الظلام
المديد
همسة مثل
المفؤود
من خفي
الآلام و
الكبت فيها
و من البِشر
و الرجاء
السعيد
حرّةٌ
لزّها
المخاض
فلاذت
بستار
البيت
العتيق
الوطيد
لا نساء و لا
قوابل حفّت
بابنة
المجد و
العلى و
الجود
إلى
أن يقول:
صبرت فاطم
على الضيم
حتى
لهث الليل
لهثة
و اذا
بنجمةٌ من
الافق خفّت
تطعن الليل
بالشعاع
الحديد
بَسِمَ
المسجد
الحرام
حبوراً
و تنادت
حجارة
للنشيد
كان فجران
ذلك اليوم
فجرٌ
لنهارٍ و
آخر للوليد
هالت الأم
صرخةٌ جال
فيها
بعض شيء من
همهمات
الاسود
دعت الشبل (حيدراً)
و تمنت
و أكبت على
الرجاء
المديد
بل (علياً)
ندعوه قال
أبوه
فاستفزّ
السماء
للتأكيد
ذلك اسم
تناقلته
الفيافي
و رواه
الجلمود
للجلمود
يهرم الدهر
و هو كالصبح
باقٍ
كل يومٍ
يأتي بفجرٍ
جديد
و
ها هو الأديب
الكبير و
الكاتب
البارع عباس
محمود
العقاد،
الذي بهرته
عظمة علي
عليه السلام
فألف في ذلك
عدة كتب منها:
كتاب «عبقرية
الإمام»،
يذكر فيه
حديث
الولادة
بقوله:
«ولد
عليّ في داخل
الكعبة، و
كرّم الله
وجهه عن
السجود
لأصنامها،
فكانما كان
ميلاده ثمة
ايذاناً
بعهدٍ جديد
للكعبة و
للعبادة
فيها».
و
نختم هذا
الباب
بمقاطع
رائعة من
رباعيات
العلامة على
نقي النقوي
الهندي،
افاضتها
قريحته
النقية
واصفاً هذا
المعنى
بقوله:
طرب الكون
من البشر و قد
عمَّ السرور
و غدا
القمري يشدو
في ابتسام
للزهور
و تهانت
ساجعات في
ذرى الأيك
الطيور
لم ذا
البشر، و ما
هذا التهاني
لست
ادري
قد كسا وجه
الثرى من
سندس وجه
الربيع
فتهادى
مائساً في
حلل الخصب
المريع
و غدا يختال
بالأرياش و
الشأن
البديع
قائلاً هل
أحد يوجد
مثلي
لست
ادري
قمت استكشف
عنه سائلاً
هذا و ذاك
فرأيت الكل
مثلي في
اضطراب و
ارتباك
و إذا
الآراء طراً
في اصطدام و
اصطكاك
و اخيراً
عمها العجز
فقالت
لست
ادري
و اذا نبهني
عاطفة الحب
الدفين
و تظننت، و
ظن الالمعي
عين اليقين
إنه ميلاد
مولانا
أميرالمؤمنين
فدع الجاهل
و القول بأني
لست
ادري
لم يكن في
كعبة الرحمن
مولود سواه
اذ تعالى في
البرايا عن
مثيل في علاه
و تولى ذكره
في محكم
الذكر الإله
أيقول الغر
فيه بعد هذا
لست ادري؟.
أسماءه
و القابه و
كناه اسماءه
لقد اشتقت
اسماء
أميرالمؤمنين
علي عليه
السلام من
معانٍ تدل
كلها على
علوه و سموه و
رفعته؛ فكان
أول اسمٍ
سمته به
والدته
فاطمة بنت
اسد عليها
السلام هو (حيدرة)،
و هو اسمٌ من
اسماء
الاسد، «فقد
ولد قوي
البنية، صلب
العضل، شديد
الاسر».
و
بهذا الاسم
الذي يدل على
البسالة و
الشجاعة
ارتجز
أميرالمؤمنين
عليه السلام
في وقعة خيبر
تلك الوقعة
العظيمة،
حيث تخندق
اليهود
اعداء الدين
في حصنهم
المشهور
بحصن خيبر، و
كان حصناً
منيعاً
عالياً، و
كان لابد ـ
لتحقيق
النصر عليهم
و معاقبتهم
على تآمرهم
مع مشركي
قريش ـ من فتح
هذا الحصن، و
قد وردت
تفاصيل
احداث تلك
المعركة في
كتب
المسلمين،
منها: مسند
أحمد و صحيحي
مسلم و
البخاري،
حيث نقل لنا
عبد الله بن
بريدة (و هو
ابن الصحابي
بريدة
الاسلمي) قال:
«سمعت أبي
يقول: حاصرنا
خيبر، و أخذ
اللواء ابو
بكر فانصرف و
لم يُفتح له (اي
لم يستطع أن
يفتح حصن
خيبر)، ثم
أخذه عمر من
الغد، فرجع و
لم يُفتح له،
و أصاب الناس
يومئذٍ شدة و
جهد، فقال
رسول الله(ص):
إني دافع
الراية غداً
إلى رجلٍ يحب
الله و
رسوله، و
يحبه الله و
رسوله، كرار
غير فرار،
لايرجع حتى
يفتح الله له».
قال
مسلم في
صحيحه: «و خرج
مرحب (و مرحب
هذا أحد
أبطال
اليهود
الشجعان، ما
نازل أحداً
الا قتله)
فقال:
قد علمت
خيبرٌ أني
مرحبٌ
شاكي
السلاح بطل
مجرّب
اذا الحروب
أقبلت تلهّب
فقال
عليٌّ:
أنا الذي
سمتني أمي
حيدرة
كليث غابات
كريه
المنظرة
أوفيهم
بالصاع كيل
السندرة
قال:
فضرب رأس
مرحب فقتله
ثم كان الفتح
على يديه».
و
من اسمائه
الكريمة
عليه السلام
اسمه الذي
خُصَّ به و هو
اسم (علي)، و
لم يُسَمَ
أحدٌ بهذا
الاسم قبله؛
اذ لم تكن
العرب تعرف
هذا الاسم
حتى تسمى به
أميرالمؤمنين
عليه السلام
و هو الاسم
الذي سماه به
والده مؤمن
قريش أبو
طالب بن عبد
المطلب بن
هاشم، و في
ذلك يقول ابو
طالب عليه
السلام:
سميته بعلي
كي يدوم له
عز العلوّ و
فخر العز
أدومه
و
لم يكن
أبوطالب
ليسميه حتى
رجع في ذلك
إلى الله عز و
جل كما ينقل
لنا التاريخ
ذلك؛ اذ بعد
أن ولد
أميرالمؤمنين
عليه
السلام،
أصبح والده
ابوطالب
فدخل الكعبة
و ناجى ربه
بكلمات
رقاق، تنم عن
مدى انقياد
هذا الرجل
لربه في كل
الامور، و
هذه منتهى
العبودية
فقال في هذه
المناجاة
الرائعة:
يا رب هذا
الغسق
الدجيّ
و القمر
المنبلج
المضييّ
بين لنا من
أمرك الخفيّ
ماذا ترى في
اسم ذا الصبي
إن
رب البيت
الذي ولد فيه
لم يكن ليترك
هذا الامر
سدى، فكما
أنه اشتق
لنبيه محمد
صلى الله
عليه و آله
اسماً من
اسماءه؛ فهو
المحمود و
نبيه محمد،
كذلك اشتق
لوليه
الاعظم
اسماً من
اسمائه، فهو
العالي و
وليه علي؛ اذ
أن اباطالب
سمع هذا
الاسم
بنداءٍ هتف
به قائلاً:
يا
أهل بيت
المصطفى
النبي
خصصتم
بالولد
الزكي
إن اسمه من
شامخٍ عليِّ
عليٌّ اشتق
من العلي
اما كناه
فنلاحظ
أن أكثرها قد
كناه بها
رسول الله
صلى الله
عليه و آله و
سلم بياناً
لمقامه و
حباً له، فمن
كناه
المحببة
اليه عليه
السلام «أبوتراب»،
هذه الكنية
التي اطلقها
عليه الرسول
الاكرم في
أحد
الغزوات،
فقد نقل أحمد
بن حنبل في
مسنده عن
الصحابي
الجليل عمار
بن ياسر أنه
قال: «كنت أنا
و عليّ
رفيقين في
غزوة ذات
العشيرة،
فلما نزلها
رسول الله
صلى الله
عليه و آله و
سلم و أقام
بها، رأينا
ناساً من بني
مدلج يعملون
في عين لهم في
نخل، فقال لي
عليّ: يا أبا
اليقظان، هل
لك أن نأتي
هؤلاء فننظر
كيف يعملون؟
فجئناهم
فنظرنا الى
عملهم ساعة
ثم غشينا
النوم،
فانطلقت أنا
و علي
فاضطجعنا في
صور من النخل
في دقعاء من
التراب،
فنمنا،
فوالله ما
أهبنا الا
رسول الله
صلى الله
عليه و آله و
سلم يحركنا
برجله، و قد
تتربنا من
تلك
الدقعاء،
فيومئذٍ قال
رسول الله
صلى الله
عليه و آله و
سلم لعليّ: يا
اباتراب،
لما يُرى
عليه من
التراب، قال:
الا احدثكما
بأشقى الناس
رجلين؟ قلنا:
بلى يا رسول
الله، قال:
أحيمر ثمود
الذي عقر
الناقة، و
الذي يضربك
يا عليّ على
هذه (يعني
قرنه)، حتى
تبل منه هذه (يعني
لحيته).
إن
من الامور
التي تقرح
القلب و تجعل
المرء يبكي
بدل الدموع
دماً، هي سب و
شتم مثل
اميرالمؤمنين
علي بن ابي
طالب عليه
السلام، على
منابر من
يدعون
الاسلام و هو
منهم بريء؛
فقد تجاسر
بنو أمية
الذين ما
دخلوا
الاسلام الا
خوفاً و
طمعاً على سب
و شتم علي
عليه السلام
على منابر
المسلمين
أكثر من
أربعين سنة!
فيا
للمسلمين و
يا للاسلام!!
أوَ مثل علي
يُسب، هذا
الذي لم يقم
الاسلام الا
بسيفه؛ حماه
صغيراً، و
ذبَّ عنه
كبيراً، و
استشهد في
سبيله
شيخاً، و ما
جناية علي
حتى يفعل به
هكذا؟!
لقد
سبته و شتمته
بنوا أمية
بأحب كناه
اليه و
اوقعها في
قلبه، و قد
نقل لنا
الترمذي في
سننه ما نصه:
«عن
عامر بن سعد
بن ابي وقاص
قال: أمر
معاوية بنُ
ابي سفيان
سعداً، فقال:
ما يمنعك أن
تسُبَّ
أباتراب؟!
قال: أمّا ما
ذكرت ثلاثاً
قالهنَّ
رسول الله
صلى الله
عليه و سلم
فلن اسبّه،
لأن تكون لي
واحدة منهن
أحبُّ اليّ
من حمر النعم.
سمعت
رسول الله
صلى الله
عليه و آله و
سلم يقول
لعليّ و
خلّفه في بعض
مغازيه،
فقال له عليّ:
يا رسول
الله،
تخلّفني مع
النساء و
الصبيان؟
فقال رسول
الله صلى
الله عليه و
آله و سلم: أما
ترضى أن تكون
مني بمنزلة
هارون من
موسى إلاّ
أنه لا نبوّة
بعدي.
و
سمعته يقول
له يوم خيبر:
لأعطينَّ
الراية
رجلاً يحب
الله و رسوله
و يحبه الله و
رسوله، قال:
فتطاولنا
لها، فقال:
ادع لي
علياً،
فأتاه و به
رمد، فبصق في
عينه، فدفع
الراية
اليه، ففتح
الله عليه.
و
أنزلت هذه
الآية (قل
تعالوا
ندعوا
ابناءنا و
ابناءكم)
الآية، دعا
رسول الله
صلى الله
عليه و آله و
سلم علياً و
فاطمة و
حسناً و
حسيناً فقال:
اللهم هؤلاء
أهل بيتي».
حتى
إن هذا السب
صار سنة و
فريضة عند
وعاظ
السلاطين و
علماء السوء
ممن أحب
الدنيا و مال
لها، و
لم يرفع ذلك
السب الا بعد
أن تولى
الحكم عمر بن
عبد العزيز،
فأمر عماله و
وزراءه
بالكف و
الانتهاء عن
هذه السُنّة
الخبيثة.
و
من كناه
الأُخرى
عليه السلام
كنيته بـ(ابي
الحسن)، و كان
الحسن عليه
السلام يدعو
أباه في حياة
رسول الله
صلى الله
عليه و آله و
سلم بـ(ابي
الحسين) و كان
الحسين
يدعوه بـ(ابي
الحسن) فلما
توفي جدهما
رسول الله
صلى الله
عليه و آله و
سلم و فجعا
بمصيبة
فراقه دعوا
أباهما بـ(يا
ابة).
فايةُ
تربية نبوية
هذه، أن يدعو
الاخ أباه
باسم اخيه
الآخر، و هذا
من خصائص هذا
البيت
النبوي
الطاهر. و
كناه عليه
السلام
كثيره كلها
تدل على قربه
من ذات
الرسول صلّى
الله عليه و
آله و سلم، و
لا عجب فقد
خلقا من نورٍ
واحدٍ و من
شجرة واحدة،
و قد نقل لنا
جابر بن عبد
الله
الانصاري
هذا المعنى
بقوله:
«سمعت
رسول الله
صلى الله
عليه و آله و
سلم يقول:
الناس من شجر
شتى و أنا و
أنت يا علي من
شجرة واحدة».
فمن
هذه الكنى.
ابو
الريحانتين،
أسد الله،
وصي رسول
الله، سيد
العرب، فتى
قريش.
هذا،
و إن اليراع
ليحار فيك يا
مولاي يا
أميرالمؤمنين،
و ما عسانا أن
نكتب عنك و
أنت أعلى و
اسمى من أن
تحصى
مناقبك، و
يكفينا من
الوصف ما
وصفك به
الرسول
الأعظم صلى
الله عليه و
آله و سلم في
غزوة الخندق
اذ: (هنا لك
ابتلي
المؤمنون و
زلزلوا
زلزالاً
شديداً)،
عندما احاط
المشركون من
قريش و من
آزرهم من
جميع العرب،
و تحالف معهم
يهود
المدينة على
قلع الاسلام
من جذره و
ابادة
المسلمين،
فوصفهم
القرآن
الكريم
بقوله (اذ
جاءوكم من
فوقكم و من
اسفل منكم و
اذ زاغت
الابصار و
بلغت القلوب
الحناجر و
تظنّون
بالله
الظنونا)
فحينها برز
أميرالمؤمنين
علي بن ابي
طالب عليه
السلام لرأس
الشرك و
كبيرهم و كبش
كتيبتهم، و
قد راهنوا
بالنصر
اعتماداً
عليه و هو
عمرو بن
عبدود
العامري،
الذي كان يعد
بالف فارس،
حينها قال
رسول الله
صلى الله
عليه و آله و
سلم «برز
الايمان كله
الى الشرك
كله».
و
ما هي الا
لحظات حتى
ارداه
أميرالمؤمنين
عليه السلام
قتيلاً،
فانقلبت
موازين
المعركة
لصالح
المسلمين و (كفى
الله
المؤمنين
القتال، و
كان الله
قويّاً
عزيزاً).
|